واعلم أنه تعالى لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى منه موضعين :
الأول قوله تعالى : { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في قوله : { يصلون } قولان : الأول : ينتهون إليهم ويتصلون بهم ، والمعنى أن كل من دخل في عهد من كان داخلا في عهدكم فهم أيضا داخلون في عهدكم . قال القفال رحمه الله : وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلجأوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه .
القول الثاني : أن قوله : { يصلون } معناه ينتسبون ، وهذا ضعيف لأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أباح دم الكفار منهم .
المسألة الثانية : اختلفوا في أن القوم الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد من هم ؟ قال بعضهم هم الأسلميون فإنه كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد ، فإنه عليه الصلاة والسلام وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعصيه ولا يعين عليه ، وعلى أن كل من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل ما لهلال . وقال ابن عباس : هم بنو بكر ابن زيد مناة ، وقال مقاتل : هم خزاعة وخزيمة بن عبد مناة .
واعلم أن ذلك يتضمن بشارة عظيمة لأهل الإيمان ، لأنه تعالى لما رفع السيف عمن التجأ إلى من التجأ إلى المسلمين ، فأن يرفع العذاب في الآخرة عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى والله أعلم .
الموضع الثاني في الاستثناء : قوله تعالى : { أو جآؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : { أو جاؤكم } يحتمل أن يكون عطفا على صلة { الذين } والتقدير : إلا الذين يصلون بالمعاهدين أو الذين حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم ، ويحتمل أن يكون عطفا على صفة «قوم » والتقدير : إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم عهد ، أو يصلون إلى قوم حصرت صدورهم فلا يقاتلونكم ، والأول أولى لوجهين : أحدهما : قوله تعالى : { فإن اعتزلوكمفلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } وإنما ذكر هذا بعد قوله : { فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم } وهذا يدل على أن السبب الموجب لترك التعرض لهم هو تركهم للقتال ، وهذا إنما يتمشى على الاحتمال الأول ، وأما على الاحتمال الثاني فالسبب الموجب لترك التعرض لهم هو الاتصال بمن ترك القتال . الثاني : أن جعل ترك القتال موجبا لترك التعرض أولى من جعل الاتصال بمن ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض ، لأن على التقدير الأول يكون ترك القتال سببا قريبا لترك التعرض ، وعلى السبب الثاني يصير سببا بعيدا .
المسألة الثانية : قوله : { حصرت صدورهم } معناه ضاقت صدورهم عن المقاتلة فلا يريدون قتالكم لأنكم مسلمون ، ولا يريدون قتالهم لأنهم أقاربهم . واختلفوا في موضع قوله : { حصرت صدورهم } وذكروا وجوها : الأول : أنه في موضع الحال بإضمار «قد » وذلك لأن «قد » تقرب الماضي من الحال ، ألا تراهم يقولون : قد قامت الصلاة ، ويقال أتاني فلان ذهب عقله ، أي أتاني فلان قد ذهب عقله : وتقدير الآية ، أو جاؤكم حال ما قد حصرت صدورهم . الثاني : أنه خبر بعد خبر ، كأنه قال : أو جاؤكم ثم أخبر بعده فقال : { حصرت صدورهم } وعلى هذا التقدير يكون قوله : { حصرت صدورهم } بدلا من { جاؤكم } الثالث : أن يكون التقدير : جاؤكم قوما حصرت صدورهم أو جاؤكم رجالا حصرت صدورهم ، فعلى هذا التقدير قوله : { حصرت صدورهم } نصب لأنه صفة لموصوف منصوب على الحال ، إلا أنه حذف الموصوف المنتصب على الحال . وأقيمت صفته مقامه ، وقوله : { أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم } معناه ضاقت قلوبهم عن قتالكم وعن قتال قومهم فهم لا عليكم ولا لكم .
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن الذين استثناهم الله تعالى أهم من الكفار أو من المؤمنين ؟ فقال الجمهور : هم من الكفار ، والمعنى أنه تعالى أوجب قتل الكافر إلا إذا كان معاهدا أو تاركا للقتال فإنه لا يجوز قتلهم ، وعلى هذا التقدير فالقول بالنسخ لازم لأن الكافر وإن ترك القتال فإنه يجوز قتله ، وقال أبو مسلم الأصفهاني : إنه تعالى لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر فقال : { إلا الذين يصلون } وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة ، إلا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم يجدوا طريقا إليه خوفا من أولئك الكفار ، فصاروا إلى قوم بين المسلمين وبينهم عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص ، واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه ، لأنه يخاف الله تعالى فيه ، ولا يقاتل الكفار أيضا لأنهم أقاربه ، أو لأنه أبقى أولاده وأزواجه بينهم ، فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه ، فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ولا مقاتلة الكفار .
المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ولو شاء الله لسلطهم عليكم } التسليط في اللغة مأخوذ من السلاطة وهي الحدة ، والمقصود منه أن الله تعالى من على المسلمين بكف بأس المعاهدين ، والمعنى : أن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو لأن الله قذف الرعب في قلوبهم ، ولو أنه تعالى قوى قلوبهم على قتال المسلمين لتسلطوا عليهم . قال أصحابنا : وهذا يدل على أنه لا يقبح من الله تعالى تسليط الكافر على المؤمن وتقويته عليه ، وأما المعتزلة فقد أجابوا عنه من وجهين : الأول : قال الجبائي قد بينا أن القوم الذين استثناهم الله تعالى قوم مؤمنون لا كافرون ، وعلى هذا فمعنى الآية : ولو شاء الله لسلطهم عليكم بتقوية قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم أن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم . والثاني : قال الكلبي : إنه تعالى أخبر أنه لو شاء لفعل ، وهذا لا يفيد إلا أنه تعالى قادر على الظلم ، وهذا مذهبنا إلا أنا نقول : إنه تعالى لا يفعل الظلم ، وليس في الآية دلالة على أنه شاء ذلك وأراده .
المسألة الخامسة : اللام في قوله : { فلقاتلوكم } جواب «للو » على التكرير أو البدل ، على تأويل ولو شاء الله لسلطهم عليكم ولو شاء الله لقاتلوكم . قال صاحب «الكشاف » : وقرئ { فلقتلوكم } بالتخفيف والتشديد .
ثم قال : { فإن اعتزلوكم } أي فإن لم يتعرضوا لكم وألقوا إليكم السلم ، أي الانقياد والاستسلام ، وقرئ بسكون اللام مع فتح السين { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم . واختلف المفسرون فقال بعضهم : الآية منسوخة بآية السيف ، وهي قوله : { اقتلوا المشركين } وقال قوم : إنها غير منسوخة ، أما الذين حملوا الاستثناء على المسلمين فذلك ظاهر على قولهم ، وأما الذين حملوا الاستثناء على الكافرين فقال الأصم : إذا حملنا الآية على المعاهد فكيف يمكن أن يقال إنها منسوخة .
ثم استثنى من هؤلاء أولئك الّذين يتصلون بقوم معاهدين للمسلمين فيدخلون في عهدهم . كما استثنى الذين هم في حيرة من أمرهم ، قد وقفوا على الحياد ، مسالمين لا يقاتلون قومهم معكم ولا يقاتلونكم أنتم ، فهؤلاء جميعا لا يجوز قتالهم . هذا هو مبدأ الإسلام كما جاء صريحا في قوله تعالى : { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تعتدوا } .
{ وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ } .
لو شاء تعالى لجعلهم يحاربونكم ، ولكنه رحمَكم بأن صرفهم عن قتالكم . فإذا اعتزلوكم ولم يقاتلوكم فليس لكم من حق في الاعتداء علَيهم ، ولا يسوغ لكم قتالهم .
ثم إن الله استثنى من قتال هؤلاء المنافقين ثلاث فِرَق :
فرقتين أمر بتركهم وحتَّم [ على ] ذلك ، إحداهما{[220]} من يصل إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق بترك القتال فينضم إليهم ، فيكون له حكمهم في حقن الدم والمال .
والفرقة الثانية قوم { حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ } أي : بقوا ، لا تسمح أنفسهم بقتالكم ، ولا بقتال قومهم ، وأحبوا ترك قتال الفريقين ، فهؤلاء أيضا أمر بتركهم ، وذكر الحكمة في ذلك في قوله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ } فإن الأمور الممكنة ثلاثة أقسام :
إما أن يكونوا معكم ويقاتلوا أعداءكم ، وهذا متعذر من هؤلاء ، فدار الأمر بين قتالكم مع قومهم وبين ترك قتال الفريقين ، وهو أهون الأمرين عليكم ، والله قادر على تسليطهم عليكم ، فاقبلوا العافية ، واحمدوا ربكم الذي كف أيديهم عنكم مع التمكن من ذلك .
فهؤلاء { إن اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا }
الفرقة الثالثة : قوم يريدون مصلحة أنفسهم بقطع النظر عن احترامكم ، وهم الذين قال الله فيهم : { سَتَجِدُونَ آخَرِينَ } أي : من هؤلاء المنافقين . { يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ } أي : خوفا منكم { وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا } أي : لا يزالون مقيمين على كفرهم ونفاقهم ، وكلما عرض لهم عارض من عوارض الفتن أعماهم ونكسهم على رءوسهم ، وازداد كفرهم ونفاقهم ، وهؤلاء في الصورة كالفرقة الثانية ، وفي الحقيقة مخالفة لها .
فإن الفرقة الثانية تركوا قتال المؤمنين احترامًا لهم لا خوفا على أنفسهم ، وأما هذه الفرقة فتركوه خوفا لا احتراما ، بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين ، فإنهم مستعدون{[221]} لانتهازها ، فهؤلاء إن لم يتبين منهم ويتضح اتضاحًا عظيمًا اعتزال المؤمنين وترك قتالهم ، فإنهم يقاتلون ، ولهذا قال : { فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ } أي : المسالمة والموادعة { وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } أي : حجة بينة واضحة ، لكونهم معتدين ظالمين لكم تاركين للمسالمة ، فلا يلوموا إلا أنفسهم .