ثم إنه تعالى ذكر جوابا آخر عن قولهم { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ءاذاننا وقر } فقال : { ولو جعلناه قرءانا أعجميا لقالوا لولا فصلت ءاياته أأعجمي وعربي } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم : أأعجمي بهمزتين على الاستفهام ، والباقون بهمزة واحدة ومدة على أصلهم في أمثاله ، كقوله { أأنذرتهم } ونحوها على الاستفهام ، وروي عن ابن عباس بهمزة واحدة ، وأما القراءة بهمزتين : فالهمزة الأولى همزة إنكار ، والمراد أنكروا وقالوا قرآن أعجمي ورسول عربي ، أو مرسل إليه عربي ، وأما القراءة بغير همزة الاستفهام ، فالمراد الإخبار بأن القرآن أعجمي والمرسل إليه عربي .
المسألة الثانية : نقلوا في سبب نزول هذه الآية أن الكفار لأجل التعنت ، قالوا لو نزل القرآن بلغة العجم فنزلت هذه الآية ، وعندي أن أمثال هذه الكلمات فيها حيف عظيم على القرآن ، لأنه يقتضي ورود آيات لا تعلق للبعض فيها بالبعض ، وأنه يوجب أعظم أنواع الطعن فكيف يتم مع التزام مثل هذا الطعن ادعاء كونه كتابا منتظما ، فضلا عن ادعاء كونه معجزا ؟ بل الحق عندي أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد ، على ما حكى الله تعالى عنهم من قولهم { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ءاذاننا وقر } وهذا الكلام أيضا متعلق به ، وجواب له ، والتقدير : أنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم لكان لهم أن يقولوا : كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب ، ويصح لهم أن يقولوا { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } أي من هذا الكلام { وفي آذاننا وقر } منه لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه ، أما لما أنزلنا هذا الكتاب بلغة العرب وبألفاظهم وأنتم من أهل هذه اللغة ، فكيف يمكنكم ادعاء أن قلوبكم في أكنة منها ، وفي آذانكم وقر منها ، فظهر أنا إذا جعلنا هذا الكلام جوابا عن ذلك الكلام ، بقيت السورة من أولها إلى آخرها على أحسن وجوه النظم ، وأما على الوجه الذي يذكره الناس فهو عجيب جدا .
ثم قال تعالى : { قل هو للذين ءامنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في ءاذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد } .
واعلم أن هذا متعلق بقولهم { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } إلى آخر الآية ، كأنه تعالى يقول : إن هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم لا بلغة أجنبية عنكم ، فلا يمكنكم أن تقولوا إن قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا بهذه اللغة ، فبقي أن يقال إن كل من آتاه الله طبعا مائلا إلى الحق ، وقلبا مائلا إلى الصدق ، وهمة تدعوه إلى بذل الجهد في طلب الدين ، فإن هذا القرآن يكون في حقه هدى شفاء . أما كونه هدى فلأنه دليل على الخيرات ويرشد إلى كل السعادات ، وأما كونه شفاء فإنه إذا أمكنه الاهتداء فقد حصل الهدى ، فذلك الهدى شفاء له من مرض الكفر والجهل ، وأما من كان غارقا في بحر الخذلان ، وتائها في مفاوز الحرمان ، ومشغوفا بمتابعة الشيطان ، كان هذا القرآن في آذانه وقرا ، كما قال : { وفي آذاننا وقر } وكان القرآن عليهم عمى كما قال : { ومن بيننا وبينك حجاب } ، { أولئك ينادون من مكان بعيد } بسبب ذلك الحجاب الذي حال بين الانتفاع ببيان القرآن ، وكل من أنصف ولم يتعسف علم أنا إذا فسرنا هذه الآية على الوجه الذي ذكرناه صارت هذه السورة من أولها إلى آخرها كلاما واحدا منتظما مسوقا نحو غرض واحد ، فيكون هذا التفسير أولى مما ذكروه ، وقرأ الجمهور { وهو عليهم عمى } على المصدر ، وقرأ ابن عباس عم على النعت ، قال أبو عبيد والأول هو الوجه ، كقوله { هدى وشفاء } وكذلك { عمى } وهو مصدر مثلها ، ولو كان المذكور أنه هاد وشاف لكان الكسر في { عمى } أجود فيكون نعتا مثلهما ، وقوله تعالى : { أولئك ينادون من مكان بعيد } قال ابن عباس : يريد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء ، وقيل من دعي من مكان بعيد لم يسمع ، وإن سمع لم يفهم ، فكذا حال هؤلاء .
ثم أجاب عن شبهة قالوها ، وهي : هلا نزل القرآن بلغة العَجَم ؟ هذا مع أنه لو نزل بلغة أعجمية لأنكروا ذلك أيضا ، وقالوا ما لنا ولهذا ؟
ثم قال لرسوله الكريم قل لهم : إن هذا القرآن هدى وشفاء للمؤمنين ، أما الذين كفروا ولم يؤمنوا به ، فكأنهم صمّ ، وهو عليهم عَمًى فلا يبصرون حُججه ومحاسنه .
ثم مثّل حالهم ، باعتبار عدم فهمهم له ، بحال من ينادَى من مكان بعيد فهو لا يسمع من يناديه : { أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } .
قال أهل اللغة : تقول العرب للرجل الذي لا يفهم كلامك : أنت تنادَى من مكان بعيد ، وللفهيم ثاقب الرأي : إنك لتأخذ الأمور من مكان قريب .
قرأ قالون وأبو عمرو : آاعجمي بمد الهمزة الأولى وتسهيل الثانية . وقرأ حفص وابن كثير وابن ذكوان : أأعجمي بهمزتين بغير مد . وقرأ هشام : أعجمي على الإخبار .
{ 44 } { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ }
يخبر تعالى عن فضله وكرمه ، حيث أنزل كتابا عربيًا ، على الرسول العربي ، بلسان قومه ، ليبين لهم ، وهذا مما يوجب لهم زيادة الاغتناء به ، والتلقي له والتسليم ، وأنه لو جعله قرآنا أعجميًا ، بلغة غير العرب ، لاعترض ، المكذبون وقالوا : { لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ } أي : هلا بينت آياته ، ووضحت وفسرت . { أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ } أي : كيف يكون محمد عربيًا ، والكتاب أعجمي ؟ هذا لا يكون فنفى الله تعالى كل أمر ، يكون فيه شبهة لأهل الباطل ، عن كتابه ، ووصفه بكل وصف ، يوجب لهم الانقياد ، ولكن المؤمنون الموفقون ، انتفعوا به ، وارتفعوا ، وغيرهم بالعكس من أحوالهم .
ولهذا قال : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ } أي : يهديهم لطريق الرشد والصراط المستقيم ، ويعلمهم من العلوم النافعة ، ما به تحصل الهداية التامة وشفاء لهم من الأسقام البدنية ، والأسقام القلبية ، لأنه يزجر عن مساوئ الأخلاق وأقبح الأعمال ، ويحث على التوبة النصوح ، التي تغسل الذنوب وتشفي القلب .
{ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ } بالقرآن { فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ } أي : صمم عن استماعه وإعراض ، { وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } أي : لا يبصرون به رشدًا ، ولا يهتدون به ، ولا يزيدهم إلا ضلالاً فإنهم إذا ردوا الحق ، ازدادوا عمى إلى عماهم ، وغيًّا إلى غيَّهم .
{ أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } أي : ينادون إلى الإيمان ، ويدعون إليه ، فلا يستجيبون ، بمنزلة الذي ينادي ، وهو في مكان بعيد ، لا يسمع داعيًا ولا يجيب مناديًا . والمقصود : أن الذين لا يؤمنون بالقرآن ، لا ينتفعون بهداه ، ولا يبصرون بنوره ، ولا يستفيدون منه خيرًا ، لأنهم سدوا على أنفسهم أبواب الهدى ، بإعراضهم وكفرهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.