{ ألم ، الله لا إله إلا هو الحي القيوم } .
أما تفسير { الم } فقد تقدم في سورة البقرة ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو بكر عن عاصم { الم ، الله } بسكون الميم ، ونصب همزة : الله ، والباقون موصولا بفتح الميم ، أما قراءة عاصم فلها وجهان الأول : نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء والثاني : أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل ، فمن فصل وأظهر الهمزة فللتفخيم والتعظيم ، وأما من نصب الميم ففيه قولان :
القول الأول : وهو قول الفراء واختيار كثير من البصريين أن أسماء الحروف موقوفة الأواخر ، يقول : ألف ، لام ، ميم ، كما تقول : واحد ، اثنان ، ثلاثة ، وعلى هذا التقدير وجب الابتداء بقوله : الله ، فإذا ابتدأنا به نثبت الهمزة متحركة ، إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف ، ثم ألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها .
فإن قيل : إن كان التقدير فصل إحدى الكلمتين عن الأخرى امتنع إسقاط الهمزة ، وإن كان التقدير هو الوصل امتنع بقاء الهمزة مع حركتها ، وإذا امتنع بقاؤها امتنعت حركتها ، وامتنع إلقاء حركتها على الميم .
قلنا : لم لا يجوز أن يكون ساقطا بصورته باقيا بمعناه فأبقيت حركتها لتدل على بقائها في المعنى هذا تمام تقرير قول الفراء .
والقول الثاني : قول سيبويه ، وهو أن السبب في حركة الميم التقاء الساكنين ، وهذا القول رده كثير من الناس ، وفيه دقة ولطف ، والكلام في تلخيصه طويل .
وأقول : فيه بحثان أحدهما : سبب أصل الحركة ، والثاني : كون تلك الحركة فتحة .
أما البحث الأول : فهو بناء على مقدمات :
المقدمة الأولى : أن الساكنين إذا اجتمعا فإن كان السابق منهما حرفا من حروف المد واللين لم يجب التحريك ، لأنه يسهل النطق بمثل هذين الساكنين ، كقولك : هذا إبراهيم وإسحاق ويعقوب موقوفة الأواخر ، أما إذا لم يكن كذلك وجب التحريك لأنه لا يسهل النطق بمثل هذين ، لأنه لا يمكن النطق إلا بالحركة .
المقدمة الثانية : مذهب سيبويه أن حرف التعريف هي اللام ، وهي ساكنة ، والساكن لا يمكن الابتداء به فقدموا عليها همزة الوصل وحركوها ليتوصلوا بها إلى النطق باللام ، فعلى هذا إن وجدوا قبل لام التعريف حرفا آخر فإن كان متحركا توصلوا به إلى النطق بهذه اللام الساكنة وإن كان ساكنا حركوه وتوصلوا به إلى النطق بهذه اللام ، وعلى هذا التقدير يحصل الاستغناء عن همزة الوصل لأن الحاجة إليها أن يتوصل بحركتها إلى النطق باللام ، فإذا حصل حرف آخر توصلوا بحركته إلى النطق بهذه اللام ، فتحذف هذه الهمزة صورة ومعنى ، حقيقة وحكما ، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال : ألقيت حركتها على الميم لتدل تلك الحركة على كونها باقية حكما ، لأن هذا إنما يصار إليه حيث يتعلق بوجوده حكم من الأحكام ، أو أثر من الآثار ، لكنا بينا أنه ليس الأمر كذلك فعلمنا أن تلك الهمزة سقطت بذاتها وبآثارها سقوطا كليا ، وبهذا يبطل قول الفراء .
المقدمة الثالثة : أسماء هذه الحروف موقوفة الأواخر ، وذلك متفق عليه .
إذا عرفت هذه المقدمات فنقول : الميم من قولنا { الم } ساكن ولام التعريف من قولنا { الله } ساكن ، وقد اجتمعا فوجب تحريك الميم ، ولزم سقوط الهمزة بالكلية صورة ومعنى ، وصح بهذا البيان قول سيبويه ، وبطل قول الفراء .
أما البحث الثاني : فلقائل أن يقول : الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر ، فلم اختير الفتح ههنا ، قال الزجاج في الجواب عنه : الكسر ههنا لا يليق ، لأن الميم من قولنا { الم } مسبوقة بالياء فلو جعلت الميم مكسورة لاجتمعت الكسرة مع الياء وذلك ثقيل ، فتركت الكسرة واختيرت الفتحة ، وطعن أبو علي الفارسي في كلام الزجاج ، وقال : ينتقض قوله بقولنا : جير ، فإن الراء مكسورة مع أنها مسبوقة بالياء ، وهذا الطعن عندي ضعيف ، لأن الكسرة حركة فيها بعض الثقل والياء أختها ، فإذا اجتمعا عظم الثقل ، ثم يحصل الانتقال منه إلى النطق بالألف في قولك { الله } وهو في غاية الخفة ، فيصير اللسان منتقلا من أثقل الحركات إلى أخف الحركات ، والانتقال من الضد إلى الضد دفعة واحدة صعب على اللسان ، أما إذا جعلنا الميم مفتوحة ، انتقل اللسان من فتحة الميم إلى الألف في قولنا { الله } فكان النطق به سهلا ، فهذا وجه تقرير قول سيبويه ، والله اعلم .
المسألة الثانية : في سبب نزول أول هذه السورة قولان :
القول الأول : وهو قول مقاتل بن سليمان : إن بعض أول هذه السورة في اليهود ، وقد ذكرناه في تفسير { الم ، ذلك الكتاب } [ البقرة : 1 2 ] .
والقول الثاني : من ابتداء السورة إلى آية المباهلة في النصارى ، وهو قول محمد بن إسحق قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم ، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم ، أحدهم : أميرهم ، واسمه عبد المسيح ، والثاني : مشيرهم وذو رأيهم ، وكانوا يقولون له : السيد ، واسمه الأيهم ، والثالث : حبرهم وأسقفهم وصاحب مدارسهم ، يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل ، وملوك الروم كانوا شرفوه ومولوه وأكرموه لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم ، فلما قدموا من بحران ركب أبو حارثة بغلته ، وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة ، فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت ، فقال كرز أخوه : تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو حارثة : بل تعست أمك ، فقال : ولم يا أخي ؟ فقال : إنه والله النبي الذي كنا ننتظره ، فقال له أخوه كرز : فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا ، قال : لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالا كثيرة وأكرمونا ، فلو آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأخذوا منا كل هذه الأشياء ، فوقع ذلك في قلب أخيه كرز ، وكان يضمره إلى أن أسلم فكان يحدث بذلك ، ثم تكلم أولئك الثلاثة : الأمير ، والسيد والحبر ، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على اختلاف من أديانهم ، فتارة يقولون عيسى هو الله ، وتارة يقولون : هو ابن الله ، وتارة يقولون : ثالث ثلاثة ، ويحتجون لقولهم : هو الله ، بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرىء الأكمه والأبرص ، ويبرىء الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير ، ويحتجون في قولهم : إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم ، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله تعالى : فعلنا وجعلنا ، ولو كان واحدا لقال فعلت فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلموا ، فقالوا : قد أسلمنا ، فقال صلى الله عليه وسلم كذبتم كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولدا ، وتعبدون الصليب ، وتأكلون الخنزير ، قالوا : فمن أبوه ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها .
ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يناظر معهم ، فقال : ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت ، وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا : بلى ، قال ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه ؟ قالوا بلى ، قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه ، فهل يملك عيسى شيئا من ذلك ؟ قالوا : لا ، قال ألستم تعلمون أن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهل يعلم عيسى شيئا من ذلك إلا ما علم ؟ قالوا : لا ، قال فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث وتعلمون أن عيسى حملته امرأة كحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة ، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ، ويحدث الحدث قالوا : بلى فقال صلى الله عليه وسلم : « فكيف يكون كما زعمتم ؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا ، ثم قالوا : يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه ؟ قال : بلى » ، قالوا : فحسبنا فأنزل الله تعالى : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه } [ آل عمران : 7 ] الآية .
ثم إن الله تعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم بملاعنتهم إذ ردوا عليه ذلك ، فدعاهم رسول الله إلى الملاعنة ، فقالوا : يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا ، ثم نأتيك بما تريد أن نفعل ، فانصرفوا ثم قال بعض أولئك الثلاثة لبعض : ما ترى ؟ فقال : والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدا نبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا قط إلا وفي كبيرهم وصغيرهم ، وأنه الاستئصال منكم إن فعلتم ، وأنتم قد أبيتم إلا دينكم والإقامة على ما أنتم عليه ، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ، ونرجع نحن على ديننا ، فابعث رجلا من أصحابك معنا يحكم بيننا في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا ، فإنكم عندنا رضا ، فقال عليه السلام : آتوني العشية أبعث معكم الحكم القوي الأمين وكان عمر يقول : ما أحببت الإمارة قط إلا يومئذ رجاء أن أكون صاحبها ، فلما صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر سلم ثم نظر عن يمينه وعن يساره ، وجعلت أتطاول له ليراني ، فلم يزل يردد بصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح ، فدعاه فقال : اخرج معهم واقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه ، قال عمر : فذهب بها أبو عبيدة .
واعلم أن هذه الرواية دالة على أن المناظرة في تقرير الدين وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأن مذهب الحشوية في إنكار البحث والنظر باطل قطعا ، والله أعلم .
هي السورة الثالثة ، مدنية ، وعدد آياتها مائتان . وسبب تسميتها " آل عمران " أنه جاء ذكر عمران مرتين في آيتين متتاليتين . وقد سميت سورة البقرة بهذا الاسم لقصة فيها ، أما سورة المائدة فقد سميت بذلك لقصة المائدة التي طلب الحواريون إنزالها من السماء . وهكذا نرى أن السور تسمى بأهم أو أغرب ما اشتملت عليه .
وليست سورة آل عمران من أوائل ما نزل بالمدينة ، فقد كان نزولها بعد فترة تقلبت فيها على المؤمنين أحوال من النصر والهزيمة في غزوات متعددة ، واختلطوا بأهل الكتاب وجرى بينهم كثير من الحجاج والنقاش فيما يتصل بالدعوة المحمدية وفروعها . وقد نزلت " آل عمران " بعد سورة الأنفال التي تكلفت بالكلام على موقعة بدر ، وبرزت العناية فيها بأمرين عظيمين لهما خطرهما في سعادة الأمم وشقائها .
أحدهما : تقرير الحق في قضية العالم الكبرى ، وهي مسألة الألوهية وإنزال الكتب وما يتعلق بها من أمر الدين والوحي والرسالة .
والثاني : تقرير العلة التي من أجلها ينصرف الناس في كل زمان ومكان عن التوجه إلى معرفة الحق والعمل على إدراكه والتمسك به .
لذاك نجدها بدأت بتقرير الأمر الأول فذكرت وحدانية الله ، وأنه وحده الحي الذي لا يدركه الفناء ، القيوم الذي له الهيمنة على شئون الخلق بالإيجاد والتربية الجسمية والعقلية . كما قررت علمه المحيط وقدرته النافذة القاهرة . ثم قدّرت اصطفاء الله لبعض خلقه { رسلا مبشرين ومنذرين } يعرفون مهمتهم وهي دعوة الخلق إلى الحق ، وأن الله تعالى أخذ على هؤلاء الرسل جميعا العهد والميثاق أن يصدِّق بعضهم بعضا في الحق وفي دعوة الناس إلى الله .
هذا هو العهد الذي حفظه عيسى عليه السلام وتوفي عليه وبه يلقى ربه يوم القيامة .
كما أبرزت السورة وحدة الدين عند الله وعلى لسان رسله جميعا . وقد خصت جماعة المسرفين في شأن عيسى ، الزاعمين له ما ليس له من ألوهية أو بنوة أو حلول ، فذكرت أنه لم يكن إلا رجلا من آل عمران الذين اصطفاهم الله من بين من اصطفى ، وبينت أن الخوارق التي ظهرت على يده لم تكن إلا من سنّة الله في تأييد رسله بالمعجزات .
وبعد أن تكشف السورة لأولئك شُبهتهم التي ضلوا بها ، تسلك معهم سبيلا آخر فتأمر الرسول الكريم أن يتقدم إليهم فيدعوهم إلى المباهلة : وهي أن يجتمعوا جميعا في صعيد واحد ، ويستمطر الكل لعنة الله على الكاذب من الفريقين ، فلم يقبلوا ، بل خافوا وتولوا وانقطعوا عن الحِجاج . ثم ذكرت السورة أمورا كثيرة عن تفنّن أهل الكتاب في إضلال المؤمنين ، كما بينت حيلهم وفنّدتها في كثير من الآيات البينات .
وبينما كانت السورة تقرر هذا المقصد على النحو الذي شرحناه باختصار ، فقد عرضت أثناء ذلك بيان العلة التي تستحوذ على قلوب الناس ، فتحُول بينهم وبين اعتناق الحق والعمل به . وهذا هو المقصد الثاني للسورة . وهي ترده إلى شيء واحد هو الاعتزاز بما لهم من أموال وأولاد وسلطان . فقد كان المشركون يتصورون أن إيمانهم بمحمد فيه زلزلة لما لهم من جاه وسلطان . . وهم يريدون الحفاظ على ذلك .
وبعد أن ترسِّخ السورة هذين المقصدين تتجه إلى جماعة المؤمنين ، فتحذرهم ألا يتأثروا قليلا أو كثيرا بخطة هؤلاء المعاندين في الاغترار بمتاع الحياة الدنيا . وتطلب إليهم أن يعتصموا بحبل الله . ثم تبين لهم علاقاتهم بغير المؤمنين وكيف يجب عليهم أن يعاملوهم ، شارحة ما يباح لهم وما لا يباح .
وهي تلفت نظرهم إلى واقعة بدر وكيف أنهم انتصروا فيها بالإيمان والصبر رغم قلة كانت لديهم في العدة والعدد ، وكثرة لدى أعدائهم في الجانبين .
ثم توجه انتباههم إلى واقعة أحُد ، يوم اعتمدوا على قوتهم وكثرتهم . يومذاك انهزموا ، بعد أن خطفت أبصارهم زخارف الدنيا .
وهي تذكر أن تلك الهزيمة كانت ابتلاء من الله وتمحيصا للمؤمنين ، وتقرر أن العاقبة لهم على كل حال . أما الشهداء فهم الفائزون ، لأنهم أحياء عند ربهم يُرزقون .
بعد ذلك وجهت السورة نداءات إلهية لجماعة المؤمنين ، وحرمت الربا قليله وكثيره ، ثم نبهت المؤمنين إلى أنّ من شأن أرباب الحق أن ينالهم كثير من الأذى ، بالقول والعمل ، من حُماة الباطل . وأن واجب المؤمنين أن يتلقوا كل ذلك بالصبر والاحتمال .
وبعد هذا كله تُختم السورة بأمرين عظيمين :
الأول : رسم الطريق الذي يصل به الإنسان إلى معرفة الحق والإيمان به .
والثاني : هذه النصيحة الغالية التي ما تمسكت بها أمة إلا سمت وعزّت ، ولا تخلت عنها أمة إلا أخذها الضعف فأفضى بها إلى الذل والهوان .
{ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } .
ووجهُ اتصال هذه السورة بالتي قبلها : أن كلا منهما بدأ بذكر الكتاب وحال الناس في الاهتداء به . وأن الأولى تأتي على ذكر آدم وخلْقه ، والثانية على خلق عيسى . وكلاهما جرى على غير سنة سابقة في الخلق . وفي كل منهما محاجّة لأهل الكتاب . وقد جاء الحِجاج في " البقرة " بإسهاب في محاجة اليهود وباختصار في محاجة النصارى ، وفي " آل عمران " عكس هذا .
وفي آخر كل من السورتين دعاء ، كما أن الثانية ختمت بما يناسب بدء الأولى وكأنها متممة لها ، فبدئت الأولى بآيات الفلاح للمتقين ، وختمت هذه بقوله تعالى { واتقوا الله لعلكم تفلحون } .
ألف لام ميم : وردت هذه الأحرف في فاتح عدد من السور ، وقد قدمنا الكلام عليها في أول سورة البقرة . والرأي المرجح أنها جاءت في أوائل السور لتنبيه المخاطبين إلى ما يلقى بعدها من حديث يستدعي العناية بفهمه .
روى الطبري في تفسيره أن الله عز وجل أخبر عباده أن الألوهية خاصة به دون ما سواه ، وأن العبادة لا تجوز إلا له . وقد افتتح السورة بنفي الألوهية عن غيره احتجاجاً منه على طائفة من النصارى ، قدمِتْ على رسول الله من نجران . وكانوا ستين راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم ، أميرهم العاقب ، واسمه عبد المسيح ، وهو صاحب مشورتهم الذي لا يصُدرون إلا عن رأيه . وكان منهم أبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل ، أسقفهم وحبرهم وإمامهم . ولقد قدموا إلى المدينة ، فدخلوا مسجد الرسول حين صلى العصر . وحانت صلاتهم فقاموا يصلّون في مسجد النبي ، فقال لأصحابه دعوهم . فصلّوا إلى المشرق . فقام رؤساؤهم وكلّموا رسول الله في شأن المسيح ، وأنه هو الله ، وابن الله ، وثالث ثلاثة . فقال لهم النبي : ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه ؟ قالوا بلى . قال : ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت ، وأن عيسى عليه الفناء ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيّم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه . قالوا : بلى ، قال : فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : أفلستم تعلمون أن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . قالوا : بلى ، قال : فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما عُلِّم ؟ قالوا : لا ، قال : فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء ، فهل تعلمون ذلك ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعملون أن ربنا لا يأكل الطعام ، ولا يشرب الشراب ولا يُحدث الحدث ؟ قالوا : بلى ، قال : ألستم تعلمون أن عيسى حملته امرأة كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غُذي كما يغذّى الصبي ، ثم كان يَطعم الطعام ، ويشرب الشراب ، ويُحدث الحدث ؟ قالوا : بلى ، قال : فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ قال : فعرفوا ثم أبَوا إلا جحودا . فأنزل الله عز وجل { الم الله لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم } إلى بضع وثمانين آية كما سيأتي .