ثم قال تعالى : { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه } قرأ حمزة { وليحكم } بكسر اللام وفتح الميم ، جعل اللام متعلقة بقوله { وآتيناه الإنجيل } لأن إيتاء الإنجيل إنزال ذلك عليه ، فكان المعنى آتيناه الإنجيل ليحكم ، وأما الباقون فقرؤوا بجزم اللام والميم على سبيل الأمر ، وفيه وجهان : الأول : أن يكون التقدير : وقلنا ليحكم أهل الإنجيل ، فيكون هذا إخبارا عما فرض عليهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل ، ثم حذف القول لأن ما قبله من قوله { وكتبنا وقفينا } يدل عليه ، وحذف القول كثير كقوله تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } أي يقولون سلام عليكم ، والثاني : أن يكون قوله { وليحكم } ابتداء أمر للنصارى بالحكم في الإنجيل .
فإن قيل : كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن ؟
قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن المراد ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول الأصم . والثاني : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ، مما لم يصر منسوخا بالقرآن ، والثالث : المراد من قوله { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه } زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره مثل ما فعله اليهود من إخفاء أحكام التوراة ، فالمعنى بقوله { وليحكم } أي وليقر أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه على الوجه الذي أنزله الله فيه من غير تحريف ولا تبديل .
ثم قال تعالى : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } واختلف المفسرون ، فمنهم من جعل هذه الثلاثة ، أعني قوله ( الكافرون الظالمون الفاسقون ) صفات لموصوف واحد . قال القفال : وليس في إفراد كل واحد من هذه الثلاثة بلفظ ما يوجب القدح في المعنى ، بل هو كما يقال : من أطاع الله فهو المؤمن ، من أطاع الله فهو البر ، من أطاع الله فهو المتقي ، لأن كل ذلك صفات مختلفة حاصلة لموصوف واحد . وقال آخرون : الأول : في الجاحد ، والثاني والثالث : في المقر التارك . وقال الأصم : الأول والثاني : في اليهود ، والثالث : في النصارى .
وهذا أمر قاطع لازم يجب تنفيذه وإطاعته ، يعني : وأمرناهم بالعمل بالإنجيل ، واتّباعه وعدم تحريفه . وقد جاء في الإنجيل الصحيح بشارةٌ بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة ، ولكن ذلك أُخفيَ وحُرّف . وكان عند النصارى عدد كبير من الأناجيل يربو على الخمسين ، لكنهم في مجمع نيقية ( سنة 325 ميلادية ) اعتمدوا هذه الأربعة المتداولة الآن وحرقوا ما عداها . وقد وُجد إنجيل منسوبٌ إلى برنابا ، تلميذِ المسيح ، وتُرجم وطُبع عدة مرات ، وفيه البشارة واضحةٌ بالنبيّ في عدة أماكن . وهو قريب جداً من القرآن وتعاليمِه ، لكن النصارى لا يعترفون به ويقولون إنه مزّيف .
{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون }إن كل من لم يتقيد بالأحكام بشرائع الله لهو من الخارجين عن حكم الله ، المتمردين عليه . والنص هنا عام . وصفة الفسق تضاف إلى صفتي الكفر والظلم من قبل . فالكفر برفض ألوهية الله ممثِّلاً ذلك في رفض شريعته ، والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله ، والفسق بالخروج عن منهج حكم الله واتباع طريق غير طريقه .
فالله سبحانه وتعالى يعرض هذه المسألة بأنها إيمان أو كفر ، لا وسَط في هذا الأمر ، فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله ، والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله . فإما أن يكون الحكّام قائمين على شريعة الله كاملة فهم من أهل الإيمان ، وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى فهم من أهل الكفر والظلم والفسق . وكذلك الديانات .
قرأ حمزة : وليحكم ، بكسر اللام ونصب الميم ، والباقون بجزم الميم كما هو هنا في قراءة المصحف .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.