مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ} (47)

ثم إنه سبحانه أعاد ذلك التكليف فقال : { فأتياه } لأنه سبحانه وتعالى قال في المرة الأولى : { لنريك من آياتنا الكبرى * اذهب إلى فرعون } وفي الثانية : { اذهب أنت وأخوك } وفي الثالثة : قال : { اذهبا إلى فرعون } وفي الرابعة قال ههنا فأتياه فإن قيل إنه تعالى أمرهما في المرة الثانية بأن يقولا له : { قولا لينا } وفي هذه المرة الرابعة أمرهما أن يقولا : { إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل } وفيه تغليظ من وجوه : أحدها : أن قوله : { إنا رسولا ربك } فيه أبحاث :

البحث الأول : انقياده إليهما والتزامه لطاعتهما وذلك يعظم على الملك المتبوع .

البحث الثاني : قوله : { فأرسل معنا بني إسرائيل } فيه إدخال النقص على ملكه لأنه كان محتاجا إليهم فيما يريده من الأعمال من بناء أو غيره .

البحث الثالث : قوله : { ولا تعذبهم } .

البحث الرابع : قوله : { قد جئناك بآية من ربك } فما الفائدة في التليين أولا والتغليظ ثانيا ؟ قلنا : لأن الإنسان إذا ظهر لجاجه فلا بد له من التغليظ فإن قيل : أليس كان من الواجب أن يقولا إنا رسولا ربك قد جئناك بآية فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ، لأن ذكر المعجز مقرونا بادعاء الرسالة أولى من تأخيره عنه ؟ قلنا : بل هذا أولى من تأخيره عنه لأنهم ذكروا مجموع الدعاوى ثم استدلوا على ذلك المجموع بالمعجزة ، أما قوله : { قد جئناك بآية من ربك } ففيه سؤال وهو أنه تعالى أعطاه آيتين وهما العصا واليد ثم قال :{ اذهب أنت وأخوك بآياتي } وذلك يدل على ثلاث آيات وقال ههنا : { جئناك بآية } وهذا يدل على أنها كانت واحدة فكيف الجمع ؟ أجاب القفال بأن معنى الآية الإشارة إلى جنس الآيات كأنه قال : ( قد جئناك ببيان من عند الله ) ثم يجوز أن يكون ذلك حجة واحدة أو حججا كثيرة ، وأما قوله : { والسلام على من اتبع الهدى } فقال بعضهم هو من قول الله تعالى لهما كأنه قال : فقولا إنا رسولا ربك ، وقولا له : والسلام على من اتبع الهدى ، وقال آخرون بل كلام الله تعالى قد تم عند قوله : { قد جئناك بآية من ربك } فقوله بعد ذلك : { والسلام على من اتبع الهدى } وعد من قبلهما لمن آمن وصدق بالسلامة له من عقوبات الدنيا والآخرة ، والسلام بمعنى السلامة كما يقال رضاع ورضاعة واللام وعلى ههنا بمعنى واحد كما قال { لهم اللعنة ولهم سوء الدار } على معنى عليهم وقال تعالى : { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها } وفي موضع آخر : { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها } ،

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ} (47)

طالَ البلاءُ ببني إسرائيل من جهة فرعون ، فتدَاركَهُم الحقُّ سبحانه ولو بعد حين ، بذلك أجرى سُنَّتَهُ أنه يُرخي عِنَانَ الظالم ، ولكن إذا أَخَذَهُ فإِنَّ أَخْذَهُ أليمٌ .

قوله جلّ ذكره : { قَدْ جِئْنَاكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ } .

من شَرْطِ التكليفِ التمكينُ بالبيِّنة والآيةِ للرسولِ حتي يَتَّضِحَ ما يَدُلُّ على صِدْقِه فيما يدعو إليه من النبوة . ثم إن تلك الآية وتلك البيِّنة ما نفعتهم ، وإنا تأكدتْ بهما عليهم الحُجَّةُ ؛ فإِذا عَمِيَ بَصَرُ القلبِ فأَنَّى تنفع بصيرةُ الحجة ؟ وفي معناه قالوا :

وفي نَظَرِ الصادي إلى الماء حَسْرَةٌ *** إذا كان ممنوعاً سبيل المواردِ

قوله جلّ ذكره : { وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتّبَعَ الهُدَى } .

إنما يَتّبع الهُدَى مَنْ كَحَّلَ قلبَه بنور العرفان ، فأما من كانت على قلبِه غشاوة الجهل . . . فمتى يستمع إلى الهُدَى ؟