مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ} (41)

ولما كان من المعلوم بالضرورة أنهم إنما يرجعون إلى الله تعالى في دفع البلاء والمحنة لا إلى الأصنام والأوثان لا جرم قال { بل إياه تدعون } يعني أنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية والمحنة إلا إلى الله تعالى .

ثم قال : { فيكشف ما تدعون إليه } أي فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم وتنسون ما تشركون به ، وفيه وجوه : الأول : قال ابن عباس : المراد تتركون الأصنام ولا تدعونهم لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع . الثاني : قال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم ، وهذا قول الحسن لأنه قال : يعرضون إعراض الناسي ، ونظيره قوله تعالى : { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله } ولا يذكرون الأوثان .

المسألة الرابعة : هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يجيب الدعاء إن شاء وقد لا يجيبه ، لأنه تعالى قال : { فيكشف ما تدعون إليه إن شاء } ولقائل أن يقول : إن قوله { ادعوني أستجب لكم } يفيد الجزم بحصول الإجابة ، فكيف الطريق إلى الجمع بين الآيتين .

والجواب أن نقول : تارة يجزم تعالى بالإجابة وتارة لا يجزم ، إما بحسب محض المشيئة كما هو قول أصحابنا ، أو بحسب رعاية المصلحة كما هو قول المعتزلة ، ولما كان كلا الأمرين حاصلا لا جرم وردت الآيتان على هذين الوجهين .

المسألة الخامسة : حاصل هذا الكلام كأنه تعالى يقول لعبدة الأوثان : إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله تعالى لا إلى الأصنام والأوثان ، فلم تقدمون على عبادة الأصنام التي لا تنتفعون بعبادتها البتة ؟ وهذا الكلام إنما يفيد لو كان ذكر الحجة والدليل مقبولا . أما لو كان ذلك مردودا وكان الواجب هو محض التقليد ، كان هذا الكلام ساقطا ، فثبت أن هذه الآية أقوى الدلائل على أن أصل الدين هو الحجة والدليل . والله أعلم .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ} (41)

إذا مَسَّكم الضُرُّ ، ونَابَكُم أمرٌ فمِمَّنْ ترومون كَشْفَه ؟ ومَنْ الذي تؤملون لُطْفَه ؟ أمخلوقاً شرقياً أم شخصاً غربياً ؟ أم مَلَكاً سماوياً أم عبداً أرضياً ؟

ثم قال : { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ } : أي إنكم - إنْ تذللتم بنفوسكم أو فكرتم طويلاً بقلوبكم - لن تجدوا من دونه أحداً ، ولا عن حكمه مُلْتَحَداً ، فتعودون إليه في استكشاف الضر ، واستلطاف الخير والبرِّ ، كما قيل :

ويرجعني إليك - وإن تناءتْ *** دياري عنكَ - معرفةُ الرجال

وقد تركناكَ للذي تريد *** فعسى إِنْ خَبَرْتَه أَنْ تعودا

فإذا جرَّبْتَ الكُل ، وذُقْتَ الحُلْوَ والمُرَّ ، أفضى بك الضُرُّ إلى بابه ، فإذا رجعت بنعت الانكسار ، وشواهد الذل والاضطرار ، فإنه يفعل ما يريد : إِنْ شاء أتاح اليُسْر وأزال العُسر ، وإن شاء ضاعف الضُر وعوَّض الأجر ، وإنْ شاء ترك الحال على ما ( قبل ) السؤال والابتهال .