مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ} (6)

ثم إنه تعالى أتبع ذكر الدلائل الفلكية بذكر الدلائل المأخوذة من هذا العالم الأسفل ، فبدأ بذكر الإنسان فقال : { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها } ودلالة تكون الإنسان على الإله المختار قد سبق بيانها مرارا كثيرة ، فإن قيل كيف جاز أن يقول : { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها } والزوج مخلوق قبل خلقهم ؟ أجابوا عنه من وجوه الأول : أن كلمة ثم كما تجيء لبيان كون إحدى الواقعتين متأخرة عن الثانية ، فكذلك تجيء لبيان تأخر أحد الكلامين عن الآخر ، كقول القائل بلغني ما صنعت اليوم ، ثم ما صنعت أمس كان أعجب ، ويقول أيضا قد أعطيتك اليوم شيئا ، ثم الذي أعطيتك أمس أكثر الثاني : أن يكون التقدير خلقكم من نفس خلقت وحدها ثم جعل منها زوجها الثالث : أخرج الله تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء .

واعلم أنه تعالى لما ذكر الاستدلال بخلقة الإنسان على وجود الصانع ذكر عقيبه الاستدلال بوجود الحيوان عليه فقال : { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } وهي الإبل والبقر والضأن والمعز وقد بينا كيفية دلالة هذه الحيوانات على وجود الصانع في قوله : { والأنعام خلقها لكم فيها دفء } وفي تفسير قوله تعالى : { وأنزل لكم } وجوه : الأول : أن قضاء الله وتقديره وحكمه موصوف بالنزول من السماء لأجل أنه كتب في اللوح المحفوظ كل كائن يكون الثاني : أن شيئا من الحيوان لا يعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء والتراب ، والماء ينزل من السماء فصار التقدير كأنه أنزلها الثالث : أنه تعالى خلقها في الجنة ثم أنزلها إلى الأرض وقوله : { ثمانية أزواج } أي ذكر وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز ، والزوج اسم لكل واحد معه آخر ، فإذا انفرد فهو فرد منه قال تعالى : { فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } .

ثم قال تعالى : { يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } وفيه أبحاث :

الأول : قرأ حمزة بكسر الألف والميم ، والكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم ، والباقون أمهاتكم بضم الألف وفتح الميم .

الثاني : أنه تعالى لما ذكر تخليق الناس من شخص واحد وهو آدم عليه السلام أردفه بتخليق الأنعام ، وإنما خصها بالذكر لأنها أشرف الحيوانات بعد الإنسان ، ثم ذكر عقيب ذكرهما حالة مشتركة بين الإنسان وبين الأنعام وهي كونها مخلوقة في بطون أمهاتهم وقوله : { خلقا من بعد خلق } المراد منه ما ذكره الله تعالى في قوله : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين } وقوله : { في ظلمات ثلاث } قيل : الظلمات الثلاث البطن والرحم والمشيمة وقيل : الصلب والرحم والبطن ووجه الاستدلال بهذه الحالات قد ذكرناه في قوله : { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } .

واعلم أنه تعالى لما شرح هذه الدلائل ووصفها قال : { ذلكم الله ربكم } أي : ذلكم الشيء الذي عرفتم عجائب أفعاله هو الله ربكم ، وفي هذه الآية : دلالة على كونه سبحانه وتعالى منزها عن الأجزاء والأعضاء وعلى كونه منزها عن الجسمية والمكانية ، وذلك أنه تعالى عندما أراد أن يعرف عباده ذاته المخصوصة لم يذكر إلا كونه فاعلا لهذه الأشياء ، ولو كان جسما مركبا من الأعضاء لكان تعريفه بتلك الأجزاء والأعضاء تعريفا للشيء بأجزاء حقيقته ، وأما تعريفه بأحواله وأفعاله وآثاره فذلك تعريف له بأمور خارجة عن ذاته . والتعريف الأول أكمل من الثاني ، ولو كان ذلك القسم ممكنا لكان الاكتفاء بهذا القسم الثاني تقصيرا ونقصا وذلك غير جائز ، فعلمنا أن الاكتفاء بهذا القسم إنما حسن لأن القسم الأول محال ممتنع الوجود ، وذلك يدل على كونه سبحانه وتعالى متعاليا عن الجسمية والأعضاء والأجزاء .

ثم قال تعالى : { له الملك } وهذا يفيد الحصر أي له الملك لا لغيره ، ولما ثبت أنه لا ملك إلا له وجب القول بأنه لا إله إلا هو لأنه لو ثبت إله آخر ، فذلك الإله إما أن يكون له الملك أو لا يكون له الملك ، فإن كان له الملك فحينئذ يكون كل واحد منهما مالكا قادرا ويجري بينهما التمانع كما ثبت في قوله : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } وذلك محال ، وإن لم يكن للثاني شيء من القدرة والملك فيكون ناقصا ولا يصلح للإلهية ، فثبت أنه لما دل الدليل على أنه لا ملك إلا الله ، وجب أن يقال لا إله للعالمين ولا معبود للخلق أجمعين إلا الله الأحد الحق الصمد ، ثم اعلم أنه سبحانه لما بين بهذه الدلائل كمال قدرة الله سبحانه وحكمته ورحمته ، رتب عليه تزييف طريقة المشركين والضالين من وجوه الأول : قوله : { فأنى تصرفون } يحتج به أصحابنا ويحتج به المعتزلة . أما أصحابنا فوجه الاستدلال لهم بهذه الآية : أنها صريحة في أنهم لم ينصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفها عنهم غيرهم ، وما ذاك الغير إلا الله ، وأيضا فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل واحد يريد لنفسه تحصيل الحق والصواب ، فلما لم يحصل ذلك وإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه ، وأما المعتزلة فوجه الاستدلال لهم : أن قوله : { فأنى تصرفون } تعجب من هذا الانصراف ، ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو الله تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ} (6)

ومن تلك اللفتة إلى آفاق الكون الكبير ، ينتقل إلى لمسة في أنفس العباد ؛ ويشير إلى آية الحياة القريبة منهم في أنفسهم وفي الأنعام المسخرة لهم :

( خلقكم من نفس واحدة . ثم جعل منها زوجها . وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج . يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث . ذلكم الله ربكم له الملك . لا إله إلا هو فأنى تصرفون ? ) .

وحين يتأمل الإنسان في نفسه . نفسه هذه التي لم يخلقها . والتي لا يعلم عن خلقها إلا ما يقصه الله عليه . وهي نفس واحدة . ذات طبيعة واحدة . وذات خصائص واحدة . خصائص تميزها عن بقية الخلائق ، كما أنها تجمع كل أفرادها في إطار تلك الخصائص . فالنفس الإنسانية واحدة في جميع الملايين المنبثين في الأرض في جميع الأجيال وفي جميع البقاع . وزوجها كذلك منها . فالمرأة تلتقي مع الرجل في عموم الخصائص البشرية - رغم كل اختلاف في تفصيلات هذه الخصائص - مما يشي بوحدة التصميم الأساسي لهذا الكائن البشري . الذكر والأنثى . ووحدة الإرادة المبدعة لهذه النفس الواحدة بشقيها .

وعند الإشارة إلى خاصية الزوجية في النفس البشرية ترد الإشارة إلى هذه الخاصية في الأنعام كذلك . مما يشي بوحدة القاعدة في الأحياء جميعاً :

( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) :

والأنعام الثمانية كما جاءت في آية أخرى : هي الضأن والمعز والبقر والإبل . من كل ذكر وأنثى . وكل من الذكر والأنثى يسمى زوجاً عند اجتماعهما . فهي ثمانية في مجموعها . . والتعبير يعبر عن تسخيرها للإنسان بأنه إنزال لها من عند الله . فهذا التسخير منزل من عنده . منزل من عليائه إلى عالم البشر . ومأذون لهم فيه من عنده تعالى .

ثم يعود - بعد هذه الإشارة إلى وحدة خاصية الزوجية في الناس والأنعام - إلى تتبع مراحل الخلق للأجنة في بطون أمهاتها :

( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ) . .

من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام . إلى الخلق الواضح فيه عنصر البشرية .

( في ظلمات ثلاث ) . .

ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين . وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس . وظلمة البطن الذي تستقر فيه الرحم . ويد الله تخلق هذه الخلية الصغيرة خلقاً من بعد خلق . وعين الله ترعى هذه الخليقة وتودعها القدرة على النمو . والقدرة على التطور . والقدرة على الارتقاء . والقدرة على السير في تمثيل خطوات النفس البشرية كما قدر لها بارئها .

وتتبع هذه الرحلة القصيرة الزمن ، البعيدة الآماد ؛ وتأمل هذه التغيرات والأطوار ؛ وتدبر تلك الخصائص

العجيبة التي تقود خطى هذه الخلية الضعيفة في رحلتها العجيبة . . . في تلك الظلمات وراء علم الإنسان وقدرته وبصره . .

هذا كله من شأنه أن يقود القلب البشري إلى رؤية يد الخالق المبدع . رؤيتها بآثارها الحية الواضحة الشاخصة والإيمان بالوحدانية الظاهرة الأثر في طريقة الخلق والنشأة . فكيف يصرف قلب عن رؤية هذه الحقيقة ? :

( ذلكم الله ربكم له الملك . لا إله إلا هو . فأنى تصرفون ? ) . .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ} (6)

وقوله تعالى : { خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } الخ دليل آخر على الوحدة والقهر .

وترك عطفه على { خلقَ السموات } [ الزمر : 5 ] للإيذان باستقلاله في الدلالة ولتعلقه بالعالم السفلي ، والبداءة بخلق الإنسان لأنه أقرب وأعجب بالنسبة إلى غيره باعتبار ما فيه من العقل وقبول الأمانة الإلهية وغير ذلك حتى قيل

: وتزعم أنك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر

والمراد بالنفس آدم عليه السلام ، وقوله تعالى : { ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } أي حواء فإنها خلقت من قصيري ضلعه عليه السلام اليسرى وهي أسفل الأضلاع على معنى أنها خلقت من بعضها أو خلقت منها كلها وخلق الله تعالى لآدم مكانها عطف على محذوف هو صفة ثانية لنفس أي من نفس واحدة خلقها ثم جعل منها زوجها ، أو على { واحدة } لأنه في الأصل اسم مشتق فيجوز عطف الفعل عليه كقوله تعالى : { فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ اليل سَكَناً } [ الأنعام : 96 ] ويعتبر ماضياً لأن اسم الفاعل قد يكون للمضي إذا لم يعمل أي من نفس وحدت ثم جعل منها زوجها ورجح بسلامته من التقدير الذي هو خلاف الأصل أو على { خَلَقَكُمْ } لتفاوت ما بينهما في الدلالة فإنهما وإن كانتا آيتين دالتين على ما مر من الصفات الجليلة لكن خلق حواء من الضلع أعظم وأجلب للتعجب ولذا عبر بالجعل دون الخلق فثم للتراخي الرتبي ، ويجوز فيه كون الثاني أعلى مرتبة من الأول وعكسه ، وقيل إنه تعالى أخرج ذرية آدم عليه السلام من ظهره كالذر ثم خلق منه حواء فالمراد بخلقهم منه إخراجهم من ظهره كالذر فالعطف على { خَلَقَكُمْ } وثم على ظاهرها ، وهذا لا يقبل إلا إذا صح مرفوعاً أو في حكمه ، وقد تضمنت الآية ثلاث آيات خلق آدم عليه السلام بلا أب وأم وخلق حواء من قصيراه وخلق ذريته التي لا يحصى عددها إلا الله عز وجل ، وقوله تعالى : { وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الانعام ثمانية أزواج } استدلال بنوع آخر من العالم السفلي ، والإنزال مجاز عن القضاء والقسمة فإنه تعالى إذا قضى وقسم أثبت ذلك في اللوح المحفوظ ونزلت به الملائكة الموكلة بإظهاره ، ووصفه بالنزول مع أنه معنى شائع متعارف كالحقيقة والعلاقة بين الإنزال والقضاء الظهور بعد الخفاء ففي الكلام استعارة تبعية ، وجوز أن يكون فيه مجاز مرسل ، ويجوز أن يكون التجوز في نسبة الإنزال إلى الأنعام والمنزل حقيقة أسباب حياتها كالأمطار ووجه ذلك الملابسة بينهما ، وقيل يراد بالأزواج أسباب تعيشها أو يجعل الإنزال مجازاً عن إحداث ذلك بأسباب سماوية وهو كما ترى ، وقيل الكلام على ظاهره والله تعالى خلق الأنعام في الجنة ثم أنزلها منها ولا أرى لهذا الخبر صحة ، والأنعام الإبل والبقر والضان والمعز وكانت ثمانية أزواج لأن كلاً منها ذكر وأنثى ، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما مر مراراً من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أخر ، وقوله تعالى : { يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أمهاتكم } بيان لكيفية خلق من ذكر من الأناسي والأنعام إظهاراً لما فيه من عجائب القدرة ، وفيه تغليبان تغليب أولى العقل على غيرهم وتغليب الخطاب على الغيبة كذا قيل ، والأظهر أن الخطاب خاص وصيغة المضارع للدلالة على التدرج والتجدد ، وقوله تعالى : { خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ } مصدر مؤكد أن تعلق من بعد بالفعل وإلا فغير مؤكد أي يخلقكم فيها خلقاً مدرجاً حيواناً سوياً من بعد عظام مكسوة لحماً من بعد عظام عارية من بعد مضغ غير مخلقة من بعد علقة من بعد نطفة فقوله سبحانه : «خلقا من بعد خلق » لمجرد التكرير كما يقال مرة بعد مرة لا أنه مخصوص بخلقين .

وقرأ عيسى . وطلحة { يَخْلُقُكُمْ } بإدغام القاف في الكاف { فِى ظلمات ثلاث } ظلمة البطن والرحم والمشيمة ، وقيل ظلمة الصلب والبطن والرحم ، والجار والمجرور متعلق بيخلقكم ، وجوز الشهاب تعلقه بخلقاً بناء على أنه غير مؤكد وكونه بدلاً من قوله تعالى : { فِى بُطُونِ أمهاتكم } { ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ } إشارة إليه تعالى باعتبار أفعاله المذكورة على وجه بدل على بعد منزلته تعالى في العظمة والكبرياء ، واسم الإشارة مبتدأ والاسم الجليل خبره و { رَبُّكُمْ } خبر بعد خبر والاسم الجليل نعت أو بدل وهو الخبر أي ذلكم العظيم الشأن الذي عددت أفعاله الله مربيكم فيما ذكر من الأطوار وفيها بعدها ومالككم المستحق لتخصيص العبادة به سبحانه { لَهُ الملك } على الإطلاق في الدنيا والآخرة ليس لغيره تعالى شركة ما في ذلك بوجه من الوجوه والجملة خبر آخر ، وقوله تعالى : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } جملة متفرعة على ما قبلها ولم يصرح معها بالفاء التفريعية اعتماداً على فهم السامع . وفي إرشاد العقل السليم أنه خبر آخر ، والفاء في قوله تعالى : { فَإِنّى تُصْرَفُونَ } لترتيب ما بعدها على ما ذكر من شؤونه عز وجل أي فكيف تصرفون عن عبادته تعالى مع وفور موجباتها ودواعيها وانتفاء الصارف عنها بالكلية إلى عبادة غيره سبحانه من غير داع إليها مع كثرة الصوارف عنها .

ومن باب الإشارة : { فِى ظلمات ثلاث } [ الزمر : 6 ] قيل : يشير إلى ظلمة الإمكان وظلمة الهيولى وظلمة الصورة