مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا} (4)

قوله تعالى : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { وآتوا النساء } خطاب لمن ؟ فيه قولان : أحدهما : أن هذا خطاب لأولياء النساء ، وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئا ، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت : هنيئا لك النافجة ، ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه ، وقال ابن الأعرابي : النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته ، فنهى الله تعالى عن ذلك ، وأمر بدفع الحق إلى أهله ، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة .

القول الثاني : أن الخطاب للأزواج . أمروا بإيتاء النساء مهورهن ، وهذا قول : علقمة والنخعي وقتادة واختيار الزجاج ، قال لأنه لا ذكر للأولياء ههنا ، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج .

المسألة الثانية : قال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة ، ويحتمل أن يكون المراد الالتزام ، قال تعالى : { حتى يعطوا الجزية عن يد } والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها ، فعلى هذا الوجه الأول كأن المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن ، وعلى التقدير الثاني : كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم سواء سمي ذلك أو لم يسم ، إلا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في الموهوبة ، ثم قال رحمه الله : ويجوز أن يكون الكلام جامعا للوجهين معا ، والله أعلم .

المسألة الثالثة : قال صاحب «الكشاف » : { صدقاتهن } مهورهن ، وفي حديث شريح : قضى ابن عباس لها بالصدقة وقرأ { صدقاتهن } بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف صدقاتهن و { صدقاتهن } بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة ، وقرئ { صدقاتهن } بضم الصاد والدال على التوحيد وهو مثقل صدقة كقوله في ظلمة : ظلمة ، قال الواحدي : موضوع ( ص د ق ) على هذا الترتيب للكمال والصحة ، فسمي المهر صداقا وصدقة لأن عقد النكاح به يتم ويكمل .

المسألة الرابعة : في تفسير النحلة وجوه : الأول : قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد : فريضة ، وإنما فسروا النحلة بالفريضة ، لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب ، يقال : فلان ينتحل كذا إذا كان يتدين به ، ونحلته كذا أي دينه ومذهبه ، فقوله : { آتوا النساء صدقاتهن نحلة } أي آتوهن مهورهن ، فإنها نحلة أي شريعة ودين ومذهب وما هو دين ومذهب فهو فريضة . الثاني : قال الكلبي : نحلة أي عطية وهبة ، يقال : نحلت فلانا شيئا أنحله نحلة ونحلا ، قال القفال : وأصله إضافة الشيء إلى غير من هو له ، يقال : هذا شعر منحول ، أي مضاف إلى غير قائله ، وانتحلت كذا إذا ادعيته وأضفته إلى نفسك ، وعلى هذا القول فالمهر عطية ممن ؟ فيه احتمالان : أحدهما : أنه عطية من الزوج ، وذلك لأن الزوج لا يملك بدله شيئا لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح فهو قبله ، فالزوج أعطاها المهر ولم يأخذ منها عوضا يملكه ، فكان في معنى النحلة التي ليس بإزائها بدل ، وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك ، وقال آخرون إن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركا بين الزوجين ، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر فكان ذلك عطية من الله ابتداء .

والقول الثالث : في تفسير النحلة قال أبو عبيدة : معنى قوله { نحلة } أي عن طيب نفس ، وذلك لأن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض ، كما ينحل الرجل لولده شيئا من ماله ، وما أعطى من غير طلب عوض لا يكون إلا عن طيب النفس ، فأمر الله بإعطاء مهور النساء من غير مطالبة منهن ولا مخاصمة ، لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة .

المسألة الخامسة : إن حملنا النحلة على الديانة ففي انتصابها وجهان : أحدهما : أن يكون مفعولا له ، والمعنى آتوهن مهورهن ديانة . والثاني : أن يكون حالا من الصدقات أي دينا من الله شرعه وفرضه ، وأما إن حملنا النحلة على العطية ففي انتصابها أيضا وجهان : أحدهما : أنه نصب على المصدر ، وذلك لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء ، فكأنه قيل : وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم . والثاني : أنها نصب على الحال ، ثم فيه وجهان : أحدهما : على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء . والثاني : على الحال من الصدقات ، أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس .

المسألة السادسة : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : الخلوة الصحيحة تقرر المهر ، وقال الشافعي رضي الله عنه : لا تقرره احتج أبو حنيفة على صحة قوله بهذه الآية ، وذلك لأن هذا النص يقتضي إيجاب إيتاء المهر بالكلية مطلقا ، ترك العمل به فيما إذا لم يحصل المسيس ولا الخلوة ، فعند حصولهما وجب البقاء على مقتضى الآية .

أجاب أصحابنا بأن هذه عامة وقوله تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } يدل على أنه لا يجب فيها إلا نصف المهر ، وهذه الآية خاصة ولا شك أن الخاص مقدم على العام .

قوله تعالى : { فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } .

اعلم أنه تعالى لما أمرهم بإيتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له ، لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : نفسا : نصب على التمييز والمعنى : طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق بنقل الفعل من الأنفس إليهن ، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا : أنت حسن وجها ، والفعل في الأصل للوجه ، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسرا لموقع الفعل ، ومثله : قررت به عينا وضقت به ذرعا .

المسألة الثانية : إنما وحد النفس لأن المراد به بيان موقع الفعل ، وذلك يحصل بالواحد ومثله عشرون درهما . قال الفراء : لو جمعت كان صوابا كقوله : { الأخسرين أعمالا } .

المسألة الثالثة : من : في قوله : { منه } ليس للتبعيض ، بل للتبيين والمعنى عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر كقوله : { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } وذلك أن المرأة لو طابت نفسها عن جميع المهر حل للزوج أن يأخذه بالكلية .

المسألة الرابعة : منه : أي من الصدقات أو من ذلك وهو كقوله تعالى : { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } بعد ذكر الشهوات . وروي أنه لما قال رؤبة :

فيها خطوط من سواد وبلق *** كأنه في الجلد توليع البهق

فقيل له : الضمير في قوله «كأنه » إن عاد إلى الخطوط كان يجب أن تقول : كأنها ، وإن عاد إلى السواد والبلق كان يجب أن تقول : كأنهما ، فقال : أردت كأن ذاك ، وفيه وجه آخر وهو أن الصدقات في معنى الصداق لأنك لو قلت : وآتوا النساء صداقهن لكان المقصود حاصلا ، وفيه وجه ثالث : وهو أن الفائدة في تذكير الضمير أن يعود ذلك إلى بعض الصداق ، والغرض منه ترغيبها في أن لا تهب إلا بعض الصداق .

المسألة الخامسة : معنى الآية : فإن وهبن لكم شيئا من الصداق عن طيبة النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن ، أو سوء معاشرتكم معهن ، فكلوه وأنفقوه ، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب ، ووجوب الاحتياط ، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال : { فإن طبن } ولم يقل : فإن وهبن أو سمحن ، إعلاما بأن المراعي هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة .

المسألة السادسة : الهنيء والمريء : صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ، وقيل : الهنيء ما يستلذه الآكل ، والمريء ما يحمد عاقبته ، وقيل : ما ينساغ في مجراه ، وقيل : لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة : المريء لمروء الطعام فيه وهو انسياغه . وحكى الواحدي عن بعضهم أن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران ، فالهنيء شفاء من الجرب ، قال المفسرون : المعنى أنهن إذا وهبن مهورهن من أزواجهن عن طيبة النفس لم يكن على الأزواج في ذلك تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وبالجملة فهو عبارة عن التحليل ، والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة .

المسألة السابعة : قوله : { هنيئا مريئا } وصف للمصدر ، أي أكلا هنيئا مريئا ، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء ، وقد يوقف على قوله : { فكلوه } ثم يبتدأ بقوله : { هنيئا مريئا } على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل : هنأ مرأ .

المسألة الثامنة : دلت هذه الآية على أمور : منها : أن المهر لها ولا حق للولي فيه ، ومنها جواز هبتها المهر للزوج ، وجواز أن يأخذه الزوج ، لأن قوله : { فكلوه هنيئا مريئا } يدل على المعنيين ، ومنها جواز هبتها المهر قبل القبض ، لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالتين .

وههنا بحث وهو أن قوله : { فكلوه هنيئا مريئا } يتناول ما إذ كان المهر عينا ، أما إذا كان دينا فالآية غير متناولة له ، فإنه لا يقال لما في الذمة : كله هنيئا مريئا .

قلنا : المراد بقوله : { فكلوه هنيئا مريئا } ليس نفس الأكل ، بل المراد منه حل التصرفات ، وإنما خص الأكل بالذكر لأن معظم المقصود من المال إنما هو الأكل ، ونظيره قوله تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } وقال : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } .

المسألة التاسعة : قال بعض العلماء : إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفسا ، وعن الشعبي : أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب الرجوع فقال شريح : رد عليها ، فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى : { فإن طبن لكم عن شيء } فقال : لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه . وروي عنه أيضا : أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن ، وحكي أن رجلا من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه ، فلبث شهرا ثم طلقها ، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان ، فقال الرجل : أعطتني طيبة به نفسها ، فقال عبد الملك : فإن الآية التي بعدها { فلا تأخذوا منه شيئا } أردد عليها . وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته : إن النساء يعطين رغبة ورهبة ، فأيما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها ، والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا} (4)

1

ثم يستطرد السياق في تقرير حقوق النساء - وقد أفرد لهن صدر هذه السورة وسماها باسمهن - قبل أن يستكمل الكلام عن رعاية اليتامى التي بدأ فيها :

( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة . فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ، فكلوه هنيئا مريئا )

وهذه الآية تنشىء للمرأة حقا صريحا ، وحقا شخصيا ، في صداقها . وتنبى ء بما كان واقعا في المجتمع الجاهلي من هضم هذا الحق في صور شتى . واحدة منها كانت في قبض الولي لهذا الصداق وأخذه لنفسه ؛ وكأنما هي صفقة بيع هو صاحبها ! وواحدة منها كانت في زواج الشغار . وهو أن يزوج الولي المرأة التي في ولايته ، في مقابل أن يزوجه من يأخذها امرأة هي في ولاية هذا الآخر . واحدة بواحدة . صفقة بين الوليين لا حظ فيها للمرأتين . كما تبدل بهيمة ببهيمة ! فحرم الإسلام هذا الزواج كلية ؛ وجعل الزواج التقاء نفسين عن رغبة واختيار ، والصداق حقا للمرأة تأخذه لنفسها ولا يأخذه الولي ! وحتم تسمية هذا الصداق وتحديده ، لتقبضه المرأة فريضة لها ، وواجبا لا تخلف فيه . وأوجب أن يؤديه الزوج " نحلة " - أي هبة خالصة لصاحبتها - وأن يؤديه عن طيب نفس ، وارتياح خاطر . كما يؤدي الهبة والمنحة . فإذا طابت نفس الزوجة بعد ذلك لزوجها عن شيء من صداقها - كله أو بعضه - فهي صاحبة الشأن في هذا ؛ تفعله عن طيب نفس ، وراحة خاطر ؛ والزوج في حل من أخذ ما طابت نفس الزوجة عنه ، وأكله حلالا طيبا هنيئا مريئا . فالعلاقات بين الزوجين ينبغي أن تقوم على الرضى الكامل ، والاختيار المطلق ، والسماحة النابعة من القلب ، والود الذي لا يبقى معه حرج من هنا أو من هناك .

وبهذا الإجراء استبعد الإسلام ذلك الراسب من رواسب الجاهلية في شأن المرأة وصداقها ، وحقها في نفسها وفي مالها ، وكرامتها ومنزلتها . وفي الوقت ذاته لم يجفف ما بين المرأة ورجلها من صلات ، ولم يقمها على مجرد الصرامة في القانون ؛ بل ترك للسماحة والتراضي والمودة أن تأخذ مجراها في هذه الحياة المشتركة ، وأن تبلل بنداوتها جو هذه الحياة .

فإذا انتهى من هذا الاستطراد - الذي دعا إليه الحديث عن الزواج من اليتيمات ومن غيرهن من النساء - عاد إلى أموال اليتامى ؛ يفصل في أحكام ردها إليهم ، بعد أن قرر في الآية الثانية من السورة مبدأ الرد على وجه الإجمال .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا} (4)

{ وَءاتُواْ النساء } أي اعطوا النساء اللاتي أمر بنكاحهن { صدقاتهن } جمع صدقة بفتح الصاد وضم الدال ، وهي كالصداق بمعنى المهر ، وقرىء صدقاتهنّ بفتح الصاد وسكون الدال ، وأصلها بضم الدال فخففت بالتسكين ، وصدقاتهن بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة بوزن غرفة ، وقرىء صدقتهن بضم الصاد والدال على التوحيد ، وأصله صدقة بضم الصاد وسكون الدال فضمت الدال اتباعاً لضم الأول كما يقال : ظلمة وظلمة .

{ نِحْلَةً } أي فريضة قاله ابن عباس وابن زيد وابن جريج وقتادة فانتصابها على الحالية من الصدقات أي أعطوهن مهورهنّ حال كونها فريضة من الله تعالى لهنّ . وقال الزجاج ، وابن خالويه : تدينا فانتصابها على أنها مفعول له أي أعطوهنّ ديانة وشرعة ، وقال الكلبي : هبة وعطية من الله وتفضلاً منه تعالى عليهن فانتصابها على الحالية من الصدقات أيضاً ، وقيل عطية : من الأزواج لهنّ فانتصابها على المصدر ، أو على الحالية من ضمير آتوا أو من النساء أو من صدقاتهنّ . واعترض بأن الحال قيد للعامل فيلزم هنا كون الإيتاء قيداً للإيتاء والشيء لا يكون قيداً لنفسه ، وأجيب بأن النحلة ليست مطلق الإيتاء بل هي نوع منه ، وهو الإيتاء عن طيب نفس ، فالمعنى أعطوهنّ صدقاتهنّ طيبي النفوس بالإعطاء ، أو معاطاة عن طيب نفس ، وعليه فالمصدر مبين للنوع .

فإن قلت إن النحلة أخذ في مفهومها أيضاً عدم العوض فكيف يكون المهر بلا عوض وهو في مقابلة البضع والتمتع به ؟ أجيب بأنه لما كان للزوجة في الجماع مثل ما للزوج أو أزيد وتزيد عليه بوجوب النفقة والكسوة كان المهر مجاناً لمقابلة التمتع بتمتع أكثر منه ، وقيل : إن الصداق كان في شرع من قبلنا للأولياء بدليل قوله تعالى : { إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتى } [ القصص : 27 ] الخ ، ثم نسخ فصار ذلك عطية اقتطعت لهنّ فسمي نحلة ، وأيد غير واحد قول الكلبي : بأن ما وضع له لفظ النحلة هو العطية من غير عوض كما ذهب إليه جماعة منهم الرماني ، وجعل من ذلك النحلة للديانة لأنها كالنحلة التي هي عطية من الله تعالى والنحل للدبر لما يعطي من العسل ، والناحل للمهزول لأنه يأخذ لحمه حالاً بعد حال كأنه المعطيه بلا عوض ، والمنحول من الشعر لأنه نحلة الشاعر ما ليس له ، وحينئذٍ فمن فسر النحلة بالفريضة نظر إلى أن هذه العطية فريضة ، والخطاب على ما هو المتبادر للأزواج ، وإليه ذهب ابن عباس وجماعة ، واختاره الطبري والجبائي وغيرهما قيل : كان الرجل يتزوج بلا مهر يقول : أرثك وترثيني ؟ فتقول : نعم ، فأمروا أن يسرعوا إلى إعطاء المهور ، وقيل : الخطاب لأولياء النساء فقد أخرج ابن حميد وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال : كان الرجل إذا زوج أيماً أخذ صداقها دونها فنهاهم الله تعالى عن ذلك ونزلت { وَءاتُواْ النساء } الخ ، وروى ذلك الجارود من الإمامية عن الباقر رضي الله تعالى عنه ، وهذه عادة كثير من العرب اليوم ، وهو حرام كأكل الأزواج شيئاً من مهور النساء بغير رضاهنّ .

{ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ } الضمير للصدقات وتذكيره لإجرائه مجرى ذلك فإنه كثيراً ما يشار به إلى المتعدد كقوله تعالى : { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } [ آل عمران : 15 ] بعد ذكر الشهوات المعدودة ، وقد روي عن أبي عبيدة أنه قال : قلت لرؤبة في قوله :

فيها خطوط من سواد وبلق *** كأنه في الجلد توليع البهق

إن أردت الخطوط : فقل كأنها ، وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما ، فقال : أردت كأن ذلك ويلك ، أو للصداق الواقع موقعه صدقاتهن كأنه قيل : وآتوا النساء صداقهن والحمل على المعنى كثير ، ومنه قوله تعالى : { فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن } [ المنافقون : 10 ] حيث عطف على ما دل عليه المذكور ووقع موقعه ، أو للصداق الذي في ضمن الجمع لأن المعنى آتوا كل واحدة من النساء صداقاً ، وقيل : الضمير عائد إلى الإيتاء ، واعترض بأنه إنما يستقيم إذا أريد به المأتى ، ورجوع ضمير إلى مصدر مفهوم ، ثم تأويل ذلك المصدر بمعنى المفعول لا يخلو عن بعد ، واللام متعلقة بالفعل وكذا عن بتضمينه معنى التجافي والتباعد ، وإلا فأصله أن يتعدى لمثل ذلك بالباء كقوله :

وما كاد نفساً بالفراق تطيب *** و من متعلقة بمحذوف وقع صفة لشيء أي كائن من الصداق ، وفيه بعث لهنّ على تقليل الموهوب حتى نقل( {[224]} ) عن الليث أنه لا يجوز تبرعهن إلا باليسير ولا فرق بين المقبوض وما في الذمة إلا أن الأول هبة والثاني إبراء ، ولذلك تعامل الناس على التعويض فيه ليرتفع الخلاف .

{ نَفْساً } تمييز لبيان الجنس ولذا وحد ، وتوضيح ذلك على ما ذكره بعض المحققين أن التمييز كما قاله النحاة إن اتحد معناه بالمميز وجبت المطابقة نحو كرم الزيدون رجالاً كالخبر والصفة والحال ، وإلا فإن كان مفرداً غير متعدد وجب إفراده نحو كرم بنو فلان أباً إذ المراد أن أصلهم واحد متصف بالكرم فإن تعدد وألبس وجب خلفه بظاهر نحو كرم الزيدون آباءاً إذا أريد أن لكل منهم أباً كريماً إذ لو أفرد توهم أنهم من أب واحد ، والغرض خلافه وإن لم يلبس جاز الأمران ، ومصحح الإفراد عدم الإلباس كما هنا لأنه لا يتوهم أن لهن نفساً واحدة ومرجحه أنه الأصل مع خفته ومطابقته لضمير { مِنْهُ } ، وهو اسم جنس والغرض هنا بيان الجنس ، والواحد يدل عليه كقولك : عشرون درهماً ، والمعنى فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق متجافياً عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى البذل من شكاسة أخلاقكم وسوء معاملتكم ، وإنما أوثر ما في النظم الكريم دون فإن وهبن لكم شيئاً منه عن طيب نفس إيذاناً بأن العمدة في الأمر طيب النفس وتجافيها عن الموهوب بالمرة حيث جعل ذلك مبتدأً وركناً من الكلام لا فضلة كما في التركيب المفروض .

{ فَكُلُوهُ } أي فخذوا ذلك الشيء الذي طابت لكم عنه نفوسهن وتصرفوا فيه تملكاً ، وتخصيص الأكل بالذكر لأنه معظم وجوه التصرفات المالية . { هَنِيئاً مَّرِيئاً } صفتان من هنؤ الطعام يهنؤ هناءة ومرؤ يمرؤ مراءة إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيباً . وفي «الصحاح » نقلاً عن الأخفش يقال : هنؤ وهنىء . ومرؤ ومرىء ، كما يقال : فقه وفقه بكسر القاف وضمها ويقال : هنأني الطعام يهنئني ويهنأني ولا نظير له في المهموز هنأ وهنأ ، وتقول : هنئت الطعام أي تهنأت به وكذا يقال : مرأني الطعام يمرأ مرءاً ، وقال بعضهم : أمرأني ، وقال الفراء : يقال : هنأني الطعام ومرأني بغير ألف فإذا أفردوها عن هنأني قالوا : أمرأني ، وقيل الهنىء الذي يلذه الآكل ، والمرىء ما تحمد عاقبته ، وقيل : ما ينساغ في مجراه الذي هو المرىء كأمير وهو رأس المعدة ، والكرش اللاصق بالحلقوم سمي به لمرور الطعام فيه أي انسياغه ، وانتصابهما كما قال الزمخشري على أنهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً ووصف المصدر بهما كما قال السعد : على الإسناد المجازي إذ الهنىء حقيقة هو المأكول أو على أنهما حالان من الضمير المنصوب أي كلوه وهو هنيء مريء ، وقد يوقف على كلوه ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل : هنأ مرأ ، وأورد على ذلك مع أن الدعاء لا يكون من الله تعالى حتى أولوه أنه تحريف لكلام النحاة ومخالفة لهم ، فإنهم يجعلون انتصاب { هَنِيئَاً } على الحال ، و { مَّرِيئاً } إما على الحال ، وإما على الوصف ، ويدل على فساد ما خرّجه الزمخشري وصحة قول النحاة ارتفاع الأسماء الظاهرة بعد { هَنِيئاً مَّرِيئاً } ، ولو كانا منتصبين انتصاب المصادر المراد بها الدعاء لما جاز ذلك فيها كما لا يجوز أن يقال : في سقيا لك ورعيا سقيا الله تعالى لك ورعيا الله لك ، وإن كان ذلك جائزاً في فعله ، والدليل على جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدهما قول كثير :

( هنيئاً مريئاً ) غير داء مخامر *** لعزة من أعراضنا ما استحلت

فإن ( ما ) مرفوعة بما تقدم من { هَنِيئَاً } أو { مَّرِيئاً } على طريق الإعمال ، وجاز الإعمال في هذه المسألة ، وإن لم يكن بينهما رابط عطف لكون مريئاً في الغالب( {[225]} ) لا يستعمل إلا تابعاً لهنيئاً فصارا كأنهما مرتبطان لذلك ورد بأن سيبويه قال : هنيئاً مريئاً صفتان نصبهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل لدلالة الكلام عليه ، وفيه أنه ليس بنص فيما ذهب إليه الزمخشري لاحتمال أنه أراد أنهما صفتان منصوبان على الحالية ، والعامل فيهما فعل محذوف يدل الكلام عليه كالمصادر المدعو بها في أنها معمولة لفعل محذوف يدل الكلام عليه ، ويؤيد ذلك أنه قال بعد ذلك كأنهم قالوا : ثبت ذلك هنيئاً فإن هذا مما يقال : على تقدير إقامتهما مقام المصدر ، ومن هنا قال السفاقسي : إن مذهب سيبويه والجماعة أنهما حال منصوب بفعل مقدر محذوف وجوباً لقيامهما مقامه كقولك : أقائماً وقد قعد الناس ، واعترض بهذا على ما تقدم من احتمال جعلهما حالاً من الضمير المنصوب في ( كلوه ) إذ عليه يكونان من جملة أخرى لا تعلق لهما بكلوا من حيث الإعراب .

واعترض أيضاً على الاستدلال بالبيت على رفع الظاهر بهما بأنه لا يتم لجواز أن تكون ( ما ) مرفوعة بالابتداء ولعزة خبره ، أو مرفوعة بفعل مقدر ، وكيفما كان الأمر يكون قوله سبحانه ذلك عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة ، وفي «كتاب العياشي » من الإمامية مرفوعاً إلى عليّ كرم الله تعالى وجهه أنه جاءه رجل فقال : يا أمير المؤمنين إن في بطني وجعاً فقال : ألك زوجة ؟ قال : نعم . قال : استوهب منها شيئاً طيبة به نفسها من مالها ثم اشتر به عسلاً ثم اسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه فإني سمعت الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه : { وَنَزَّلْنَا مِنَ السماء مَاء مباركا } [ ق : 9 ] وقال تعالى : { يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } [ النحل : 69 ] وقال عز شأنه : { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } فإذا اجتمعت البركة والشفاء والهنىء والمرىء شفيت إن شاء الله تعالى ففعل الرجل ذلك فشفي ، وأخرج عبد بن حميد وغيره من أصحابنا عن علي كرم الله تعالى وجهه ما يقرب من هذا بلفظ إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحوها فليشتر بها عسلاً وليأخذ من ماء السماء فيجمع هنياً مريئاً وشفاءً ومباركاً . وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن أناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء مما ساقه إلى امرأته فنزلت هذه الآية ، وفيها دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بني الشرط على طيب النفس وقلما يتحقق ولهذا كتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى قضاته أن النساء تعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها . وحكى الشعبي أن رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع فقال شريح : ردها عليها فقال الرجل : أليس قد قال الله تعالى : { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ } قال : لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه ، وعنه أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن والذي عليه الحنفيون أن الزوجة إذا وهبت شيئاً للزوج ليس لها الرجوع فيه بل ذكر ابن هبيرة اتفاق الأئمة الأربعة على أنه ليس لأحد من الزوجين الرجوع فيما وهب لصاحبه .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَءاتُواْ النساء صدقاتهن } مهورهن { نِحْلَةً } عطية من الله وفضلاً ، وفيه إشارة إلى التخلية عن البخل والغدر والتحلية بالوفاء والكرم ، وذلك من جملة ما يربي به القوي { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شيء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } ( النساء ؛ 4 ) ولا تأنفوا وتتكبروا عن ذلك وهذا أيضاً نوع من التربية لما فيه من التخلية عن الكبر والأنفة والتحلية بالتواضع والشفقة


[224]:- وعن الأوزاعي –كما في الكشاف- لا يجوز تبرعها ما لم تلد، أو تقم في بيت زوجها سنة اهـ منه.
[225]:- ومن غير الغالب قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الاستسقاء: "اسقنا غيثاً مريئاً" اهـ منه.