مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (43)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجهين : الأول : أن جماعة من أفاضل الصحابة صنع لهم عبد الرحمن بن عوف طعاما وشرابا حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا ، فلما ثملوا جاء وقت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم . فقرأ : أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد ، فنزلت هذه الآية ، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات ، فإذا صلوا العشاء شربوها ، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون ، ثم نزل تحريمها على الإطلاق في سورة المائدة . وعن عمر رضي الله عنه أنه لما بلغه ذلك قال : اللهم إن الخمر تضر بالعقول والأموال ، فأنزل فيها أمرك فصبحهم الوحي بآية المائدة . الثاني : قال ابن عباس : نزلت في جماعة من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد به للصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فنهاهم الله عنه .

المسألة الثانية : في لفظ الصلاة قولان : أحدهما : المراد منه المسجد ، وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ، وإليه ذهب الشافعي .

واعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل ، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه يكون من باب حذف المضاف ، أي لا تقربوا موضع الصلاة ، وحذف المضاف مجاز شائع ، والثاني : قوله : { لهدمت صوامع وبيع وصلوات } والمراد بالصلوات مواضع الصلوات ، فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد به المسجد جائز .

والقول الثاني : وعليه الأكثرون : أن المراد بالصلاة في هذه الآية نفس الصلاة ، أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى .

واعلم أن فائدة الخلاف تظهر في حكم شرعي ، وهو أن على التقدير الأول يكون المعنى : لا تقربوا المسجد وأنتم سكارى ولا جنبا إلا عابري سبيل ، وعلى هذا الوجه يكون الاستثناء دالا على أنه يجوز للجنب العبور في المسجد ، وهو قول الشافعي . وأما على القول الثاني فيكون المعنى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، ولا تقربوها حال كونكم جنبا إلا عابري سبيل ، والمراد بعابر السبيل المسافر ، فيكون هذا الاستثناء دليلا على أنه يجوز للجنب الإقدام على الصلاة عند العجز عن الماء . قال أصحاب الشافعي : هذا القول الأول أرجح ، ويدل عليه وجوه : الأول : أنه قال : { لا تقربوا الصلاة } والقرب والبعد لا يصحان على نفس الصلاة على سبيل الحقيقة ، إنما يصحان على المسجد . الثاني : أنا لو حملناه على ما قلنا لكان الاستثناء صحيحا ، أما لو حملناه على ما قلتم لم يكن صحيحا ، لأن من لم يكن عابر سبيل وقد عجز عن استعمال الماء بسبب المرض الشديد ، فإنه يجوز له الصلاة بالتيمم ، وإذا كان كذلك كان حمل الآية على ذلك أولى . الثالث : أنا إذا حملنا عابر السبيل على الجنب المسافر ، فهذا إن كان واجدا للماء لم يجز له القرب من الصلاة البتة ، فحينئذ يحتاج إلى إضمار هذا الاستثناء في الآية ، وإن لم يكن واجدا للماء لم يجز له الصلاة إلا مع التيمم ، فيفتقر إلى إضمار هذا الشرط في الآية ، وأما على ما قلناه فإنا لا نفتقر إلى إضمار شيء في الآية فكان قولنا أولى . الرابع : أن الله تعالى ذكر حكم السفر وعدم الماء ، وجواز التيمم بعد هذا ، فلا يجوز حمل هذا على حكم مذكور في آية بعد هذه الآية ، والذي يؤكده أن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله : { حتى تغتسلوا } ثم يستأنف قوله : { وإن كنتم مرضى } لأنه حكم آخر . وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا لم نحتج فيه إلى هذه الإلحاقات فكان ما قلناه أولى . ولمن نصر القول الثاني أن يقول : إن قوله تعالى : { حتى تعلموا ما تقولون } يدل على أن المراد من قوله : { لا تقربوا الصلاة } نفس الصلاة لأن المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه ، أما الصلاة ففيها أقوال مخصوصة يمنع السكر معها ، فكان حمل الآية على هذا أولى ، وللقائل الأول أن يجيب بأن الظاهر أن الإنسان إنما يذهب إلى المسجد لأجل الصلاة ، فما يخل بالصلاة كان كالمانع من الذهاب إلى المسجد فلهذا ذكر هذا المعنى .

المسألة الثالثة : قال الواحدي رحمه الله : السكارى جمع سكران ، وكل نعت على فعلان فإنه يجمع على : فعالى وفعالى ، مثل كسالى وكسالى ، وأصل السكر في اللغة سد الطريق ، ومن ذلك سكر البثق وهو سده ، وسكرت عينه سكرا إذا تحيرت ، ومنه قوله تعالى : { إنما سكرت أبصارنا } أي غشيت فليس ينفذ نورها ولا تدرك الأشياء على حقيقتها ، ومن ذلك سكر الماء وهو رده على سننه في الجري . والسكر من الشراب وهو أن ينقطع عما عليه من النفاذ حال الصحو ، فلا ينفذ رأيه على حد نفاذه في حال صحوه . إذا عرفت هذا فنقول : في لفظ السكارى في هذه الآية قولان : الأول : المراد منه السكر من الخمر وهو نقيض الصحو ، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين .

والقول الثاني : وهو قول الضحاك : وهو أنه ليس المراد منه سكر الخمر ، إنما المراد منه سكر النوم ، قال : ولفظ السكر يستعمل في النوم فكان هذا اللفظ محتملا له ، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه ، أما بيان أن اللفظ محتمل له فمن وجهين : الأول : ما ذكرنا : أن لفظ السكر في أصل اللغة عبارة عن سد الطريق ، ولا شك أن عند النوم تمتلئ مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ، ولا ينفذ الروح الباصر والسامع إلى ظاهر البدن . الثاني : قول الفرزدق :

من السير والإدلاج يحسب إنما *** سقاه الكرى في كل منزلة خمرا

وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له فنقول : الدليل دل عليه ، وبيانه من وجوه : الأول : أن قوله تعالى : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } ظاهره أنه تعالى نهاهم عن القرب من الصلاة حال صيرورتهم بحيث لا يعلمون ما يقولون ، وتوجيه التكليف على مثل هذا الإنسان ممتنع بالعقل والنقل ، أما العقل فلأن تكليف مثل هذا الإنسان يقتضي تكليف ما لا يطاق ، وأما النقل فهو قوله عليه الصلاة والسلام :

« رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ » ولا شك أن هذا السكران يكون مثل المجنون ، فوجب ارتفاع التكليف عنه .

والحجة الثانية : قوله عليه الصلاة والسلام : « إذا نعس أحدكم وهو في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإنه إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب ليستغفر فيسب نفسه » هذا تقرير قول الضحاك .

واعلم أن الصحيح هو القول الأول ، ويدل عليه وجهان : الأول : أن لفظ السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر ، والأصل في الكلام الحقيقة ، فأما حمله على السكر من العشق ، أو من الغضب أو من الخوف ، أو من النوم ، فكل ذلك مجاز ، وإنما يستعمل مقيدا . قال تعالى : { وجاءت سكرة الموت } وقال : { وترى الناس سكارى وما هم بسكارى } الثاني : أن جميع المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر وقد ثبت في أصول الفقه أن الآية إذا نزلت في واقعة معينة ولأجل سبب معين ، امتنع أن لا يكون ذلك السبب مرادا بتلك الآية ، فأما قول الضحاك كيف يتناوله النهي حال كونه سكران ؟ فنقول : وهذا أيضا لازم عليكم ، لأنه يقال : كيف يتناوله النهي وهو نائم لا يفهم شيئا ؟ ثم الجواب عنه : إن المراد من الآية النهي عن الشرب المؤدي إلى السكر المخل بالفهم حال وجوب الصلاة عليهم ، فخرج اللفظ عن النهي عن الصلاة في حال السكر مع أن المراد منه النهي عن الشرب الموجب للسكر في وقت الصلاة . وأما الحديث الذي تمسك به فذاك لا يدل على أن السكر المذكور في الآية هو النوم .

المسألة الرابعة : قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المائدة ، وأقول : الذي يمكن ادعاء النسخ فيه أنه يقال : نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدودا إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية ، فهذا يقتضي جواز قربان الصلاة مع السكر إذا صار بحيث يعلم ما يقول ، ومعلوم أن الله تعالى لما حرم الخمر بآية المائدة فقد رفع هذا الجواز ، فثبت أن آية المائدة ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية . هذا ما خطر ببالي في تقرير هذا النسخ .

والجواب عنه : أنا بينا أن حاصل هذا النهي راجع إلى النهي عن الشرب الموجب للسكر عند القرب من الصلاة ، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه إلا على سبيل الظن الضعيف ، ومثل هذا لا يكون نسخا .

المسألة الخامسة : قال صاحب «الكشاف » : قرئ { سكارى } بفتح السين و( سكرى ) على أن يكون جمعا نحو : هلكى ، وجوعى .

ثم قال تعالى : { ولا جنبا إلا عابري سبيل } قوله : { ولا جنبا } عطف على قوله : { وأنتم سكارى } والواو ههنا للحال ، والتقدير : لا تقربوا الصلاة حال ما تكونون سكارى ، وحال ما تكونون جنبا ، والجنب يستوي فيه الواحد والجمع ، المذكر والمؤنث ، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الأجناب . وقد ذكرنا أن أصل الجنابة البعد ، وقيل للذي يجب عليه الغسل : جنب ، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد وقراءة القرآن حتى يتطهر . ثم قال : { إلا عابري سبيل } وقد ذكرنا أن فيه قولين : أحدهما : أن هذا العبور المراد منه العبور في المسجد . الثاني : أن المراد بقوله : { إلا عابري سبيل } المسافرون ، وبينا كيفية ترجيح أحدهما على الآخر .

قوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا } .

اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أصنافا أربعة : المرضى ، والمسافرين ، والذين جاؤا من الغائط ، والذين لامسوا النساء .

فالقسمان الأولان : يلجئان إلى التيمم ، وهما المرض والسفر .

والقسمان الأخيران : يوجبان التطهر بالماء عند وجود الماء ، وبالتيمم عند عدم الماء ، ونحن نذكر حكم كل واحد من هذه الأقسام :

أما السبب الأول : هو المرض ، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام : أحدها : أن يكون بحيث لو استعمل الماء لمات ، كما في الجدري الشديد والقروح العظيمة ، وثانيها ، أن لا يموت باستعمال الماء ولكنه يجد الآلام العظيمة . وثالثها : أن لا يخاف الموت والآلام الشديدة . لكنه يخاف بقاء شين أو عيب على البدن ، فالفقهاء جوزوا التيمم في القسمين الأولين ، وما جوزوه في القسم الثالث وزعم الحسن البصري أنه لا يجوز التيمم في الكل إلا عند عدم الماء ، بدليل أنه شرط جواز التيمم للمريض بعدم وجدان الماء ، بدليل أنه قال في آخر الآية : { فلم تجدوا ماء } وإذا كان هذا الشرط معتبرا في جواز التيمم ، فعند فقدان هذا الشرط وجب أن لا يجوز التيمم ، وهو أيضا قول ابن عباس . وكان يقول : لو شاء الله لابتلاه بأشد من ذلك . ودليل الفقهاء أنه تعالى جوز التيمم للمريض إذا لم يجد الماء ، وليس فيه دلالة على منعه من التيمم عند وجوده ، ثم قد دلت السنة على جوازه ، ويؤيده ما روي عن بعض الصحابة أنه أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة ، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال ، فلما اغتسل مات ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : قتلوه قتلهم الله ، فدل ذلك على جواز ما ذكرناه .

السبب الثاني : السفر ، والآية تدل على أن المسافر إذا لم يجد الماء ، تيمم ، طال سفره أو قصر لهذه الآية .

السبب الثالث : قوله { أو جاء أحد منكم من الغائط } والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان . وكان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطا من الأرض يحجبه عن أعين الناس ، ثم سمي الحدث بهذا الاسم تسمية للشيء باسم مكانه .

السبب الرابع : قوله : { أو لامستم النساء } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : ( لمستم ) بغير ألف من اللمس ، والباقون { لامستم } بالألف من الملامسة .

المسألة الثانية : اختلف المفسرون في اللمس المذكور ههنا على قولين : أحدهما : أن المراد به الجماع ، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه ، لأن اللمس باليد لا ينقض الطهارة . والثاني : أن المراد باللمس ههنا التقاء البشرتين ، سواء كان بجماع أو غيره وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وقول الشافعي رضي الله عنه .

واعلم أن هذا القول أرجح من الأول ، وذلك لأن إحدى القراءتين هي قوله تعالى : { أو لمستم النساء } واللمس حقيقته المس باليد ، فأما تخصيصه بالجماع فذاك مجاز ، والأصل حمل الكلام على حقيقته . وأما القراءة الثانية وهي قوله : { أو لامستم } فهو مفاعلة من اللمس ، وذلك ليس حقيقة في الجماع أيضا ، بل يجب حمله على حقيقته أيضا ، لئلا يقع التناقض بين المفهوم من القراءتين المتواترتين واحتج من قال : المراد باللمس الجماع ، بأن لفظ اللمس والمس وردا في القرآن بمعنى الجماع ، قال تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } وقال في آية الظهار : { فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } وعن ابن عباس أنه قال : إن الله حي كريم يعف ويكني ، فعبر عن المباشرة بالملامسة . وأيضا الحدث نوعان : الأصغر ، وهو المراد بقوله : { أو جاء أحد منكم من الغائط } فلو حملنا قوله : { أو لامستم النساء } على الحدث الأصغر لما بقي للحدث الأكبر ذكر في الآية ، فوجب حمله على الحدث الأكبر .

واعلم أن كل ما ذكروه عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليل ، فوجب أن لا يجوز . وأيضا فحكم الجنابة تقدم في قوله : { ولا جنبا } فلو حملنا هذه الآية على الجنابة لزم التكرار .

المسألة الثالثة : قال أهل الظاهر : إنما ينتقض وضوء اللامس لظاهر قوله : { أو لامستم النساء } أما الملموس فلا . وقال الشافعي رضي الله عنه : بل ينتقض وضوءهما معا .

واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الأسباب الأربعة قال : { فلم تجدوا ماء } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده وتيمم وصلى ، ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب . حجة الشافعي قوله : { فلم تجدوا ماء } وعدم الوجدان مشعر بسبق الطلب ، فلا بد في كل مرة من سبق الطلب .

فإن قيل : قولنا : وجد ، لا يشعر بسبق الطلب ، بدليل قوله تعالى : { ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى } وقوله : { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } وقوله : { ولم نجد له عزما } فإن الطلب على الله محال .

قلنا : الطلب وإن كان في حقه تعالى محالا ، إلا أنه لما أخرج محمدا صلى الله عليه وسلم من بين قومه بما لم يكن لائقا لقومه صار ذلك كأنه طلبه ، ولما أمر الملكفين بالطاعات ثم إنهم قصروا فيها صار كأنه طلب شيئا ثم لم يجده ، فخرجت هذه اللفظة في هذه الآيات على سبيل التأويل من الوجه الذي ذكرناه .

المسألة الثانية : أجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه يحتاج إليه لعطشه أو عطش حيوان محترم جاز له التيمم ، أما إذا وجد من الماء ما لا يكفيه للوضوء ، فهل يجب عليه أن يجمع بين استعمال ذلك القدر من الماء وبين التيمم ؟ قد أوجبه الشافعي رضي الله عنه ، متمسكا بظاهر لفظ الآية .

ثم قال تعالى : { فتيمموا صعيدا طيبا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : التيمم في اللغة عبارة عن القصد ، يقال : أممته وتيممته وتأممته ، أي قصدته وأما الصعيد فهو فعيل بمعنى الصاعد ، قال الزجاج : الصعيد وجه الأرض ، ترابا كان أو غيره .

المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : لو فرضنا صخرا لا تراب عليه فضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافيا . قال الشافعي رضي الله عنه : بل لا بد من تراب يلتصق بيده . احتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية فقال : التيمم هو القصد ، والصعيد هو ما تصاعد من الأرض ، فقوله : { فتيمموا صعيدا طيبا } أي أقصدوا أرضا ، فوجب أن يكون هذا القدر كافيا . وأما الشافعي فإنه احتج بوجهين الأول : أن هذه الآية ههنا مطلقة ، ولكنها في سورة المائدة مقيدة ، وهي قوله سبحانه : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } وكلمة «من » للتبعيض ، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه . فإن قيل : إن كلمة «من » لابتداء الغاية ، قال صاحب «الكشاف » : لا يفهم أحد من العرب من قول القائل : مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب : إلا معنى التبعيض ، ثم قال : والأذعان للحق أحق من المراء . الثاني : ما ذكره الواحدي رحمه الله ، وهو أنه تعالى أوجب في هذه الآية كون الصعيد طيبا ، والأرض الطيبة هي التي تنبت بدليل قوله : { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } فوجب في التي لا تنبت أن لا تكون طيبة ، فكان قوله : { فتيمموا صعيدا طيبا } أمرا بالتيمم بالتراب فقط ، وظاهر الأمر للوجوب . أن قوله : { صعيدا طيبا } أمر بإيقاع التيمم بالصعيد الطيب ، والصعيد الطيب هو الأرض التي لا سبخة فيها ، ولا شك أن التيمم بهذا التراب جائز بالإجماع ، فوجب حمل الصعيد الطيب عليه رعاية لقاعدة الاحتياط ، لا سيما وقد خصص النبي عليه الصلاة والسلام التراب بهذه الصفة ، فقال :

«جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا » وقال : «التراب طهور المسلم إذا لم يجد الماء » .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } محمول عند كثير من المفسرين على الوجه واليدين إلى الكوعين ، وعند أكثر الفقهاء يجب مسح اليدين إلى المرفقين ، وحجتهم أن اسم اليد يتناول جملة هذا العضو إلى الإبطين ، إلا أنا أخرجنا المرفقين منه بدلالة الإجماع ، فبقي اللفظ متناولا للباقي . ثم ختم تعالى الآية بقوله : { إن الله كان عفوا غفورا } وهو كناية عن الترخيص ، والتيسير ، لأن من كان من عادته أنه يعفو عن المذنبين ، فبأن يرخص للعاجزين كان أولى .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (43)

وقد بدأ الدرس بالأمر بعبادة الله والنهي عن إشراك شيء به . . والصلاة أمس الشعائر بمعنى العبادة . وفي الآية التالية بيان لبعض أحكامها ، وأحكام الطهارة الممهدة لها :

( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - حتى تعلموا ما تقولون - ولا جنبا - إلا عابري سبيل - حتى تغتسلوا . وإن كنتم مرضى أو على سفر ، أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ، فتيمموا صعيدا طيبا ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم . إن الله كان عفوا غفورا )

إنها حلقة في سلسلة التربية الربانية للجماعة المسلمة - التي التقطها المنهج الإسلامي من سفح الجاهلية - وكانت الخمر إحدى تقاليد المجتمع الجاهلي الأصلية الشاملة ؛ وإحدى الظواهر المميزة لهذا المجتمع . كما أنها تكاد تكون ظاهرة مميزة لكل جاهلية في القديم والحديث أيضا . . الخمر كانت ظاهرة مميزة للمجتمع الروماني في أوج جاهليته ؛ وللمجتمع الفارسي أيضا . وكذلك هي اليوم ظاهرة مميزة للمجتمع الأوربي والمجتمع الأمريكي في أوج جاهليته ! والشأن أيضا كذلك في جاهلية المجتمع الإفريقي المتخلفة من الجاهلية الأولى !

في السويد - وهي أرقى أو من أرقى أمم الجاهلية الحديثة - كانت كل عائلة في النصف الأول من القرن الماضي تعد الخمر الخاصة بها . وكان متوسط ما يستهلكه الفرد ، حوالي عشرين لترا . وأحست الحكومة خطورة هذه الحال ، وما ينشره من إدمان ؛ فاتجهت إلى سياسة احتكار الخمور ، وتحديد الاستهلاك الفردي ، ومنع شرب الخمور في المحال العامة . . ولكنها عادت فخففت هذه القيود منذ أعوام قليلة ! فأبيح شرب الخمر في المطاعم بشرط تناول الطعام . ثم أبيحت الخمر في عدد محدود من المحال العامة ، حتى منتصف الليل فقط ! وبعد ذلك يباح شرب " النبيذ والبيرة " فحسب ! وإدمان الخمر عند المراهقين يتضاعف . . !

أما في أمريكا ، فقد حاولت الحكومة الأمريكية مرة القضاء على هذه الظاهرة فسنت قانونا في سنة 1919 سمي قانون " الجفاف " ! من باب التهكم عليه ، لأنه يمنع " الري " بالخمر ! وقد ظل هذا القانون قائما مدة أربعة عشر عاما ، حتى اضطرت الحكومة إلى إلغائه في سنة 1933 . وكانت قد استخدمت جميع وسائل النشر والإذاعة والسينما والمحاضرات للدعاية ضد الخمر . ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليونا من الدولارات . وأن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على عشرة بلايين صفحة . وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاما لا يقل عن 250 مليون جنيه . وقد أعدم فيها 300 نفس ؛ وسجن كذلك 335ر532 نفسا . وبلغت الغرامات 16 مليون جنيه . وصادرت من الأملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة بلايين جنيه . . وبعد ذلك كله اضطرت إلى التراجع وإلغاء القانون .

فأما الإسلام فقضى على هذه الظاهرة العميقة في المجتمع الجاهلي . . ببضع آيات من القرآن .

وهذا هو الفرق في علاج النفس البشرية وفي علاج المجتمع الإنساني . . بين منهج الله ، ومناهج الجاهلية قديما وحديثا على السواء !

ولكي ندرك تغلغل هذه الظاهرة في المجتمع الجاهلي ، يجب أن نعود إلى الشعر الجاهلي ؛ حيث نجد " الخمر " عنصرا أساسيا من عناصر المادة الأدبية ؛ كما أنه عنصر أساسي من عناصر الحياة كلها .

لقد بلغ من شيوع تجارة الخمر ، أن أصبحت كلمة التجارة ، مرادفة لبيع الخمر . . يقول لبيد :

قد بت سامرها وغاية تاجر وافيت إذ رفعت وعز مدامها

ويقول عمرو بن قميئة :

إذا أسحب الريط والمروط إلى أدني تجاري وأنفض اللمما

ووصف مجالس الشراب ، والمفاخرة بها تزحم الشعر الجاهلي ، وتطبعه طابعا ظاهرا . يقول امرؤ القيس :

( وأصبحت ودعت الصبا غير % أنني أراقب خلات من العيش أربعا )

( فمنهن قولي للندامى : تفرفقوا % يداجون نشاجا من الخمر مترعا )

( ومنهن ركض الخيل ترجم بالقنا % يبادرن سربا آمنا أن يفزعا )

. . . الخ

ويقول طرفة بن العبد :

( فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى % وجدك لم أحفل متى قام عودي )

فمنهن سبقي العاذلات بشربة % كميت متى ما تعل بالماء تزبد )

( وما زال تشرابي الخمور ولذتي % وبذلي وإنفاقي طريفي وتالدي )

( إلى أن تحامتني العشيرة كلها % وأفردت إفراد البعير المعبد )

ويقول الأعشى :

( فقد أشرب الراح قد تعلمين % يوم المقام ويوم الظعن )

( وأشرب بالريف حتى يقال % قد طال بالريف ما قد دجن )

ويقول المنخل اليشكري :

( ولقد شربت من المدامة % بالصغير وبالكبير )

( فإذا سكرت فإنني % رب الخورنق والسدير )

( وإذا صحوت فإنني % رب الشويهة والبعير )

وغير هذا كثير في الشعر الجاهلي . .

ورواية الحوادث التي صاحبت مراحل تحريم الخمر في المجتمع المسلم ، والرجال الذين كانوا أبطال هذه الحوادث . . وفيهم عمر ، وعلي ، وحمزة ، وعبدالرحمن بن عوف . . وأمثال هذا الطراز من الرجال . . تشي بمدى تغلغل هذه الظاهرة في الجاهلية العربية . وتكفي عن الوصف المطول المفصل :

يقول عمر رضي الله عنه في قصة إسلامه . . في رواية . . " كنت صاحب خمر في الجاهلية . فقلت لو أذهب إلى فلان الخمار فأشرب . . . "

وظل عمر يشرب الخمر في الإسلام . حتى إذا نزلت آية : ( يسألونك عن الخمر والميسر . قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ، وإثمهما أكبر من نفعهما ) . . قال : " اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر " . . واستمر . . حتى إذا نزلت هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) . . قال : اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر ! حتى إذا نزلت آية التحريم الصريحة : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) . . قال : انتهينا انتهينا ! وانتهى . .

وفي سبب نزول هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) ترد روايتان يشترك في أحداثهما علي وعبد الرحمن بن عوف من المهاجرين . وسعد بن معاذ من الأنصار .

روى ابن أبى حاتم : حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود - بإسناده - عن مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال : نزلت في أربع آيات . صنع رجل من الأنصار طعاما فدعا أناسا من المهاجرين وأناسا من الأنصار . فأكلنا وشربنا ، حتى سكرنا ، ثم افتخرنا ، فرفع رجل لحي بعير [ عظم الفك ] فغرز بها أنف سعد . فكان سعد مغروز الأنف . وذلك قبل تحريم الخمر . فنزلت ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) . . والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة .

وروى ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار . حدثنا عبد الرحمن بن عبدالله الدشتكي أبو جعفر . عن عطاء بن السائب ، عن أبى عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب قال : " صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما ، فدعانا ، وسقانا من الخمر ، فأخذت الخمر منا ، وحضرت الصلاة ، فقدموا فلانا قال : فقرأ : قل يا أيها الكافرون . ما أعبد ما تعبدون . ونحن نعبد ما تعبدون ! فأنزل الله : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون .

ولا نحتاج إلى مزيد من الأمثلة والروايات ؛ لندلل على تغلغل ظاهرة الخمر في المجتمع الجاهلي . فهي كانت والميسر ، الظاهرتين البارزتين ؛ المتداخلتين ، في تقاليد هذا المجتمع . .

فماذا صنع المنهج الرباني لمقاومة هذه الظاهرة المتغلغلة ؟ ماذا صنع لمكافحة هذه الآفة ، التي لا يقوم معها مجتمع جاد صالح مستقيم واع أبدا ؟ ماذا صنع ليقف في وجه عادة أصلية قديمة ، تتعلق بها تقاليد اجتماعية ؛ كما تتعلق بها مصالح اقتصادية ؟

لقد عالج المنهج الرباني هذا كله ببضع آيات من القرآن ؛ وعلى مراحل ، وفي رفق وتؤدة . وكسب المعركة . دون حرب . ودون تضحيات . ودون إراقة دماء . . والذي أريق فقط هو دنان الخمر وزقاقها وجرعات منها كانت في أفواه الشاربين - حين سمعوا آية التحريم - فمجوها من أفواهم . ولم يبلعوها . كما سيجيء !

في مكة - حيث لم يكن للإسلام دولة ولا سلطان . . إلا سلطان القرآن - وردت في القرآن المكي تلميحة سريعة إلى نظرة الإسلام للخمر . تدرك من ثنايا العبارة . وهي مجرد إشارة :

جاء في سورة النحل : ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنًا ) . . فوضع " السكر " وهو الشراب المسكر الذي كانوا يتخذونه من ثمرات النخيل والأعناب ، وفي مقابل الرزق الحسن ! ملمحا بهذا التقابل إلى أن السكر شيء . والرزق " الحسن " شيء آخر . . وكانت مجرد لمسة من بعيد ؛ للضمير المسلم الوليد !

ولكن عادة الشراب ، أو تقليد الشراب - بمعنى أدق - فقد كان أعمق من عادة فردية . كان تقليدا اجتماعيا ، له جذور اقتصادية . . كأن أعمق من أن تؤثر فيه هذه اللمسة السريعة البعيدة .

وفي المدينة حيث قامت للإسلام دولة وكان له سلطان . . لم يلجأ إلى تحريم الخمر بقوة الدولة وسيف السلطان . إنما كان أولا سلطان القرآن . .

وبدأ المنهج عمله في رفق وفي يسر ، وفي خبرة بالنفس البشرية ، والأوضاع الاجتماعية . .

بدأ بآية البقرة ردا على أسئلة تدل على فجر اليقظة في الضمير المسلم ضد الخمر والميسر : ( يسألونك عن الخمر والميسر . قل : فيهما إثم كبير ، ومنافع للناس . . وإثمهما أكبر من نفعهما . . )

وكانت هي الطرقة الأولى ، ذات الصوت المسموع . . في الحس الإسلامي ، وفي الضمير الإسلامي ، وفي المنطق الفقهي الإسلامي . . فمدار الحل والحرمة . . أو الكراهية . . على رجحان الإثم أو رجحان الخير ، في أمر من الأمور . . وإذا كان إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما . . فهذا مفرق الطريق . .

ولكن الأمر كان أعمق من هذا . . وقال عمر - رضي الله عنه - : " اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر " . . عمر ! ! ! وهذا وحده يكفي لبيان عمق هذا التقليد في نفس العربي !

ثم حدثت أحداث - كالتي رويناها - ونزلت هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، حتى تعلموا ما تقولون ) . .

وأخذ المنهج البصير الرفيق يعمل . .

لقد كانت هذه هي المرحلة الوسيطة ، بين التنفير من الخمر ، لأن إثمها أكبر من نفعها ، وبين التحريم البات ، لأنها رجس من عمل الشيطان . وكانت وظيفة هذه المرحلة الوسيطة : هي " قطع عادة الشراب " أو " كسر الإدمان " . . وذلك بحظر الشراب قرب أوقات الصلاة . وأوقات الصلاة موزعة على مدار النهار . وبينها فترات لا تكفي للشراب - الذي يرضي المدمنين - ثم الإفاقة من السكر الغليظ ! حتى يعملوا ما يقولون ! فضلا على أن للشراب كذلك أوقاتا ومواعيد خاصة من الصبوح والغبوق . . صباحا ومساء . . وهذه تتخللها وتعقبها أوقات الصلاة . . وهنا يقف ضمير المسلم بين أداء الصلاة وبين لذة الشراب . . وكان هذا الضمير قد بلغ أن تكون الصلاة عنده عماد الحياة . .

ومع ذلك . . فقد قال عمر رضي الله عنه - وهو عمر ! ! ! - " اللهم بين لنا بيانا شافيا في الخمر " . .

ثم مضى الزمن . ووقعت الأحداث . وجاء الوعد المناسب - وفق ترتيب المنهج - للضربة الحاسمة . فنزلت الآيتان في المائدة : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ، فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون ؟ ) . .

وانتهى المسلمون كافة . وأريقت زقاق الخمر ، وكسرت دنانها في كل مكان . . بمجرد سماع الأمر . . ومج الذين كان في أفواهم جرعات من الخمر ما في أفواههم - حين سمعوا ولم يبلعوها وهي في أفواههم وهم شاربون . .

لقد انتصر القرآن . وأفلح المنهج . وفرض سلطانه - دون أن يستخدم السلطان ! ! !

ولكن كيف كان هذا ؟ كيف تمت هذه المعجزة ، التي لا نظير لها في تاريخ البشر ؛ ولا مثيل لها في تاريخ التشريعات والقوانين والإجراءات الحكومية في أي مكان ، ولا في أي زمان ؟

لقد تمت المعجزة ، لأن المنهج الرباني ، أخذ النفس الإنسانية ، بطريقته الخاصة . . أخذها بسلطان الله وخشيته ومراقبته ، وبحضور الله - سبحانه - فيها حضورا لا تملك الغفلة عنه لحظة من زمان . . أخذها جملة لا تفاريق . . وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة . .

لقد ملأ فراغها باهتمامات كبيرة لا تدع فيها فراغا تملؤه بنشوة الخمر ، وخيالات السكر ، وما يصاحبها من مفاخرات وخيلاء . . في الهواء . .

ملأ فراغها باهتمامات . منها : نقل هذه البشرية الضالة الشاردة كلها ، من تيه الجاهلية الأجرد ، وهجيرهاالمتلظي ، وظلامها الدامس ، وعبوديتها المذلة ، وضيقها الخانق ، إلى رياض الإسلام البديعة ، وظلاله الندية ، ونوره الوضيء ، وحريته الكريمة ، وسعته التي تشمل الدنيا والآخرة !

وملأ فراغها - وهذا هو الأهم - بالإيمان . بهذا الإحساس الندي الرضي الجميل البهيج . فلم تعد في حاجة إلى نشوة الخمر ، تحلق بها في خيالات كاذبة وسمادير ! وهي ترف بالإيمان المشع إلى الملأ الأعلى الوضيء . . وتعيش بقرب الله ونوره وجلاله . . وتذوق طعم هذا القرب ، فتمج طعم الخمر ونشوتها ؛ وترفض خمارها وصداعها ؛ وتستقذر لوثتها وخمودها في النهاية !

إنه استنفذ الفطرة من ركام الجاهلية ؛ وفتحها بمفتاحها ، الذي لا تفتح بغيره ؛ وتمشى في حناياها وأوصالها ؛ وفي مسالكها ودروبها . . ينشر النور ، والحياة ، والنظافة ، والطهر ، واليقظة ، والهمة ، والاندفاع للخير الكبير والعمل الكبير ، والخلافة في الأرض ، على أصولها ، التي قررها العليم الخبير ، وعلى عهد الله وشرطه ، وعلى هدى ونور . .

إن الخمر - كالميسر . كبقية الملاهي . كالجنون بما يسمونه " الألعاب الرياضية " والإسراف في الاهتمام بمشاهدها . . كالجنون بالسرعة . . كالجنون بالسينما . . كالجنون " بالمودات " " والتقاليع " . . كالجنون بمصارعة الثيران . . كالجنون ببقية التفاهات التي تغشى حياة القطعان البشرية في الجاهلية الحديثة اليوم ، جاهلية الحضارة الصناعية !

إن هذه كلها ليست إلا تعبيرا عن الخواء الروحي . . من الإيمان أولا . . ومن الاهتمامات الكبيرة التي تستنفد الطاقة ثانيا . . وليست إلا إعلانا عن إفلاس هذه الحضارة في إشباع الطاقات الفطرية بطريقة سوية . . ذلك الخواء وهذا الإفلاس هما اللذان يقودان إلى الخمر والميسر لملء الفراغ ، كما يقودان إلى كل أنواع الجنون التي ذكرنا . . وهما بذاتهما اللذان يقودان إلى " الجنون " المعروف ، وإلى المرض النفسي والعصبي . . وإلى الشذوذ . .

إنها لم تكن كلمات . . هي التي حققت تلك المعجزة الفريدة . . إنما كان منهج . منهج هذه الكلمات متنه وأصله . منهج من صنع رب الناس . لا من صنع الناس ! وهذا هو الفارق الأصيل بينه وبين كل ما يتخذه البشر من مناهج ، لا تؤدي إلى كثير !

إنه ليست المسألة أن يقال كلام ! فالكلام كثير . وقد يكتب فلان من الفلاسفة . أو فلان من الشعراء . أو فلان من المفكرين . أو فلان من السلاطين ! قد يكتب كلاما منمقا جميلا يبدو أنه يؤلف منهجا ، أو مذهبا ، أو فلسفة . . الخ . . ولكن ضمائر الناس تتلقاه ، بلا سلطان . لأنه ( ما أنزل الله به من سلطان ) ! فمصدر الكلمة هو الذي يمنحها السلطان . . وذلك فوق ما في طبيعة المنهج البشري ذاته من ضعف ومن هوى ومن جهل ومن قصور !

فمتى يدرك هذه الحقيقة البسيطة من يحاولون أن يضعوا لحياة الناس مناهج ، غير منهج العليم الخبير ؟ وأن يشرعوا للناس قواعد غير التي شرعها الحكيم البصير ؟ وأن يقيموا للناس معالم لم يقمها الخلاق القدير ؟

متى ؟ متى ينتهون عن هذا الغرور ؟ ؟ ؟

ونعود من هذا الاستطراد إلى الآية الكريمة :

( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - حتى تعلموا ما تقولون - ولا جنبا - إلا عابري سبيل - حتى تغتسلوا . . . )

كما منعت الآية - الذين آمنوا - أن يقربوا الصلاة وهم سكارى - حتى يعلموا ما يقولون - كذلك منعتهم من الصلاة وهم جنب - إلا عابري سبيل - حتى يغتسلوا . .

وتختلف الأقوال في المقصود من ( عابري سبيل ) كما تختلف في معنى قرب الصلاة المنهي عنه . .

فقول : إن المقصود هو عدم قرب المساجد ، أو المكث فيها ، لمن كان جنبا ، حتى يغتسل . إلا أن يكون عابرا بالمسجد مجرد عبور . وقد كان جماعة من الصحابة أبواب بيوتهم تفتح في مسجد الرسول [ ص ] وهو طريقهم من وإلى هذه البيوت . فرخص لهم في المرور - وهم جنب - لا بالمكث في المسجد - ولا الصلاة بطبيعة الحال - إلا بعد الاغتسال .

وقول : إن المقصود هو الصلاة ذاتها . والنهي عن أدائها للجنب - إلا بعد الاغتسال - مالم يكن مسافرا . فيحل له عندئذ أن يقصد المسجد وأن يصلي - بلا اغتسال - ولكن بالتيمم . الذي يسد مسد الغسل - عندئذ - كما يسد مسد الوضوء . .

والقول الأول يبدو أظهر وأوجه . لأن الحالة الثانية - حالة السفر - ذكرت في الآية نفسها بعد ذلك . فتفسير عابري سبيل - بالمسافرين ، ينشيء تكرارا للحكم في الآية الواحدة ، لا ضرورة له : ( وإن كنتم مرضى ، أو على سفر ، أو جاء أحد منكم من الغائط ، أو لامستم النساء - فلم تجدوا ماء - فتيمموا صعيدا طيبا . فامسحوا بوجوهكم وأيديكم . إن الله كان عفوا غفورًا ) . .

فهذا النص يشمل حالة المسافر - عندما يصيبه حدث أكبر فيكون جنبا في حاجة إلى الغسل أو حدث أصغر ، فيكون في حاجة إلى الوضوء ، لأداء الصلاة .

والنص يسويه في هذه الحالة بمن كان مريضا ، فألم به حدث أكبر أو أصغر . أو بمن جاء من الغائط [ والغائط مكان منخفض كانوا يقضون حاجتهم فيه ، فكنى عن الفعل بالمجيء من مكان الفعل ] فأصابه حدث أصغر يقتضي الوضوء . أو بمن لامس النساء . .

وفي( لامستم النساء ) . . أقوال كذلك :

قول : إنه كناية عن الجماع . . فهو يستوجب الغسل .

وقول : إنه يعني حقيقة اللمس . . لمس أي جزء من جسم الرجل لجسم المرأة . . وهو يستوجب الوضوء في بعض المذاهب ، ولا يستوجبه في بعضها . بتفصيلات تطلب في كتب الفروع نذكر منها إجمالا :

" أ " اللمس يوجب الوضوء إطلاقا .

" ب " اللمس يوجب الوضوء إذا كان اللامس ممن تثور الشهوة في نفسه باللمس . وإذا كانت الملموسة ممن تثير الشهوة باللمس .

" ج " اللمس يوجب الوضوء إذا أحس اللامس نفسه - حسب تقديره في كل حالة - أن اللمسة أثارت في نفسه حركة .

" د " اللمس لا يوجب الوضوء إطلاقا ، ولا العناق ولا التقبيل للزوجة . .

ولكل قول سنده من أفعال أو من أقوال الرسول [ ص ] . . على طريقة الاختلافات الفقهية في الفروع .

والذي نرجحه في معنى ( او لامستم النساء )أنه كناية عن الفعل الذي يستوجب الغسل . وبذلك نستغني هنا عن كل الخلافات في مسألة الوضوء . .

وفي جميع هذه الحالات المذكورة ، سواء كانت الحالة تستوجب الغسل أو تستوجب الوضوء للصلاة . . حين لا يوجد الماء - وكذلك حين يوجد ولكن استعماله يكون ضارا أو غير مقدور عليه - يغني عن الغسل والوضوء : التيمم . وقد جاء اسمه من نص الآية .

فتيمموا صعيدا طيبًا . .

أي فاقصدوا صعيدا طيبا . . طاهرا . . والصعيد كل ما كان من جنس الأرض من تراب . أو حجر . أو حائط . ولو كان التراب مما على ظهر الدابة . أو في الفراش من ذرات التراب المتطاير . متى كان هناك تراب يتطاير عند ضرب اليدين به .

وطريقة التيمم : إما خبطة واحدة بالكفين على الصعيد الطاهر . ثم نفضهما . ثم مسح الوجه . ثم مسح اليدين إلى المرفقين بهما . . وإما خبطتان : خبطة يمسح بها الوجه ، وخبطة يمسح بها الذراعان . . ولا داعي هنا لذكر الخلافات الفقهية الدقيقة فيما وراء هذا . . فهذا الدين يسر ، وفي شرعية التيمم يتجلى معنى التيسير واضحا :

إن الله كان عفوا غفورًا . .

وهو التعقيب الموحي بالتيسير . وبالعطف على الضعف ، وبالمسامحة في القصور . والمغفرة في التقصير . .

تعقيب حول حكمة الوضوء والتيمم

وقبل أن ننهي الحديث عن هذه الآية وعن هذا الدرس . . نقف أمام بضع لمسات في هذه الآية القصيرة : نقف أمام " حكمة التيمم " نحاول استيضاح ما ييسره لنا الله من حكمتها . .

إن بعض الباحثين في حكمة التشريعات والعبادات الإسلامية ، يندفعون أحيانا في تعليل هذه الأحكام ؛ بصورة توحي بأنهم استقصوا هذه الحكمة ؛ فلم يعد وراء ما استقصوه شيء ! وهذا منهج غير سليم في مواجهة النصوص القرآنية والأحكام التشريعية . . ما لم يكن قد نص على حكمتها نصا . . وأولى : أن نقول دائما : إن هذا ما استطعنا أن نستشرفه من حكمة النص أو الحكم . وأنه قد تكون دائما هنالك أسرار من الحكمة لم يؤذن لنا في استجلائها ! وبذلك نضع عقلنا البشري - في مكانه - أمام النصوص والأحكام الإلهية . بدون إفراط ولا تفريط . .

أقول هذا ، لأن بعضنا - ومنهم المخصلون - يحبون أن يقدموا النصوص والأحكام الإسلامية للناس ، ومعها حكمة محددة ، مستقاة مما عرفه البشر من واقعهم أو مما كشف عنه " العلم الحديث " ! وهذا حسن - ولكن في حدود - هي الحدود التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة .

وكثيرا ما ذكر عن حكمة الوضوء - قبل الصلاة - أنها النظافة . .

وقد يكون هذا المعنى مقصودا في الوضوء . ولكن الجزم بأنه هو . . وهو دون غيره . . هو المنهج غير السليم . وغير المأمون أيضا :

فقد جاء وقت قال بعض المماحكين : لا حاجة بنا إلى هذه الطريقة البدائية : فالنظافة الآن موفورة . والناسيجعلونها في برنامج حياتهم اليومي . فإذا كانت هذه هي " حكمة الوضوء " فلا داعي للوضوء إذن للصلاة ! بل . . لا داعي للصلاة أيضا ! !

وكثيرا ما ذكر عن " حكمة الصلاة " . . تارة أنها حركات رياضية تشغل الجسم كله وتارة بأنها تعويد على النظام : أولا في مواقيتها . وثانيا في حركاتها . وثالثا في نظام الصفوف والإمامة . . الخ . وتارة أنها الاتصال بالله في الدعاء والقراءة . . وهذا وذاك وذلك قد يكون مقصودا . . ولكن الجزم بأن هذا أو ذاك او ذلك هو " حكمة الصلاة " يتجاوز المنهج السليم والحد المأمون .

وقد جاء حين من الدهر قال بعضهم فيه : إنه لا حاجة بنا إلى حركات الصلاة الرياضية . فالتدريبات الرياضية المنوعة كفيلة بهذا بعد أن أصبحت الرياضة فنا من الفنون !

وقال بعضهم : ولا حاجة بنا إلى الصلاة لتعود النظام . فعندنا الجندية - مجال النظام الأكبر . وفيها غناء ! وقال بعضهم : لا حاجة لتحتيم شكل هذه الصلاة . فالاتصال بالله يمكن أن يتم في خلوة ونجوة بعيدا عن حركات الجوارح ، التي قد تعطل الاستشراف الروحي !

وهكذا . . إذا رحنا " نحدد " حكمة كل عبادة . وحكمة كل حكم . ونعلله تعليلًا وفق( العقل البشري )أو وفق " العلم الحديث " ثم نجزم بأن هذا هو المقصود . . فإننا نبعد كثيرا عن المنهج السليم في مواجهة نصوص الله وأحكامه . كما نبعد كذلك عن الحد المأمون . ونفتح الباب دائما للمماحكات . فوق ما تحتملة تعليلاتنا من خطأ جسيم . وبخاصة حين نربطها بالعلم . والعلم قلب لا يثبت على حال . وهو كل يوم في تصحيح وتعديل !

وهنا في موضوعنا الحاضر ! موضوع التيمم - يبدو أن حكمة الوضوء أو الغسل ، ليست هي " مجرد " النظافة . وإلا فإن البديل من أحدهما أو من كليهما ، لا يحقق هذه " الحكمة " ! فلا بد إذن من حكمة " أخرى " للوضوء أو الغسل . تكون متحققة كذلك في " التيمم " .

ولا نريد نحن أن نقع في الغلطة نفسها فنجزم ! ولكننا نقول فقط : إنها - ربما - كانت هي الاستعداد النفسي للقاء الله ، بعمل ما ، يفصل بين شواغل الحياة اليومية العادية ، وبين اللقاء العظيم الكريم . . ومن ثم يقوم التيمم - في هذا الجانب - مكان الغسل او مكان الوضوء . .

ويبقى وراء هذا علم الله الكامل الشامل اللطيف ؛ بدخائل النفوس ، ومنحنياتها ودروبها ، التي لا يعلمها إلا اللطيف الخبير . . ويبقى أن نتعلم نحن شيئا من الأدب مع الجليل العظيم العلي الكبير . .

ونقف مرة أخرى أمام حرص المنهج الرباني على الصلاة ؛ وعلى إقامتها في وجه جميع الأعذار والمعوقات . وتذليل هذه المعوقات . والتيسير البادي في إحلال التيمم محل الوضوء ، ومحل الغسل ، أو محلهما معا ، عند تعذر وجود الماء ؛ أو عند التضرر بالماء [ أو عند الحاجة إلى الماء القليل للشرب وضروريات الحياة ] وكذلك عند السفر [ حتى مع وجود الماء في أقوال ] . .

إن هذا كله يدل - بالاضافة إلى ما سيأتي في السورة من بيان كيفية الصلاة عند الخوف - في ميدان القتال - على حرص شديد من المنهج الرباني ، على الصلاة . . بحيث لا ينقطع المسلم عنها لسبب من الأسباب [ ويبدو ذلك كذلك في المرض حيث تؤدي الصلاة من قعود ، أو من اضطجاع ، أو من نوم . وتؤدى بحركات من جفني العين عندما يشق تحريك الجسم والأطراف ! ]

إنها هذه الصلة بين العبد والرب . الصلة التي لا يحب الله للعبد أن ينقطع عنها . لأنه - سبحانه - يعلم ضرورتها لهذا العبد . فالله سبحانه غني عن العالمين . ولا يناله من عبادة العباد شيء . إلا صلاحهم هم . وإلا ما يجدون في الصلاة والاتصال بالله ، من العون على تكاليفهم ، والاسترواح لقلوبهم ، والاطمئنان لأرواحهم . والإشراق في كيانهم ؛ والشعور بأنهم في كنف الله ، وقربه ، ورعايته ، بالطريقة التي تصلح لفطرتهم . . والله أعلم بفطرتهم هذه ، وبما يصلح لها وما يصلحها . . وهو أعلم بمن خلق . وهو اللطيف الخبير .

ونقف كذلك أمام بعض التعبيرات الرائقة في هذا النص القصير :

ذلك حين يعبر عن قضاء الحاجة في الغائط بقوله : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) . . فلا يقول : إذا عملتم كذا وكذا . . بل يكتفي بالعودة من هذا المكان ، كناية عما تم فيه ! ومع هذا لا يسند الفعل إلى المخاطبين . فلا يقول : أو جئتم من الغائط . بل يقول : ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) زيادة في أدب الخطاب ، ولطف الكناية . ليكون هذا الأدب نموذجا للبشر حين يتخاطبون !

وحين يعبر عما يكون بين الرجل والمرأة بقوله : ( أو لامستم النساء ) والتعبير بالملامسة أرق وأحشم وأرقى - والملامسة قد تكون مقدمة للفعل أو تعبيرا عنه - وعلى أية حال فهو أدب يضربه الله للناس ، في الحديث عن مثل هذه الشؤون . عندما لا يكون هناك مقتض للتعبير المكشوف .

وحين يعبر عن الصعيد الطاهر ، بأنه الصعيد الطيب . ليشير إلى أن الطاهر طيب . وأن النجس خبيث . . وهو إيحاء لطيف المدخل إلى النفوس . .

وسبحان خالق النفوس . العليم بهذه النفوس !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (43)

{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } إرشاد لإخلاص الصلاة التي هي رأس العبادة من شوائب الكدر ليجمعوا بين إخلاص عبادة الحق ومكارم الأخلاق التي بينهم وبين الخلق المبينة فيما تقدم وبهذا يحصل الربط ، ويجوز أن يقال : لما نهوا فيما سلف عن الإشراك به تعالى نهوا ههنا عما يؤدي إليه من حيث لا يحتسبون ، فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه عن عليّ كرم الله تعالى وجهه قال : «صنع لنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فنزلت » . وفي رواية ابن جرير وابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه : «إن إمام القوم يومئذٍ هو عبد الرحمن وكانت الصلاة صلاة المغرب وكان ذلك لما كانت الخمر مباحة ، والخطاب للصحابة وتصدير الكلام بحرفي النداء والتنبيه اعتناءاً بشأن الحكم ، والمراد بالصلاة عند الكثير الهيئة المخصوصة ، وبقربها القيام إليها والتلبس بها إلا أنه نهى عن القرب مبالغة ، وبالسكر الحالة المقررة التي تحصل لشارب الخمر ، ومادته تدل على الانسداد ومنه سكرت أعينهم أي انسدت ، والمعنى لا تصلوا في حالة السكر حتى تعلموا قبل الشروع ما تقولونه قبلها إذ بذلك يظهر أنكم ستعلمون ما ستقرءُونه فيها ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أن المعنى لا تقربوا الصلاة وأنتم نشاوى من الشراب حتى تعلموا ما تقرءُونه في صلاتكم ولعل مراده حتى تكونوا بحيث تعلمون ما تقرءُونه وإلا فهو يستدعي تقدم الشروع في الصلاة على غاية النهي ، وإذا أريد ذلك رجع إلى ما تقدم ولكن فيه تطويل بلا طائل على أن إيثار { مَا تَقُولُونَ } على ما تقرؤون حينئذٍ يكون عارياً عن الداعي ، وروي عن ابن المسيب والضحاك وعكرمة والحسن أن المراد من الصلاة مواضعها فهو مجاز من ذكر الحال وإرادة المحل بقرينة قوله تعالى فيما يأتي : { إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } فإنه يدل عليه بحسب الظاهر ، فالآية مسوقة عن نهي قربان السكران المسجد تعظيماً له ، وفي الخبر «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم » ويأباه ظاهر قوله تعالى : { حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } وروي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه حمل الصلاة على الهيئة المخصوصة وعلى مواضعها مراعاة للقولين ، وفي الكلام حينئذٍ الجمع بين الحقيقة والمجاز ونحن لا نقول به ، وروي عن جعفر رضي الله تعالى عنه والضحاك وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد من السكر سكر النعاس وغلبة النوم ، وأيد بما أخرجه البخاري عن أنس قال :

" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول " وروي مثله عن عائشة رضي الله تعالى عنها وفيه بعد وأبعد منه حمله على سكر الخمر وسكر النوم لما فيه من الجمع بين الحقيقة والمجاز ، أو عموم المجاز مع عدم القرينة الواضحة على ذلك ، وأياً مّا كان فليس مرجع النهي هو المقيد مع بقاء القيد مرخصاً بحاله بل إنما هو القيد مع بقاء المقيد على حاله لأن القيد مصب النفي والنهي في كلامهم ولأنه مكلف بالصلاة مأمور بها والنهي ينافيه ، نعم لا مانع عن النهي عنها للسكران مع الأمر المطلق إلا أن مرجعه إلى هذا . والحاصل كما قال الشهاب : أنه مكلف بها في كل حال ، وزوال عقله بفعله لا يمنع تكليفه ولذا وقع طلاقه ونحوه ، ولو لم يكن مأموراً بها لم تلزمه الإعادة إذا استغرق السكر وقتها وقد نص عليه الجصاص في «الأحكام » وفصله انتهى ، وزعم بعضهم أن النهي عن الصلاة نفسها لكن المراد بها الصلاة جماعة مع النبي صلى الله عليه وسلم تعظيماً له عليه الصلاة والسلام وتوقيراً ، ولا يخفى أنه مما لا يدل عليه نقل ولا عقل ويأباه الظاهر وسبب النزول ، وقد روي أنهم كانوا بعدما أنزلت الآية لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون ، وقرىء { سكارى } بفتح السين جمع سكران كندمان وندامى . وقرأ الأعمش سكرى بضم السين على أنه صفة كحبلى وقع صفة لجماعة أي وأنتم جماعة سكرى ، والنخعي سكرى بالفتح ، وهو إما صفة مفردة صفة جماعة كما في الضم ، وإما جمع تكسير كجرحى ، وإنما جمع سكران عليه لما فيه من الآفة اللاحقة للعقل ، والصيغة على قراءة الجمهور جمع تكسير عند سيبويه ، واسم جمع عند غيره لأنه ليس من أبنية الجمع ، ورجح الأول .

{ وَلاَ جُنُباً } عطف على قوله تعالى : { وَأَنتُمْ سكارى } فإنه في حيز النصب كأنه قيل : لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً قاله غير واحد وقال الشهاب نقلاً عن «البحر » : إن هذا حكم الإعراب ، وأما المعنى ففرق بين قولنا جاء القوم سكارى وجاءوا وهم سكارى إذ معنى الأول : جاؤوا كذلك ، والثاني : جاءوا وهم كذلك باستئناف الإثبات ذكره عبد القاهر ويعني بالاستئناف أنه مقرر في نفسه مع قطع النظر عن ذي الحال وهو مع مقارنته له يشعر بتقرره في نفسه ، ويجوز تقدمه واستمراره ، ولذا قال السبكي في الأشباه : لو قال : لله تعالى عليّ أن أعتكف صائماً لا بد له من صوم يكون لأجل ذلك النذر من غير سبب آخر فلا يجزئه الاعتكاف بصوم رمضان ، ولو قال : وأنا صائم أجزأه ، ولعل وجه الفرق أن الحال إذا كانت جملة دلت على المقارنة ، وأما اتصافه بمضمونها فقد يكون وقد لا يكون نحو جاء زيد وقد طلعت الشمس والحال المفردة صفة معنى فإذا قال : لله تعالى عليّ أن أعتكف وأنا صائم نذر مقارنته للصوم ولم ينذر صوماً فيصح في رمضان ، ولو قال : صائماً نذر صومه فلا يصح فيه ؛ وهذه المسألة نقلها الإسنوي في «التمهيد » ولم يبين وجهها ، ولم نر لأئمتنا فيها كلاماً انتهى كلامه .

ولم يبين رحمه الله تعالى السر في مخالفة هذين الحالين على وجه يتضح به ما ذكره في المسألة ، وبين العلامة الطيبي فائدتها غير أنه لم يتعرض لهذا الفرق فقال : فائدتها والعلم عند الله تعالى الإشعار بأن قربان الصلاة مع السكر مناف لحال المسلمين ، ومن يناجي الحضرة الصمدانية دل عليه الخطاب بأنتم ولهذا قرنه بقوله سبحانه : { حتى تَعْلَمُواْ } الخ ، والمجنبون لا يعدمون إحضار القلب ، ومن ثَمّ رخص لهم بالأعذار فتأمل جداً ، والجنب من أصابته الجنابة يستوي فيه على اللغة الفصيحة المذكر والمؤنث والواحد والتثنية والجمع لجريانه مجرى المصدر وإن لم يكنه كما قاله بعض المحققين ومن العرب من يثنيه ويجمعه فيقول جنبان وأجناب وجنوب ، واشتقاقه كما قال أبو البقاء : من المجانبة وهي المباعدة .

{ إِلاَّ عَابِرِى } أي مجتازي { سَبِيلٍ } أي طريق ، والمراد إلا مسافرين وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال محله النصب على أنه حال من ضمير { لاَ تَقْرَبُواْ } باعتبار تقييده بالحال الثانية دون الأولى ، والعامل فيه معنى النهي أي لا تقربوا الصلاة جنباً في حال من الأحوال إلا حال كونكم مسافرين على معنى أنه في حالة السفر ينتهي حكم النهي لكن لا بطريق شمول النفي لجميع صورها بل بطريق نفي الشمول في الجملة من غير دلالة على انتفاء خصوصية البعض المنتفي ولا على بقاء خصوصية البعض الباقي ولا ثبوت نقيضه لا كلياً ولا جزئياً فإن الاستثناء لا يدل على ذلك عبارة ، نعم يشير إلى مخالفة حكم ما بعده لما قبله إشارة إجمالية يكتفى بها في المقامات الخطابية لا في إثبات الأحكام الشرعية ، فإن ملاك الأمر في ذلك إنما هو الدليل ، وقد ورد عقيبه على طريق البيان ، قاله المولى شيخ الإسلام ، وقيل : هو صفة لجنباً على أن { إِلا } بمعنى غير ، واعترض بأن مثل هذا إنما يصح عند تعذر الاستثناء ولا تعذر هنا لعموم النكرة بالنفي ، وأجيب بأن هذا الشرط في التوصيف ذكره ابن الحاجب وقد خالفه فيه النحاة ، ورجح بعضهم الوصفية هنا بناءاً على أن الكلام على تقدير الاستثناء يفيد الحصر ولا حصر لورود المريض إشكالاً عليه بخلافه على تقدير الوصفية ، وادعى البعض إفادة الكلام له مطلقاً وأن المريض يرد إشكالاً إلا أن يؤل كما ستعرفه ومن حمل الصلاة على مواضعها فسر العبور بالاجتياز بها وجوز للجنب عبور المسجد ، وبه قال الشافعي رحمه الله تعالى والمشهور عندنا منع الجنب المسجد مطلقاً ، ورخص علي كرم الله تعالى وجهه كما في خبر الترمذي عن أبي سعيد بناءاً على ما فسره ضرار بن صرد حين سأله عن معناه علي بن المنذر ، وكونه كرم الله تعالى وجهه رخص ثم منع لم يثبت عندي وإن نقله البعض ، ونقل الجصاص في «الأحكام » أنه لا يجوز الدخول إلا أن يكون الماء أو الطريق فيه ، وعن الليث أن الجنب لا يمرّ فيه إلا أن يكون بابه في المسجد ، فقد روي أن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد وكان يصيبهم الجنابة ولا يجدون ممراً إلا فيه فرخص لهم في ذلك .

{ حتى تَغْتَسِلُواْ } غاية للنهي عن قربان الصلاة حال الجنابة ، ولعل تقديم الاستثناء عليه كما قال شيخ الإسلام للإيذان من أول الأمر بأن حكم النهي في هذه السورة ليس على الإطلاق كما في صورة السكر تشويقاً إلى البيان وروماً لزيادة تقربه في الأذهان ، وقيل : لما لم يكن لقوله سبحانه : { حتى تَغْتَسِلُواْ } مدخل في المقصود إذ المقصود إنما هو صحة الصلاة جنباً أخره وقدم الاستثناء عليه ، وكان الظاهر عدم ذكره لذلك إلا أنه ذكره تنبيهاً على أن الجنابة إنما ترتفع بالاغتسال ، وفي الآية الكريمة رمز إلى أنه ينبغي للمصلي أن يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه ، وأن يزكي نفسه عما يدنسها لأنه إذا وجب تطهير البدن فتطهير القلب أولى أو لأنه إذا صين موضع الصلاة عمن به حدث فلأن يصان القلب الذي هو عرش الرحمن عن خاطر غير طاهر ظاهر الأولوية .

{ وَإِنْ كُنتُم مرضى } تفصيل لما أجمل في الاستثناء وبيان ما هو في حكم المستثنى من الأعذار ، والاقتصار فيما قبل على استثناء السفر مع مشاركة الباقي له في حكم الترخيص للإشعار بأنه العذر الغالب المبني على الضرورة الذي( {[247]} ) يدور عليها أمر الرخصة ، ولهذا قيل : المراد بغير عابري سبيل غير معذورين بعذر شرعي إما بطريق الكناية أو بإيماء النص ودلالته . وبهذا يندفع الإيراد السابق على الحصر وإنما لم يقل : إلا عابري سبيل أو مرضى فاقدي الماء حساً أو حكماً لما أن ما في النظم الكريم أبلغ وأوكد منه لما فيه من الإجمال والتفصيل ، ومعرفة تفاضل العقول والأفهام ، والمراد بالمرض ما يمنع من استعمال الماء مطلقاً سواء كان بتعذر الوصول إليه أو بتعذر استعماله ، وأخرج ابن جريج عن ابن مسعود أنه قال : المريض الذي قد أرخص له في التيمم الكسير والجريح فإذا أصابته الجنابة لا يحل جراحته إلا جراحة لا يخشى عليها ، وأخرج البيهقي في «المعرفة » عن ابن عباس يرفعه «إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله تعالى أو القروح أو الجدري فيجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم »والذي تقرر في الفروع : أن المريض الذي يخاف إذا استعمل الماء أن يشتد مرضه يتيمم ، ولا فرق بين أن يشتد مرضه بالتحرك كالمبطون أو بالاستعمال كمن به حصبة أو جدري ولم يشترط أصحابنا خوف التلف لظاهر النص وهو بإطلاقه يبيح التيمم لكل مريض إلا أن في بعض الآيات ما أخرج من لا يشتد مرضه ، وتفصيل ذلك في كتب الفقه .

{ أَوْ على سَفَرٍ } عطف على ( مرضى ) أي أو كنتم على سفر مّا طال أو قصر ، ولعل اختيار هذا على نحو مسافرين لأنه أوضح في المقصود منه ، وفي «الهداية » : «ومن لم يجد الماء وهو مسافر أو خارج المصر بينه وبين المصر ( نمو ) ميل أو أكثر يتيمم » ، والظاهر أن حكم من هو خارج المصر غير مسافر كما يقتضيه العطف معلوم بالقياس لا بالنص وإيراد المسافر صريحاً مع سبق ذكره بطريق الاستثناء لبناء الحكم الشرعي عليه وبيان كيفيته . فإن الاستثناء كما أشار إليه شيخ الإسلام بمعزل من الدلالة على ثبوته فضلاً عن الدلالة على كيفيته ، وقيل : ذكر السفر هنا لإلحاق المرض به والتسوية بينه وبينه بإلحاق الواجد بالفاقد بجامع العجز عن الاستعمال ، وهذه الشرطية ظاهرة على رأي من حمل الصلاة على مواضعها ، وفسر العبور بالاجتياز بها إذ ليس فيها حينئذ ما يتوهم منه شائبة التكرار بل هي عنده بيان حكم آخر لم يذكر قبل ، وأيد بأن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله سبحانه : { حتى تَغْتَسِلُواْ } ويبتدءون بقوله تعالى : { وَإِن كُنتُمْ } الخ بل التعبير بالقرب يومىء إلى حمل الصلاة على ذلك لأن حقيقة القرب والبعد في المكان وكذا التعبير ب { عَابِرِى سَبِيلٍ } هناك وب { على سَفَرٍ } هنا فيه إيماء إلى الفرق بين ما هنا وما هناك إلا أن الكثير على خلافه ، وإنما قدم المرض على السفر للإيذان بأصالته واستقلاله بأحكام لا توجد في غيره ، وقيل : لأنه سبب النزول ، فقد أخرج ابن جريج عن إبراهيم النخعي قال : «نال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جراحة ففشت فيهم ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : { وَإِنْ كُنتُم مرضى } الآية كلها » وهذا خلاف ما عليه الجمهور حيث رووا أن نزولها في غزوة المريسيع حين عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فسقطت عن عائشة رضي الله تعالى عنها قلادة لأسماء فلما ارتحلوا ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رجلين في طلبها فنزلوا ينتظرونهما فأصبحوا وليس معهم ماء فأغلظ أبو بكر على عائشة رضي الله تعالى عنها ، وقال حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين على غير ماء فنزلت فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة فجعل يقول ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر وفي رواية يرحمك الله تعالى يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله تعالى فيه للمسلمين فرجاً » وهذا يدل على أن سبب النزول كان فقد الماء في السفر وهو ظاهر

{ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط } هو المكان المنخفض ، وجاء الغيط بفتح الغين وسكون الياء ، وبه قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وهو في رأي مصدر يغوط ، وكان القياس غوطاً فقلبت الواو ياءاً وسكنت وانفتح ما قبلها لخفتها ، ولعل الأولى ما قيل : إنه تخفيف غيط كهين وهين ، والغيط الغائط ، والمجيء منه كناية عن الحدث لأن العادة أن من يريده يذهب إليه ليواري شخصه عن أعين الناس .

وفي ذكر { أَحَدٌ } فيه دون غيره إيماء إلى أن الإنسان ينفرد عند قضاء الحاجة كما هو دأبه وأدبه ، وقيل : إنما ذكر وأسند المجيء إليه دون المخاطبين تفادياً عن التصريح بنسبتهم إلى ما يستحي منه أو يستهجن التصريح به والفعل عطف على { كُنتُمْ } ، والجار الأول : متعلق بمحذوف وقع صفة للنكرة قبله ، والثاني : متعلق بالفعل أي وإن جاء أحد كائن منكم من الغائط

{ أَوْ لامستم النساء } يريد سبحانه أو جامعتم النساء إلا أنه كنى بالملامسة عن الجماع لأنه مما يستهجن التصريح به أو يستحي منه ، وإلى ذلك ذهب علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن فيكون إشارة إلى الحدث الأكبر كما أن الأول إشارة إلى الحدث الأصغر . وعن ابن مسعود والنخعي والشعبي أن المراد بالملامسة ما دون الجماع أي ماسستم بشرتهن ببشرتكم ، وبه استدل الشافعي رضي الله تعالى عنه على أن اللمس ينقض الوضوء ، وبه قال الزهري والأوزاعي وقال مالك والليث بن سعد وأحمد في إحدى الروايات عنه : إن كان اللمس بشهوة نقض وإلا فلا ، وذهب أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إلى أنه لا ينتقض الوضوء بالمس ولو بشهوة ، قيل : ما لم يحدث الانتشار ، واختلف قول الشافعي رضي الله تعالى عنه في لمس المحارم كالأم والبنت والأخت ، وفي لمس الأجنبية الصغيرة وأصح القولين : أنه لا ينقض كلمس نحو السن والظفر والشعر وينتقض عنده وضوء الملموسة كاللامس في الأظهر لاشتراكهما في مظنة اللذة كالمشتركين في الجماع ، وإنما لم ينتقض وضوء الملموس فرجه على مذهبه لأنه لم يوجد منه مس لمظنة لذة أصلاً بخلافه هنا ، ودليل القول بعدم نقض وضوء الملموس حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها وضعت يدها على قدميه صلى الله عليه وسلم وهو ساجد ، ووجه استدلاله بما في الآية على ما استدل عليه أن الحمل على الحقيقة هو الراجح لا سيما في قراءة حمزة والكسائي أو لمستم إذ لم يشتهر اللمس في الجماع كالملامسة ، ورجح بعضهم الحمل على الجماع في القراءتين ترجيحاً للمجاز المشهور وعملاً بهما إذ لا منافاة وهو الأفق بمذهبنا ، وقال بعض المحققين : إن المتجه أن الملامسة حقيقة في تماس البدنين بشيء من أجزائهما من غير تقييد باليد ، وعلى هذا فالجماع من أفراد مسمى الحقيقة فيتناوله اللفظ حقيقة ، وإنما يكون مجازاً لو اقتصر على إرادته باللفظ ، وادعى الجلال المحلي أن الملامسة حقيقة في الجس باليد مجاز في الوطء ، وأن الشافعي رحمه الله تعالى حملها على المعنيين جمعاً بين الحقيقة والمجاز ؛ وظاهر عبارة «الأم » أن الشافعي لم يحمل الملامسة على الوطء بل على ما عداه من أنواع التقاء البشرتين ، وأنه إنما ذكر الجس باليد تمثيلاً للملامسة بنوع من أنواعها لا تفسيراً لها بذكر كمال معناها الحقيقي كما بينه الكمال ابن أبي شريف فليفهم/

ثم إن نظم هذين الأمرين في سلك سببي سقوط الطهارة والمصير إلى التيمم مع كونهما سببي وجوبهما ليس باعتبار أنفسهما بل باعتبار قيدهما المستفاد من قوله سبحانه : { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } بل هو السبب في الحقيقة وإنما ذكرا تمهيداً له وتنبيهاً على أنه سبب للرخصة بعد انعقاد سبب الطهارة بقسميها كأنه قيل : أو لم تكونوا مرضى أو مسافرين بل كنتم فاقدين للماء بسبب من الأسباب مع تحقق ما يوجب استعماله من الحدث الأصغر أو الأكبر .

قيل : وتخصيص ذكره بهذه الصورة مع أنه معتبر أيضاً في صورة المرض والسفر لندرة وقوعه فيها واستغنائهما عن ذكره لأن الجنابة معتبرة فيهما قطعاً فيعلم من حكمها حكم الحدث الأصغر بدلالة النص لأن تقدير النظم لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا حال كونكم مسافرين فإن كنتم كذلك ، أو كنتم مرضى الخ ، وقيل : إن هذا القيد راجع للكل ، وقيد وجوب التطهر المكنى عنه بالمجيء من الغائط والملامسة معتبر فيه أيضاً ، واعترض بأن النظم الكريم لا يساعده ، وفي «الكشف » عن بعضهم أن في الآية تقديماً وتأخيراً ، والتقدير لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، ولا جنباً ولا جائياً أحد منكم من الغائط ، أو لامساً يعني ولا محدثين ، ثم قيل : وإن كنتم مرضى أو على سفر فتيمموا ، وفيه الفصل بين الشرط والجزاء والمعطوف والمعطوف عليه من غير نكتة ، ثم قال بعد أن نقل ما اعترضه : ولعل الأوجه في تقرير الآية والله تعالى أعلم أن يجعل عدم الوجدان عبارة عن عدم القدرة على استعمال الماء لفقد الماء ، أو المانع ليصح أن يكون قيداً للكل ، أو يحمل على ظاهره ويجعل قيداً للأخيرين لأن عموم الإعواز في حق المسافر غالباً ، والمنع من القدرة على استعمال الماء القائم مقامه في حق المريض مغن عن التقييد لفظاً ، وأن يبقى قوله سبحانه : { مرضى أَوْ على سَفَرٍ } على إطلاقه من غير تقييد بكونهم محدثين أو مجنبين لأن المقصود بيان سبب العدول عن الطهارة بالماء إلى التيمم ، أما المشترك بين الطهارتين فلا يحتاج إلى ذكره قصداً وأن يجعل ذكر المحدثين من غير القبيلين بياناً لسبب العدول وهو فقد القدرة من غير سفر ولا مرض لا لأن الحدث سبب وإن أفاد ذلك ضمناً ولم يقل أو لم تجدوا دون ذكر السببين تنبيهاً على أن عدم الوجدان مرخص بعد انعقاد سبب الطهارة ، وأفيد ضمناً أنهما معتبران أيضاً في المريض والمسافر إذ لا فرق بين المرض والسفر وبين سائر الأعذار في ذلك انتهى ، ولا يخفى أن الحمل على الظاهر أظهر وما ذكره على تقدير الحمل عليه ليس بالبعيد عما قدمناه ، نعم الآية من معضلات القرآن ، ولعلها تحتاج بعد إلى نظر دقيق ، والفاء في { فَلَمْ } عاطفة/

وأما الفاء في قوله سبحانه : { فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً } فواقعة في جواب الشرط ، والظاهر أن الضمير راجع إلى جميع ما اشتمل عليه ، وفيه تغليب الخطاب على الغيبة ، ومثله في ذلك { تَجِدُواْ } فلا حاجة إلى تقدير فليتيمم جزاءاً لقوله سبحانه : { جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ } والتيمم لغة القصد قال الأعشى :

( تيممت قيساً ) وكم دونه *** من الأرض من مهمه ذي شزن

والصعيد وجه الأرض كما روي عن الخليل وثعلب ، وقال الزجاج : لا أعلم خلافاً بين أهل اللغة في أن الصعيد وجه الأرض وسمي بذلك لأنه نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض ، أو لصعوده وارتفاعه فوق الأرض ، والطيب الطاهر ، وعن سفيان الحلال ، وقيل : المنبت دون السبخة كما في قوله تعالى : { والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ } [ الأعراف : 58 ] والحمل على الأول هو الأنسب بمقام الطهارة ، والمعنى فتعمدوا واقصدوا شيئاً من وجه الأرض طاهراً ، وهذا دليل واضح لجواز التيمم بالكحل والآجر والمرداسنج والياقوت والفيروزج والمرجان والزمرذ ونحو ذلك ، وإن لم يكن عليه غبار وإلى ذلك ذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه ومحمد في إحدى الروايتين عنه ، وفي رواية أخرى عنه وهو قول أبي يوسف والشافعي وأحمد رضي الله تعالى عنهم أنه لا يجوز التيمم إلا أن يعلق باليد شيء من التراب لتقييد المسح ب { مِنْهُ } في المائدة ( 6 ) ، وكلمة ( من ) للتبعيض وهو يقتضي التراب ، والحنفية يحملونها على الابتداء أو الخروج مخرج الأغلب ، وقيل : الضمير للحدث المفهوم من السياق ، و ( من ) للتعليل ، وأغرب الإمام مالك فأجاز التيمم بالثلج ، وقد شنع الشيعة عليه بذلك ، وقد اعتذرنا عنه في كتابنا «الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية » ونصب { صَعِيداً } على أنه مفعول به ، وقيل : إنه منصوب بنزع الخافض أي فتيمموا بصعيد

{ فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } أي وجوهكم وأيديكم على أن الباء صلة ، والمراد استيعاب هذين العضوين بالمسح حتى إذا ترك شيئاً منهما لم يجز كما في الوضوء وهو ظاهر الرواية ، وفي رواية الحسن عن الإمام رضي الله تعالى عنه أن الأكثر يقوم مقام الكل لأن الاستيعاب في الممسوحات ليس بشرط كما في مسح الخف والرأس ، ووجه الظاهر أن التيمم قائم مقام الوضوء ، ولهذا قالوا : يخلل الأصابع وينزع الخاتم ليتمم المسح ، والاستيعاب في الوضوء شرط فكذا فيما قام مقامه ، والأيدي جمع يد ، وهي مشتركة بين معان من أطراف الأصابع إلى الرسغ وإلى المرفق وإلى الإبط ، وهل هي حقيقة في واحد منها مجاز في غيره ، أو حقيقة فيها جميعاً ؟ رجح بعضهم الثاني ، ولذا ذهب إلى كل منها بعض السلف ، فأخرج ابن جرير عن الزهري أن التيمم إلى الآباط ، وأخرج عن مكحول أنه قال : التيمم ضربة للوجه والكفين إلى الكوع ، وأخرج الحاكم عن ابن عمر في كيفية تيممهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا من المرافق إلى الأكف على منابت الشعر من ظاهر وباطن ، ومن حديث أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه وهذا مذهبنا ومذهب الشافعي والجمهور ويشهد لهم القياس على الوضوء الذي هو أصله ؛ وإن كان الحدث والجنابة فيه كيفية سواء ، وكذا جوازاً على الصحيح المروي عن المعظم .

ومن الناس من قال : لا يتيمم الجنب والحائض والنفساء وهو المروي عن عمر . وابنه وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم قيل : ومنشأ الخلاف فيما بينهم حمل الملامسة فيما سبق على الوقاع أو المس باليد . فذهب الأولون إلى الأول والآخرون إلى الأخير ، وقالوا : القياس أن لا يكون التيمم طهوراً وإنما أباحه الله تعالى للمحدث فلا يباح للجنب لأنه ليس معقول المعنى حتى يصح القياس ، وليست الجنابة في معنى الحدث لتلحق به بل هي فوقه . وأنت تعلم أن الآية كالصريح في جواز تيمم الجنب وإن لم تحمل الملامسة على الوقاع كما يشير إليه تفسيرها السابق على أن الأحاديث ناطقة بذلك ، فقد أخرج البخاري عن عمران بن حصين «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم فقال : يا فلان ما منعك أن تصلي ؟ فقال : يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء قال : عليك بالصعيد فإنه يكفيك » وروي

" أن قوماً جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : إنا قوم نسكن هذه الرمال ولم نجد الماء شهراً أو شهرين وفينا الجنب والحائض والنفساء فقال صلى الله عليه وسلم : عليكم بأرضكم " إلى غير ذلك ، وهل يرفع التيمم الحدث أم لا ؟ خلاف ، ولا دلالة في الآية على أحد الأمرين عند من أمعن النظر

{ إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً } تعليل لما يفهمه الكلام من الترخيص والتيسير وتقرير لهما فإن مَنْ عادته المستمرة أن يعفو عن الخاطئين ويغفر للمذنبين لا بد أن يكون ميسراً لا معسراً ، وجوز أن يكون كناية عن ذلك فإنه من روادف العفو وتوابع الغفران ، وأدمج فيه أن الأصل الطهارة الكاملة وأن غيرها من الرخص من العفو والغفران ، وقيل : العفو هنا بمعنى «التيسير » كما في التيسير واستدل على وروده بهذا المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم : " عفوت لكم صدقة الخيل والرقيق " وذكر المغفرة للدلالة على أنه غفر ذنب المصلين سكارى ، وما صدر عنهم في القراءة ، وأنت تعلم أن حمل العفو على التيسير في الحديث غير متعين وكون ذكر المغفرة لما ذكر بعيد .

( هذا ومن باب الإشارة ) في الآيات { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } خطاب لأهل الإيمان العلمي ، ونهي لهم أن يناجوا ربهم أو يقربوا مقام الحضور والمناجاة مع الله سبحانه وتعالى في حال كونهم سكارى خمر الهوى ومحبة الدنيا ، أو نوم الغفلة حتى يصحوا ولا يشتغلوا بغير مولاهم ، والمقصود النهي عن إشغال القلب بسوى الرب ، وقيل : إنه خطاب لأهل المحبة العشق الذين أسكرهم شراب ليلى ومدام مي ، فبقوا حيارى مبهوتين لا يميزون الحي من الليّ ولا يعرفون الأوقات ولا يقدرون على أداء شرائط الصلوات فكأنهم قيل لهم : يا أيها العارفون بي وبصفاتي وأسمائي السكارى من شراب محبتي وسلسبيل أنسي وتسنيم قدمي وزنجبيل قربي ومدام عشقي وعقار مشاهدتي إذا كشفت لكم جمالي وآنستكم في مقام ربوبيتي فلا تكلفوا نفوسكم أداء الرسوم الظاهرة لأنكم في جنان مشاهدتي ، وليس في الجنان تقييد ، وإذا سكنتم من سكركم وصرتم صاحين بنعت التمكين فأدوا ما افترضته عليكم وقوموا لله قانتين وحاصله رفع التكليف عن المجذوبين الغارقين في بحار المشاهدة إلى أن يعقلوا ويصحوا ، فالإيمان على هذا محمول على الإيمان العيني والمعنى الأول أولى بالإشارة { وَلاَ جُنُباً } أي ولا تقربوا الصلاة في حال كونكم بعداء عن الحق لشدة الميل إلى النفس ولذاتها { إِلاَّ عَابِرِى سَبِيلٍ } أي سالكي طريق من طرق تمتعاتها بقدر الضرورة كعبور طريق الاغتذاء بالمأكل والمشرب لسد الرمق أو الاكتساء لدفع ضرورة الحر والقرّ وستر العورة ، أو المباشرة لحفظ النسل { حتى تَغْتَسِلُواْ } وتتطهروا بمياه التوبة والاستغفار وحسن التنصل والاعتذار { وَإِنْ كُنتُم مرضى } بأدواء الرذائل { أَوْ على سَفَرٍ } في بيداء الجهالة والحيرة لطلب الشهوات { أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط } أي الاشتغال بلوث المال ملوثاً محبته { أَوْ لامستم النساء } أي لازمتم النفوس وباشرتموها في قضاء وطرها { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } علماً يهديكم إلى التخلص عن ذلك { فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً } أي فاقصدوا صعيد استعدادكم أو ارجعوا إلى المرشدين أرباب الاستعداد { فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } أي امسحوا ذواتكم وصفاتكم بما يتصاعد من أنوار استعدادهم وتخلقوا بأخلاقهم واسلكوا مسالكهم حتى تمحى عنكم تلك الهيئات المهلكة وتبقى أنفسكم صافية { إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً } يعفو عما صدر منكم بمقتضى تلك الهيئات

{ غَفُوراً } [ النساء : 43 ] يستر الشين بالزين


[247]:- قوله: "الذي" كذا بخطه، ولعله "التي" اهـ.