ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم فقال : { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { الذين كفروا وعصوا الرسول } يقتضي كون عصيان الرسول مغايرا للكفر . لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز ، فوجب حمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفر ، إذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام ، وأنهم كما يعاقبون يوم القيامة على الكفر فيعاقبون أيضا على تلك المعاصي . لأنه لو لم يكن لتلك المعصية أثر في هذا المعنى لما كان في ذكر معصيتهم في هذا الموضع أثر .
المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو { تسوى } مضمومة التاء خفيفة السين على ما لم يسم فاعله ، وقرأ نافع وابن عامر { تسوى } مفتوحة التاء مشددة السين بمعنى : تتسوى ، فأدغم التاء في السين لقربها منها ، ولا يكره اجتماع التشديدين في هذه القراءة لأن لها نظائر في التنزيل كقوله :
{ اطيرنا بك } { وازينت } { وتذكرون } وفي هذه القراءة اتساع ، وهو إسناد الفعل إلى الأرض وقرأ حمزة والكسائي { تسوى } مفتوحة التاء والسين خفيفة ، حذفا التاء التي أدغمها نافع ، لأنها كما اعتلت بالإدغام اعتلت بالحذف .
المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير قوله : { لو تسوي بهم الأرض } وجوها : الأول : لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى . والثاني : يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء . الثالث : تصير البهائم ترابا فيودون حالها كقوله : { يا ليتني كنت ترابا } .
المسألة الرابعة : قوله : { ولا يكتمون الله حديثا } فيه لأهل التأويل طريقان : الأول : أن هذا متصل بما قبله . والثاني : أنه كلام مبتدأ ، فإذا جعلناه متصلا احتمل وجهين : أحدهما : ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما : يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا كفروا به ولا نافقوا ، وعلى هذا القول : الكتمان عائد إلى ما كتموا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، الثاني : أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله تعالى يغفر لأهل الإسلام ولا يغفر شركا ، قالوا : تعالوا فلنجحد فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ، رجاء أن يغفر الله لهم ، فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون ، فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا .
الطريق الثاني في التأويل : أن هذا الكلام مستأنف ، فإن ما عملوه ظاهر عند الله ، فكيف يقدرون على كتمانه ؟
المسألة الخامسة : فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله : { والله ربنا ما كنا مشركين } .
والجواب من وجوه : الأول : أن مواطن القيامة كثيرة ، فموطن لا يتكلمون فيه وهو قوله : { فلا تسمع إلا همسا } وموطن يتكلمون فيه كقوله : { ما كنا نعمل من سوء } وقولهم : { والله ربنا ما كنا مشركين } فيكذبون في مواطن ، وفي مواطن يعترفون على أنفسهم بالكفر ويسألون الرجعة وهو قولهم : { يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا } وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم وجلودهم ، فنعوذ بالله من خزي ذلك اليوم . الثاني : أن هذا الكتمان غير واقع ، بل هو داخل في التمني على ما بينا . الثالث : أنهم لم يقصدوا الكتمان ، وإنما أخبروا على حسب ما توهموا ، وتقديره : والله ما كنا مشركين عند أنفسنا ، بل مصيبين في ظنوننا حتى تحققنا الآن . وسيجيء الكلام في هذه المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى .
وعندئذ يرتسم المشهد شاخصا . . ساحة العرض الواسعة . وكل أمة حاضرة . وعلى كل أمة شهيد بأعمالها . . وهؤلاء الكافرون المختالون الفخورون الباخلون المبخلون ، الكاتمون لفضل الله ، المراءون الذين لم يبتغوا وجه الله . . هؤلاء هم نكاد نراهم من خلال التعبير ! واقفين في الساحة وقد انتدب الرسول [ ص ] للشهادة ! هؤلاء هم بكل ما أضمروا وأظهروا . بكل ما كفروا وما أنكروا . بكل ما اختالوا وما افتخروا . بكل ما بخلوا وبخلوا . بكل ما راءوا وتظاهروا . . هؤلاء هم في حضرة الخالق الذي كفروا به ، الرازق الذي كتموا فضله وبخلوا بالإنفاق مما أعطاهم . في اليوم الآخر الذي لم يؤمنوا به . في مواجهة الرسول الذي عصوه . . فكيف ؟ ؟ ؟
إنها المهانة والخزي ، والخجل والندامة . . مع الاعتراف حيث لا جدوى من الإنكار . .
والسياق القرآني لا يصف هذا كله من الظاهر . إنما يرسم " صورة نفسية " تتضح بهذا كله ؛ وترتسم حواليها تلك الظلال كلها . ظلال الخزي والمهانة ، والخجل والندامة :
( يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ، ولا يكتمون الله حديثًا ) !
ومن خلال اللمسات المعبرة في الصورة الحية ، نحس بكل تلك المعاني ، وبكل تلك الانفعالات ، وهي تتحرك في هذه النفوس . . نحس بها عميقة حية مؤثرة . كما لا نحس من خلال أي تعبير آخر . . وصفي أو تحليلي . . وتلك طريقة القرآن في مشاهد القيامة ، وفي غيرها من مواضع التعبير بالتصوير .
{ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول } استئناف لبيان حالهم التي أشير إلى شدتها وفظاعتها ، وتنوين ( إذ ) عوض على الصحيح عن الجملتين السابقتين ، وقيل : عن الأولى ، وقيل : عن الأخيرة ، والظرف متعلق بيود وجعله متعلقاً بشهيد ، وجملة { يَوَدُّ } صفة ، والعائد محذوف أي فيه بعيد ، والمراد بالموصول إما المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتعبير عنهم بذلك لذمهم بما في حيز الصلة والإشعار بعلة ما اعتراهم من الحال الفظيعة والأمر الهائل ، وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة لتشريفه وزيادة تقبيح حال مكذبيه ، وإما جنس الكفرة ويدخل أولئك في زمرتهم دخولاً أولياً ، والمراد من { الرسول } الجنس أيضاً ويزيد شرفه انتظامه للنبي صلى الله عليه وسلم انتظاماً أولياً ، و { عَصَواْ } معطوف على { كَفَرُواْ } داخل معه في حيز الصلة ؛ والمراد عصيانهم بما سوى الكفر ، فيدل على أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة ، وقال أبو البقاء : إنه في موضع الحال من ضمير { كَفَرُواْ } وقد مرادة ، وقيل : صلة لموصول آخر أي والذين عصوا ، فالإخبار عن نوعين : الكفرة والعصاة ، وهو ظاهر على رأي من يجوز إضمار الموصول كالفراء ، وفي المسألة خلاف أي يود في ذلك اليوم لمزيد شدّته ومضاعف هوله الموصوفون بما ذكر في الدنيا .
{ لَوْ تسوى بِهِمُ الارض } إما مفعول { يَوَدُّ } على أن { لَوْ } مصدرية أي يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض ملتبسة بهم ، أو تسوى عليهم كالموتى ، وقيل : يودون أنهم بقوا تراباً على أصلهم من غير خلق ، وتمنوا أنهم كانوا هم والأرض سواء ، وقيل : تصير البهائم تراباً فيودون حالها . وعن ابن عباس أن المعنى يودون أن يمشي عليهم أهل الجمع يطأونهم بأقدامهم كما يطأون الأرض ، وقيل : يودون لو يعدل بهم الأرض أي يؤخذ منهم ما عليها فدية ، وإما مستأنفة على أن { لَوْ } على بابها ومفعول { يَوَدُّ } محذوف لدلالة الجملة ، وكذا جواب { لَوْ } إيذاناً بغاية ظهوره أي يودون تسوية الأرض بهم لو تسوى لسروا . وقرأ نافع وابن عامر ويزيد { تسوى } على أن أصله تتسوى ، فأدغم التاء في السين لقربها منها ، وحمزة والكسائي { تسوى } بحذف التاء الثانية مع الإمالة يقال : سويته فتسوى .
{ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً } عطف على { يَوَدُّ } أي أنهم يومئذٍ لا يكتمون من الله تعالى حديثاً لعدم قدرتهم على الكتمان حيث إن جوارحهم تشهد عليهم بما صنعوا ، أو أنهم لا يكتمون شيئاً من أعمالهم بل يعترفون بها فيدخلون النار باعترافهم ، وإنما لا يكتمون لعلمهم بأنهم لا ينفعهم الكتمان ، وإنما يقولون : { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [ الأنعام : 23 ] في بعض المواطن قاله الحسن ، وقيل : الواو للحال أي يودون أن يدفنوا في الأرض وهم لا يكتمون منه تعالى حديثاً ولا يكذبونه بقولهم : { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } إذ روى الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم فيتمنون أن تسوى بهم الأرض وجعلها للعطف وما بعدها معطوف على { تسوى } على معنى يودون لو تسوى بهم الأرض وأنهم لا يكونون كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه في الدنيا كما روي عن عطاء بعيد جداً .
وأقرب منه العطف على مفعول { يَوَدُّ } على معنى يودون تسوية الأرض بهم وانتفاء كتمانهم إذ قالوا { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ } بالاحتجاب { وَعَصَوُاْ الرسول } بعدم المتابعة { لَوْ تسوى بِهِمُ الارض } لتنطمس نفوسهم أو تصير ساذجة لا نقش فيها من العقائد الفاسدة والرذائل الموبقة { وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً } [ النساء : 42 ] أي لا يقدرون على كتم حديث من تلك النقوش وهيهات أنى يخفون شيئاً منها ، وقد صارت الجبال كالعهن المنفوش :