مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (40)

قوله تعالى : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما } .

اعلم أن تعلق هذه الآية هو بقوله تعالى : { وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الأخر وأنفقوا مما رزقهم الله } فكأنه قال : فإن الله لا يظلم من هذه حاله مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ، فرغب بذلك في الإيمان والطاعة .

واعلم أن هذه الآية مشتملة على الوعد بأمور ثلاثة : الأول : قوله تعالى : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : الذرة النملة الحمراء الصغيرة في قول أهل اللغة . وروي عن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ، ثم قال : كل واحد من هذه الأشياء ذرة و { مثقال } مفعال من الثقل يقال : هذا على مثقال هذا ، أي وزن هذا ، ومعنى { مثقال ذرة } أي ما يكون وزنه وزن الذرة .

واعلم أن المراد من الآية أنه تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا ، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس يدل عليه قوله تعالى : { إن الله لا يظلم الناس شيئا } .

المسألة الثانية : قالت المعتزلة : دلت هذه الآية على أنه تعالى ليس خالقا لأعمال العباد ، لأن من جملة تلك الأعمال ظلم بعضهم بعضا ، فلو كان موجد ذلك الظلم هو الله تعالى لكان الظالم هو الله ، وأيضا لو خلق الظلم في الظالم ، ولا قدرة لذلك الظالم على تحصيل ذلك الظلم عند عدمه ، ولا على دفعه بعد وجوده ، ثم إنه تعالى يقول لمن هذا شأنه وصفته : لم ظلمت ثم يعاقبه عليه ، كان هذا محض الظلم ، والآية دالة على كونه تعالى منزها عن الظلم .

والجواب : المعارضة بالعلم والداعي على ما سبق مرارا لا حد لها ، وقد ذكرنا أن استدلالات هؤلاء المعتزلة وإن كثرت وعظمت ، إلا أنها ترجع إلى حرف واحد ، وهو التمسك بالمدح والذم والثواب والعقاب ، والسؤال على هذا الحرف معين ، وهو المعارضة بالعلم والداعي ، فكلما أعادوا ذلك الاستدلال أعدنا عليهم هذا السؤال .

المسألة الثالثة : قالت المعتزلة : الآية تدل على أنه قادر على الظلم لأنه تمدح بتركه ، ومن تمدح بترك فعل قبيح لم يصح منه ذلك التمدح ، إلا إذا كان هو قادرا عليه ، ألا ترى أن الزمن لا يصح منه أن يتمدح بأنه لا يذهب في الليالي إلى السرقة .

والجواب أنه تعالى تمدح بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولم يلزم أن يصح ذلك عليه ، وتمدح بأنه لا تدركه الأبصار ، ولم يدل ذلك عند المعتزلة على أنه يصح أن تدركه الأبصار .

المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : الآية دالة على أن العبد يستحق الثواب على طاعته وأنه تعالى لو لم يثبه لكان ظالما ، لأنه تعالى بين في هذه الآية أنه لو لم يثبهم على أعمالهم لكان قد ظلمهم ، وهذا لا يصح إلا إذا كانوا مستحقين للثواب على أعمالهم .

والجواب : أنه تعالى وعدهم بالثواب على تلك الأفعال ، فلو لم يثبهم عليها لكان ذلك في صورة ظلم ، فلهذا أطلق عليه اسم الظلم ، والذي يدل على أن الظلم محال من الله ، أن الظلم مستلزم للجهل والحاجة عندكم ، وهما محالان على الله ، ومستلزم المحال محال ، والمحال غير مقدور . وأيضا الظلم عبارة عن التصرف في ملك الغير ، والحق سبحانه لا يتصرف إلا في ملك نفسه ، فيمتنع كونه ظالما . وأيضا : الظالم لا يكون إلها والشيء لا يصح إلا إذا كانت لوازمه صحيحة ، فلو صح منه الظلم لكان زوال إلهيته صحيحا ، ولو كان كذلك لكانت إلهيته جائزة الزوال ، وحينئذ يحتاج في حصول صفة الإلهية له إلى مخصص وفاعل ، وذلك على الله محال .

المسألة الخامسة : قالت المعتزلة : إن عقاب قطرة من الخمر يزيل ثواب الإيمان والطاعة مدة مائة سنة . وقال أصحابنا : هذا باطل ؛ لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب كل تلك الطاعات العظيمة تلك السنن المتطاولة ، أزيد من عقاب شرب هذه القطرة ، فإسقاط ذلك الثواب العظيم بعقاب هذا القدر من المعصية ظلم ، وإنه منفي بهذه الآية .

المسألة السادسة : قال الجبائي : إن عقاب الكبيرة يحبط ثواب جملة الطاعات ، ولا ينحبط من ذلك العقاب شيء . وقال ابنه أبو هاشم : بل ينحبط . واعلم أن هذا المشروع صار حجة قوية لأصحابنا في بطلان القول بالإحباط فإنا نقول : لو انحبط ذلك الثواب لكان إما أن يحبط مثله من العقاب أو لا يحبط ، والقسمان باطلان . فالقول بالإحباط باطل . إنما قلنا إنه لا يجوز انحباط كل واحد منهما بالآخر ، لأنه إذا كان سبب عدم كل واحد منهما وجود الآخر ، فلو حصل العدمان معا لحصل الوجدان معا ، ضرورة أن العلة لا بد وأن تكون حاصلة مع المعلول ، وذلك محال . وإنما قلنا : إنه لا يجوز انحباط الطاعة بالمعصية مع أن المعصية لا تنحبط بالطاعة ، لأن تلك الطاعات لم ينتفع العبد بها البتة ، لا في جلب ثواب ، ولا في دفع عقاب وذلك ظلم ، وهو ينافي قوله تعالى : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } ولما بطل القسمان ثبت القول بفساد الإحباط على ما تقوله المعتزلة .

المسألة السابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المؤمنين يخرجون من النار إلى الجنة ، فقالوا : لا شك أن ثواب الإيمان ، والمداومة على التوحيد ، والإقرار بأنه هو الموصوف بصفات الجلال والإكرام ، والمواظبة على وضع الجبين على تراب العبودية مائة سنة : أعظم ثوابا من عقاب شرب الجرعة من الخمر ، فإذا حضر هذا الشارب يوم القيامة وأسقط عنه قدر عقاب هذا المعصية من ذلك الثواب العظيم فضل له من الثواب قدر عظيم ، فإذا أدخل النار بسبب ذلك القدر من العقاب ، فلو بقي هناك لكان ذلك ظلما وهو باطل ، فوجب القطع بأنه يخرج إلى الجنة .

النوع الثاني : من الأمور التي اشتملت عليها هذه الآية :

قوله تعالى : { وإن تك حسنة يضاعفها } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ نافع وابن كثير { حسنة } بالرفع على تقديره «كان » التامة ، والمعنى : وإن حدثت حسنة ، أو وقعت حسنة ، والباقون بالنصب على تقدير «كان » الناقصة والتقدير : وإن تك زنة الذرة حسنة . وقرأ ابن كثير وابن عامر { يضعفها } بالتشديد من غير ألف من التضعيف ، والباقون { يضاعفها } بالألف والتخفيف من المضاعفة .

المسألة الثانية : تك : أصله من «كان يكون » وأصله «تكون » سقطت الضمة للجزم ، وسقطت الواو لسكونها وسكون النون فصار «تكن » ثم حذفوا النون أيضا لأنها ساكنة . وهي تشبه حروف اللين ، وحروف اللين إذا وقعت طرفا سقطت للجزم ، كقولك : لم أدر ، أي لا أدري وجاء القرآن بالحذف والإثبات ، أما الحذف فههنا ، وأما الإثبات ، فكقوله : { إن يكن غنيا أو فقيرا } .

المسألة الثالثة : أن الله تعالى بين بقوله : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } أنه لا يبخسهم حقهم أصلا ، وبين بهذه الآية أن الله تعالى يزيدهم على استحقاقهم .

واعلم أن المراد من هذه المضاعفة ليس هو المضاعفة في المدة ، لأن مدة الثواب غير متناهية ، وتضعيف غير المتناهي محال ، بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار : مثلا يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب ، فيجعله عشرين جزءا ، أو ثلاثين جزءا ، أو أزيد . روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين : هذا فلان ابن فلان ، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ، ثم يقال له : أعط هؤلاء حقوقهم ، فيقول : يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقول الله لملائكته : انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فأن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله تعالى لعبده وأدخله الجنة بفضله ورحمته . مصداق ذلك في كتاب الله تعالى : { وإن تك حسنة يضاعفها } وقال الحسن : قوله : { وإن تك حسنة يضاعفها } هذا أحب إلى العلماء مما لو قال : في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة ، لأن ذلك الكلام يكون مقداره معلوما أما على هذه العبارة فلا يعلم كمية ذلك التضعيف إلا الله تعالى ، وهو كقوله في ليلة القدر إنها خير من ألف شهر . وقال أبو عثمان النهدي : بلغني عن أبي هريرة أنه قال : إن الله ليعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ، فقدر الله أن ذهبت إلى مكة حاجا أو معتمرا فألفيته فقلت : بلغني عنك أنك تقول : إن الله يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة قال أبو هريرة : لم أقل ذلك ، ولكن قلت : إن الحسنة تضاعف بألفي ألف ضعف ، ثم تلا هذه الآية وقال : إذا قال الله : { أجرا عظيما } فمن يقدر قدره .

النوع الثالث : من الأمور التي اشتملت هذه الآية عليها قوله تعالى : { ويؤت من لدنه أجرا عظيما } وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : لدن : بمعنى «عند » إلا أن «لدن » أكثر تمكينا ، يقول الرجل : عندي مال إذا كان ماله ببلد آخر ، ولا يقال : لدي مال ولا لدني ، إلا ما كان حاضرا .

المسألة الثانية : اعلم أنه لا بد من الفرق بين هذا وبين قوله : { وإن تك حسنة يضاعفها } والذي يحظر ببالي والعلم عند الله ، أن ذلك التضعيف يكون من جنس ذلك الثواب ، وأما هذا الأجر العظيم فلا يكون من جنس ذلك الثواب ، والظاهر أن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعد بها في الجنة ، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه ، فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية ، وعند الاستغراق في المحبة والمعرفة ، وإنما خص هذا النوع بقوله : { من لدنه } لأن هذا النوع من الغبطة والسعادة والبهجة والكمال ، لا ينال بالأعمال الجسدانية ، بل إنما ينال بما يودع الله في جوهر النفس القدسية من الإشراق والصفاء والنور ، وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادة الجسمانية ، وهذا الأجر العظيم إشارة إلى السعادة الروحانية .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (40)

24

والله عليم بهم بما أنفقوا وبما استقر في قلوبهم من بواعث . والله لا يظلم مثقال ذرة فلا خشية من الجهل بإيمانهم وإنفاقهم . ولا خوف من الظلم في جزائهم . . بل هناك الفضل والزيادة ، بمضاعفة الحسنات ، والزيادة من فضل الله بلا حساب ؟

إن طريق الإيمان أضمن وأكسب - على كل حال وعلى كل احتمال - وحتى بحساب الربح المادي والخسارة المادية ، فإن الإيمان - في هذه الصورة - يبدو هو الأضمن وهو الأربح ! فماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر ، وأنفقوا مما رزقهم الله ؟ إنهم لا ينفقون من شيء خلقوه لأنفسهم خلقا ؛ إنما هو رزق الله لهم . ومع ذلك يضاعف لهم الحسنة ؛ ويزيدهم من فضله ، وهم من رزقه ينفقون ويعطون ! فياله من كرم ! وياله من فيض ! ويالها من صفقة لا يقعد عنها إلا جاهل خسران !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (40)

{ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } المثقال مفعال من الثقل ، ويطلق على المقدار المعلوم الذي لم يختلف كما قيل : جاهلية وإسلام وهو كما أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أربعة وعشرون قيراطاً ، وعلى مطلق المقدار وهو المراد هنا ولذا قال السدي : أي وزن ذرة وهي النملة الحمراء الصغيرة التي لا تكاد ترى . وروي ذلك عن ابن عباس وابن زيد ، وعن الأول : أنها رأس النملة ، وعنه أيضاً أنه أدخل يده في التراب ثم نفخ فيه فقال : كل واحدة من هؤلاء ذرة ، وقريب منه ما قيل : إنها جزء من أجزاء الهباء في الكوة ، وقيل هي الخردلة ، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف » من طريق عطاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قرأ مثقال نملة ولم يذكر سبحانه الذرة لقصر الحكم عليها بل لأنها أقل شيء مما يدخل في وهم البشر ، أو أكثر ما يستعمل عند الوصف بالقلة ، ولم يعبر سبحانه بالمقدار ونحوه بل عبر بالمثقال للإشارة بما يفهم منه من الثقل الذي يعبر به عن الكثرة والعظم كقوله تعالى : { فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ موازينه } [ القارعة : 6 ] إلى أنه وإن كان حقيراً فهو باعتبار جزئه عظيم ، وانتصابه على أنه صفة مصدر محذوف كالمفعول ، أي ظلماً قدر مثقال ذرة فحذف المصدر وصفته ، وأقيم المضاف إليه مقامهما ، أو مفعول ثان ليظلم أي لا يظلم أحداً أو لا يظلمهم مثقال ذرة . قال السمين : وكأنهم ضمنوا ( يظلم ) معنى يغصب أو ينقص فعدوه لاثنين . وذكر الراغب أن الظلم عند أهل اللغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة أو بعدول عن وقته أو مكانه ، وعليه ففي الكلام إشارة إلى أن نقص الثواب وزيادة العقاب لا يقعان منه تعالى أصلاً ، وفي ذلك حث على الإيمان والإنفاق بل إرشاد إلى أن كل ما أمر به مما ينبغي أن يفعل وكل ما نهى عنه مما ينبغي أن يجتنب .

واستدل المعتزلة بالآية على أن الظلم ممكن في حدّ ذاته إلا أنه تعالى لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة لأنه سبحانه مدح نفسه بتركه ولا مدح بترك القبيح ما لم يكن عن قدرة ، ألا ترى أن العنين لا يمدح بترك الزنا ، واعترض على ذلك بقوله تعالى : { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } [ البقرة : 255 ] فإنه ذكر في معرض المدح مع أن النوم غير ممكن عليه سبحانه ، قال في «الكشف » وهو غير وارد لأنه مدح بانتفاء النقص عن ذاته المقدسة وهو كما نقول : الباري عز وعلا ليس بجسم ولا عرض ، وأما ما نحن فيه فمدح بترك الفعل والترك الممدوح إنما يكون إذا كان بالاختيار ، نعم للمانع أن لا يسلم أنه تعالى مدح بالترك بل من حيث الدلالة على النقص لأن وجوب الوجود ينافي جواز الاتصاف بالظلم ، وتحقيقه على مذهبهم أن وضع الشيء في غير موضعه الحقيق به ممكن في نفسه وقدرة الحق جل شأنه تسع جميع الممكنات ، لكن الحكمة وهي الإتيان بالممكن على وجه الإحكام وعلى ما ينبغي مانعة ، وعن هذا قالوا : الحكيم لا يفعل إلا الحسن من بين الممكنات إلا إذا دعته حاجة ؛ والمنزه عن الحاجات جمع يتعالى عن فعل القبيح ، ونحن نقول : إنه عز اسمه لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أيضاً بناءاً على وعده المحتوم ، فإن الحلف فيه ممتنع لكونه نقصاً منافياً للألوهية وكمال الغنى ، وبهذا الاعتبار يصح أن يسمى ظلماً ، وإن كان لا يتصور حقيقة الظلم منه تعالى لكونه المالك على الإطلاق ، فالزيادة والنقص ممكنان لذاتهما ، والخلف ممتنع لذاته ، ولا يلزم من كون الخلف ممتنعاً لذاته بالنسبة إلى الواجب تعالى وتقدس أن يكون متعلقه كذلك ، وهذا على نحو ما تقرر في مسألة التكليف بالممتنع أن إخبار الله تعالى عن عدم إيمان المصر ووجوب الصدق اللازم له لا يخرج الفعل عن كونه مقدور المكلف بل يحقق قدرته عليه فليحفظ فإنه مهم .

{ وَإِن تَكُ حَسَنَةً } الضمير المستتر في الفعل الناقص عائد إلى المثقال ، وإنما أنث حملاً على المعنى لأنه بمعنى وإن تكن زنة ذرة حسنة ، وقيل : لأن المضاف قد يكتسب التأنيث من المضاف إليه إذا كان جزأه نحو .

كما شرقت صدر القناة من الدم *** أو صفة له نحو { لاَّ تَنفَعُ * نَفْسًا إِيمَانُهَا } [ الأنعام : 158 ] في قراءة من قرأ بالتاء الفوقانية ومقدار الشيء صفة له كما أن الإيمان صفة للنفس ، وقيل : أنث الضمير لتأنيث الخبر ، واعترض بأن تأنيث الخبر إنما يكون لمطابقة تأنيث المبتدأ ، فلو كان تأنيث المبتدأ له لزم الدور ، وأجيب بأن ذلك إذا كان مقصوداً وصفيته ، والحسنة غلبت عليها الإسمية فألحقت بالجوامد التي لا تراعى فيها المطابقة نحو الكلام هو الجملة وقيل : الضمير عائد إلى المضاف إليه وهو مؤنث بلا خفاء ، وحذفت النون من آخر الفعل من غير قياس تشبيهاً لها بحروف العلة من حيث الغنة والسكون وكونها من حروف الزوائد ، وكان القياس عود الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين بعد حذف النون إلا أنهم خالفوا القياس في ذلك أيضاً حرصاً على التخفيف فيما كثر دوره ، وقد أجاز يونس حذف النون من هذا الفعل أيضاً في مثل قوله :

فإن لم ( تك ) المرآة أبدت وسامة *** فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم

وسيبويه يدعي أن ذلك ضرورة ، وقرأ ابن كثير { حَسَنَةٌ } بالرفع على أن { تَكُ } تامة أي وإن توجد أو تقع { حَسَنَةٌ } .

{ يضاعفها } أضعافاً كثيرة حتى يوصلها كما مر عن أبي هريرة إلى ألفي ألف حسنة ، وعنى التكثير لا التحديد ، والمراد يضاعف ثوابها لأن مضاعفة نفس الحسنة بأن تجعل الصلاة الواحدة صلاتين مثلاً مما لا يعقل ، وإن ذهب إليه بعض المحققين ، وما في الحديث من أن تمرة الصدقة يربيها الرحمن حتى تصير مثل الجبل محمول على هذا للقطع بأنها أكلت ، واحتمال إعادة المعدوم بعيد ، وكذا كتابة ثوابها مضاعفاً ، وهذه المضاعفة ليست هي المضاعفة في المدة عند الإمام لأنها غير متناهية ، وتضعيف غير المتناهي محال بل المراد أنه تعالى يضعفه بحسب المقدار ، مثلاً يستحق على طاعته عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين جزءاً أو ثلاثين أو أزيد ، وقيل : هي المضاعفة بحسب المدة على معنى أنه سبحانه لا يقطع ثواب الحسنة في المدد الغير المتناهية لا أنه يضاعف جل شأنه مدتها ليجيء حديث محالية تضعيف ما لا نهاية ، وجعل قوله تعالى : { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } على هذا عطفاً لبيان الأجر المتفضل به ، وهو الزيادة في المقدار إثر بيان الأجر المستحق وهو إعطاء مثله واحداً بعد واحد إلى أبد الدهر ، وتسمية ذلك أجراً من مجاز المجاورة لأنه تابع للأجر مزيد عليه ، وعلى الأول جعله البعض وارداً على طريقة عطف التفسير على معنى يضاعف ثواب تلك الحسنة بإعطاء الزائد عليه من فضله ، وزعموا أن القول بالأجر المستحق مذهب المعتزلة ولا يتأتى على مذهب الجماعة وليس بشيء لأن الجماعة يقولون بالاستحقاق أيضاً لكن بمقتضى الوعد الذي لا يخلف ، وبه يكون الأجر الموعود به كأنه حق للعبد كما أنه يكون كذلك أيضاً بمقتضى الكرم كما قيل : وعد الكريم دين ، نعم حمل الأجر على ما ذكر لا يخلو عن بعد ، والداعي إليه عدم التكرار ، وقال الإمام أيضاً : «إن ذلك التضعيف يكون من جنس اللذات الموعود بها في الجنة ، وأما هذا الأجر العظيم الذي يؤتيه من لدنه فهو اللذة الحاصلة عند الرؤية والاستغراق في المحبة والمعرفة *** وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى السعادات الجسمانية ، وهذا الأجر إشارة إلى السعادات الروحانية » ، ولا يخلو عن حسن ، و لدن بمعنى عند ، وفرق بينهما بعضهم بأن لدن أقوى في الدلالة على القرب ، ولذا لا يقال : لديّ مال إلا وهو حاضر بخلاف عند ، وتقول : هذا القول عندي صواب ، ولا تقول : لدي ولدني كما قاله الزجاج ونظر فيه بأنه شاع استعمال لدن في غير المكان كقوله تعالى : { مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } [ الكهف : 65 ] اللهم إلا أن يخرج ما قاله الزجاج مخرج الغالب ، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وابن جبير يضعفها بتضعيف العين وتشديدها ، والمختار عند أهل اللغة والفارسي أنهما بمعنى ، وقال أبو عبيدة : ضاعف يقتضي مراراً كثيرة ، وضعف يقتضي مرتين ، ورد بأنه عكس اللغة لأن المضاعفة تقتضي زيادة الثواب فإذا شددت دلت البنية على التكثير فيقتضي ذلك تكرير المضاعفة ، وقد تقدم من الكلام ما ينفعك فتذكر .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } مقدار ما يظهر من الهباء { وَإِن تَكُ حَسَنَةً } ولا تكون كذلك إلا إذا كانت له فإن كانت له يضاعفها بالتأييد الحقاني { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً } [ النساء : 40 ] وهو الشهود الذاتي ، أو العلم اللداني