مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ} (38)

ثم عاد إلى لفظ الواحد ، فقال : { حتى إذا جاءنا } يعني الكافر ، وقرئ ( جاءانا ) ، يعني الكافر وشيطانه ، روي أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطانه بيده ، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار ، فذلك حيث يقول { قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين } والمراد يا ليت حصل بيني وبينك بعد على أعظم الوجوه واختلفوا في تفسير قوله { بعد المشرقين } وذكروا فيه وجوها ( الأول ) قال الأكثرون : المراد بعد المشرق والمغرب ، ومن عادة العرب تسمية الشيئين المتقابلين باسم أحدهما ، قال الفرزدق :

لنا قمراها والنجوم الطوالع *** . . .

يريد الشمس والقمر ، ويقولون للكوفة والبصرة : البصرتان ، وللغداة والعصر : العصران ، ولأبي بكر وعمر : العمران ، وللماء والتمر : الأسودان ( الثاني ) أن أهل النجوم يقولون : الحركة التي تكون من المشرق إلى المغرب ، هي حركة الفلك الأعظم ، والحركة التي من المغرب إلى المشرق ، هي حركة الكواكب الثابتة ، وحركة الأفلاك الممثلة التي للسيارات سوى القمر ، وإذا كان كذلك فالمشرق والمغرب كل واحد منهما مشرق بالنسبة إلى شيء آخر ، فثبت أن إطلاق لفظ المشرق على كل واحد من الجهتين حقيقة ( الثالث ) قالوا يحمل ذلك على مشرق الصيف ومشرق الشتاء وبينهما بعد عظيم ، وهذا بعيد عندي ، لأن المقصود من قوله { قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين } المبالغة في حصول البعد ، وهذه المبالغة إنما تحصل عن ذكر بعد لا يمكن وجود بعد آخر أزيد منه ، والبعد بين مشرق الصيف ومشرق الشتاء ليس كذلك ، فيبعد حمل اللفظ عليه ( الرابع ) وهو أن الحس يدل على أن الحركة اليومية إنما تحصل بطلوع الشمس من المشرق إلى المغرب ، وأما القمر فإنه يظهر في أول الشهر في جانب المغرب ، ثم لا يزال يتقدم إلى جانب المشرق ، وذلك يدل على أن مشرق حركة القمر هو المغرب ، وإذا ثبت هذا فالجانب المسمى بالمشرق هو مشرق الشمس ، ولكنه مغرب القمر ، وأما الجانب المسمى بالمغرب ، فإنه مشرق القمر ولكنه مغرب الشمس ، وبهذا التقدير يصح تسمية المشرق والمغرب بالمشرقين ، ولعل هذا الوجه أقرب إلى مطابقة اللفظ ورعاية المقصود من سائر الوجوه ، والله أعلم .

ثم قال تعالى : { فبئس القرين } أي الكافر يقول لذلك الشيطان { يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } أنت ، فهذا ما يتعلق بتفسير الألفاظ ، والمقصود من هذا الكلام تحقير الدنيا وبيان ما في المال والجاه من المضار العظيمة ، وذلك لأن كثرة المال والجاه تجعل الإنسان كالأعشى عن مطالعة ذكر الله تعالى ومن صار كذلك صار جليسا للشيطان ومن صار كذلك ضل عن سبيل الهدى والحق وبقي جليس الشيطان في الدنيا وفي القيامة ، ومجالسة الشيطان حالة توجب الضرر الشديد في القيامة بحيث يقول الكافر { يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } أنت فثبت بما ذكرنا أن كثرة المال والجاه توجب كمال النقصان والحرمان في الدين والدنيا ، وإذا ظهر هذا فقد ظهر أن الذين قالوا { لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } قالوا كلاما فاسدا وشبهة باطلة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ} (38)

26

ثم تفاجئهم النهاية وهم سادرون :

( حتى إذا جاءنا قال : يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين . فبئس القرين ) !

وهكذا ننتقل في ومضة من هذه الدنيا إلى الآخرة . ويطوى شريط الحياة السادرة ، ويصل العمي ( الذين يعشون عن ذكر الرحمن )إلى نهاية المطاف فجأة على غير انتظار . هنا يفيقون كما يفيق المخمور ، ويفتحون أعينهم بعد العشى والكلال ؛ وينظر الواحد منهم إلى قرين السوء الذي زين له الضلال ، وأوهمه أنه الهدى !

وقاده في طريق الهلاك ، وهو يلوح له بالسلامة ! ينظر إليه في حنق يقول : ( يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ) ! يا ليته لم يكن بيننا لقاء . على هذا البعد السحيق !

ويعقب القرآن على حكاية قول القرين الهالك للقرين بقوله : ( فبئس القرين ) !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ} (38)

{ حتى إِذَا جَاءنَا } فإن { حتى } وإن كانت ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية لكنها تقتضي حتما أن تكون غاية لأمر ممتد وأفرد الضمير في جاء وما بعده لما أن المراد حكاية مقالة كل واحد من العاشين لقرينه لتهويل الأمر وتفظيع الحال والمعنى يستمر أمر العاشين على ما ذكر حتى إذا جاءنا كل واحد منهم مع قرينة يوم القيامة { قَالَ } مخاطباً له : { قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ } أي في الدنيا ، وقيل : في الآخرة { بُعْدَ المشرقين } أي بعد كل منهما من الآخر ، والمراد بهما المشرق والمغرب كما اختاره الزجاج والفراء وغيرهما لكن غلب المشرق على المغرب وثنيا كالموصلين للموصول والجزيرة وأضيف البعد إليهما ، والأصل بعد المشرق من المغرب والمغرب من المشرق وإنما اختصر هذا المبسوط لعدم الالباس إذ لا خفاء أنه لا يراد بعدهما من شيء واحد لأن البعد من احدهما قرب من الآخر ولأنهما متقابلان فبعد أحدهما من الآخر مثل في غاية البعد لا بعدهما عن شيء آخر ، واشعار السياق بالمبالغة لا ينكر فلا لبس من هذا الوجه أيضاً ، وقال ابن السائب : لا تغليب ، والمراد مشرق الشمس في أقصر يوم من السنة ومشرقها في أطول يوم منها { فَبِئْسَ القرين } أي أنت ، وقيل : أي هو على أنه من كلامه تعالى وهو كما ترى .

وقرأ أبو جعفر . وشيبة . وأبو بكر . والحرميان . وقتادة والزهري . والجحدري { جاءانا } على التثنية أي العاشي والقرين .