قوله تعالى : { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد } .
اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها ، هو أن الله تعالى حرم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم ، فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير ، فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات ، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر { قيما } بغير ألف ، ومعناه المبالغة في كونه قائما بإصلاح مهمات الناس كقوله تعالى : { دينا قيما } والباقون بالألف ، وقد استقصينا ذلك في سورة النساء .
المسألة الثانية : { جعل } فيه قولان : الأول : أنه بين وحكم ، الثاني : أنه صير ، فالأول بالأمر والتعريف ، والثاني بخلق الدواعي في قلوب الناس لتعظيمه والتقرب إليه .
المسألة الثالثة : سميت الكعبة كعبة لارتفاعها ، يقال للجارية إذا نتأ ثديها وخرج كاعب وكعاب ، وكعب الإنسان يسمى كعبا لنتوه من الساق ، فالكعبة لما ارتفع ذكرها في الدنيا واشتهر أمرها في العالم سميت بهذا الاسم ، ولذلك فإنهم يقولون لمن عظم أمره فلان علا كعبه .
المسألة الرابعة : قوله { قياما للناس } أصله قوام لأنه من قام يقوم ، وهو ما يستقيم به الأمر ويصلح ، ثم ذكروا هاهنا في كون الكعبة سببا لقوام مصالح الناس وجوها : الأول : أن أهل مكة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق عندهم ليشتروا منهم ما يحتاجون إليه طول السنة ، فإن مكة بلدة ضيقة لا ضرع فيها ولا زرع ، وقلما يوجد فيها ما يحتاجون إلية ، فالله تعالى جعل الكعبة معظمة في القلوب حتى صار أهل الدنيا راغبين في زيارتها ، فيسافرون إليها من كل فج عميق لأجل التجارة ويأتون بجميع المطالب والمشتهيات ، فصار ذلك سببا لاسباغ النعم على أهل مكة . الثاني : أن العرب كانوا يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم ، فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له ، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولهذا قال تعالى : { أو لم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم } الثالث : أن أهل مكة صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة وكل أحد يتقرب إليهم ويعظمهم . الرابع : أنه تعالى جعل الكعبة قواما للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة ، وجعل تلك المناسك سببا لحط الخطيئات ، ورفع الدرجات وكثرة الكرامات .
واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه ، وذلك لأن قوام المعيشة إما بكثرة المنافع وهو الوجه الأول الذي ذكرناه ، وإما بدفع المضار وهو الوجه الثاني ، وإما بحصول الجاه والرياسة وهو الوجه الثالث ، وإما بحصول الدين وهو الوجه الرابع ، فلما كانت الكعبة سببا لحصول هذه الأقسام الأربعة ، وثبت أن قوام المعيشة ليس إلا بهذه الأربعة ثبت أن الكعبة سبب لقوام الناس .
المسألة الخامسة : المراد بقوله { قياما للناس } أي لبعض الناس وهم العرب ، وإنما حسن هذا المجاز لأن أهل كل بلد إذا قالوا الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فإنهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم .
المسألة السادسة : اعلم أن الآية دالة على أنه تعالى جعل أربعة أشياء سببا لقيام الناس وقوامهم . الأول : الكعبة وقد بينا معنى كونها سببا لقيام الناس ، وأما الثاني : فهو الشهر الحرام ومعنى كونه سببا لقيام الناس هو أن العرب كان يقتل بعضهم بعضا في سائر الأشهر ، ويغير بعضهم على بعض ، فإذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم وكانوا يحصلون في الشهر الحرام من الأقوات ما كان يكفيهم طول السنة ، فلولا حرمة الشهر الحرام لهلكوا وتفانوا من الجوع والشدة فكان الشهر الحرام سببا لقوام معيشتهم في الدنيا أيضا . فهو سبب لاكتساب الثواب العظيم بسبب إقامة مناسك الحج .
واعلم أنه تعالى أراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة إلا أنه عبر عنها بلفظ الواحد لأنه ذهب به مذهب الجنس . وأما الثالث : فهو الهدي وهو إنما كان سببا لقيام الناس ، لأن الهدي ما يهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكا للمهدي وقواما لمعيشة الفقراء . وأما الرابع : فهو القلائد ، والوجه في كونها قياما للناس أن من قصد البيت في الشهر الحرام لم يتعرض له أحد ، ومن قصده من غير الشهر الحرام ومعه هدي ، وقد قلده وقلد نفسه من لحاء شجرة الحرم لم يتعرض له أحد ، حتى أن الواحد من العرب يلقى الهدي مقلدا ، ويموت من الجوع فلا يتعرض له البتة ، ولم يتعرض لها صاحبها أيضا ، وكل ذلك إنما كان لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت الحرام ، فكل من قصده أو تقرب إليه صار آمنا من جميع الآفات والمخافات ، فلما ذكر الله تعالى أنه جعل الكعبة البيت الحرام قياما للناس ذكر بعده هذه الثلاثة ، وهي الشهر الحرام والهدي والقلائد ، لأن هذه الثلاثة إنما صارت سببا لقوام المعيشة لانتسابها إلى البيت الحرام ، فكان ذلك دليلا على عظمة هذا البيت وغاية شرفه .
ثم قال تعالى : { ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم } .
والمعنى : أنه تعالى لما علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص الشديد على القتل والغارة وعلم أنه لو دامت بهم هذه الحالة لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون إليه من منافع المعيشة ، ولأدى ذلك إلى فنائهم وانقطاعهم بالكلية ، دبر في ذلك تدبيرا لطيفا ، وهو أنه ألقى في قلوبهم اعتقادا قويا في تعظيم البيت الحرام وتعظيم مناسكه ، فصار ذلك سببا لحصول الأمن في البلد الحرام ، وفي الشهر الحرام ، فلما حصل الأمن في هذا المكان وفي هذا الزمان ، قدروا على تحصيل ما يحتاجون إليه في هذا الزمان ، وفي هذا المكان ، فاستقامت مصالح معاشهم ، ومن المعلوم أن مثل هذا التدبير لا يمكن إلا إذا كان تعالى في الأزل عالما بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات حتى يعلم أن الشر غالب على طباعهم ، وأن ذلك يفضي بهم إلى الفناء وانقطاع النسل ، وأنه لا يمكن دفع ذلك إلا بهذا الطريق اللطيف ، وهو إلقاء تعظيم الكعبة في قلوبهم حتى يصير ذلك سببا لحصول الأمان في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، فحينئذ تستقيم مصالح معاشهم في ذلك المكان ، وفي ذلك الزمان ، وهذا هو بعينه الدليل الذي تمسك به المتكلمون على كونه تعالى عالما ، فإنهم يقولون إن أفعاله محكمة متقنة مطابقة للمصالح ، وكل من كان كذلك كان عالما ، ومن المعلوم أن إلقاء تعظيم الكعبة في قلوب العرب لأجل أن يصير ذلك سببا لحصول الأمن في بعض الأمكنة ، وفي بعض الأزمنة ، ليصير ذلك سبب اقتدارهم على تحصيل مصالح المعيشة ، فعل في غاية الإتقان والإحكام ، فيكون ذلك دليلا قاهرا وبرهانا باهرا ، على أن صانع العالم سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات ، فلا جرم قال ذلك { لتعلموا } أي ذلك التدبير اللطيف لأجل أن تتفكروا فيه ، فتعلموا أنه تدبير لطيف وفعل محكم متقن ، فتعلموا { أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض } ثم إذا عرفتم ذلك ، عرفتم أن علمه سبحانه وتعالى صفة قديمة أزلية واجبة الوجود ، وما كان كذلك ، امتنع أن يكون مخصوصا بالبعض دون البعض ، فوجب كونه متعلقا بجميع المعلومات ، وإذا كان كذلك ، كان الله سبحانه عالما بجميع المعلومات ، فلذلك قال : { وأن الله بكل شيء عليم } فما أحسن هذا الترتيب في هذا التقدير والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
إنها منطقة الأمان يقيمها الله للبشر في زحمة الصراع . . إنها الكعبة الحرام ، والأشهر الحرام ، تقدم في وسط المعركة المستعرة بين المتخاصمين والمتحاربين والمتصارعين والمتزاحمين على الحياة بين الأحياء من جميع الأنواع والأجناس . . بين الرغائب والمطامع والشهوات والضرورات . . فتحل الطمأنينة محل الخوف ، ويحل السلام محل الخصام ، وترف أجنحة من الحب والإخاء والأمن والسلام . وتدرب النفس البشرية في واقعها العملي - لا في عالم المثل والنظريات - على هذه المشاعر وهذه المعاني ؛ فلا تبقى مجرد كلمات مجنحة ورؤى حالمة ، تعز على التحقيق في واقع الحياة :
( جعل الله الكعبة البيت الحرام ، قياما للناس ، والشهر الحرام ، والهدي والقلائد . ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم . اعلموا أن الله شديد العقاب ، وأن الله غفور رحيم ، ما على الرسول إلا البلاغ ؛ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) . .
لقد جعل الله هذه الحرمات تشمل الإنسان والطير والحيوان والحشرات بالأمن في البيت الحرام ، وفي فترة الإحرام بالنسبة للمحرم حتى وهو لم يبلغ الحرم . كما جعل الأشهر الحرم الأربعة التي لا يجوز فيها القتل ولا القتال وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثم رجب . . ولقد ألقى الله في قلوب العرب - حتى في جاهليتهم - حرمة هذه الأشهر . فكانوا لا يروعون فيها نفسا ، ولا يطلبون فيها دما ، ولا يتوقعون فيها ثأرا ، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه ، فكانت مجالا آمنا للسياحة والضرب في الأرض وابتغاء الرزق . . جعلها الله كذلك لأنه أراد للكعبة - بيت الله الحرام - أن تكون مثابة أمن وسلام . تقيم الناس وتقيهم الخوف والفزع . كذلك جعل الأشهر الحرم لتكون منظقة أمن في الزمان كالكعبة منطقة أمن في المكان . ثم مد رواق الأمن خارج منطقة الزمان والمكان ، فجعله حقا للهدي - وهو النعم - الذي يطلق ليبلغ الكعبة في الحج والعمرة ؛ فلا يمسه أحد في الطريق بسوء . كما جعله لمن يتقلد من شجر الحرم ، معلنا احتماءه بالبيت العتيق .
لقد جعل الله هذه الحرمات منذ بناء هذا البيت على أيدي إبراهيم وإسماعيل ؛ وجعله مثابة للناس وأمنا ، حتى لقد امتن الله به على المشركين أنفسهم ؛ إذ كان بيت الله بينهم مثابة لهم وأمنا ، والناس من حولهم يتخطفون ، وهم فيه وبه آمنون ، ثم هم - بعد ذلك - لا يشكرون الله ؛ ولا يفردونه بالعبادة في بيت التوحيد ؛ ويقولون للرسول [ ص ] إذ يدعوهم إلى التوحيد : إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا . فحكى الله قولهم هذا وجبههم بحقيقة الأمن والمخافة : ( وقالوا : إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا . أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ؟ ولكن أكثرهم لا يعلمون )
وفي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله [ ص ] يوم فتح مكة : " إن هذا البلد حرام ، لا يعضد شجرة ، ولا يختلى خلاه ، ولا ينفر صيده ، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف " .
ولم يستثن من الأحياء مما يجوز قتله في الحرم وللمحرم إلا الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور لحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين : " أمر رسول الله [ ص ] بقتل خمس فواسق في الحل والحرم : الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور " . .
" وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - زيادة الحية . "
كذلك حرمت المدينة لحديث علي - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله [ ص ] " المدينة حرم ما بين عير إلى ثور " . . وفي الصحيحين من حديث عباد بن تميم أن رسول الله [ ص ] قال :
إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة .
وبعد ، فإنها ليست منطقة الأمان في الزمان والمكان وحدهما . وليس رواق الأمن الذي يشمل الحيوان والإنسان وحدهما . . إنما هي كذلك منطقة الأمان في الضمير البشري . . ذلك المصطرع المترامي الأطراف في أغوار النفس البشرية . . هذا المصطرع الذي يثور ويفور فيطغى بشواظه وبدخانه على المكان والزمان ، وعلى الإنسان والحيوان ! . . إنها منطقة السلام والسماحة في ذلك المصطرع ، حتى ليتحرج المحرم أن يمد يده إلى الطير والحيوان . وهما - في غير هذه المنطقة - حل للإنسان . ولكنهما هنا في المثابة الآمنة . في الفترة الآمنة . في النفس الآمنة . . إنها منطقة المرانة والتدريب للنفس البشرية لتصفو وترق وترف فتتصل بالملأ الأعلى ؛ وتتهيأ للتعامل مع الملأ الأعلى . .
ألا ما أحوج البشرية المفزعة الوجلة ، المتطاحنة المتصارعة . . إلى منطقة الأمان ، التي جعلها الله للناس في هذا الدين ، وبينها للناس في هذا القرآن ! ( ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، وأن الله بكل شيء عليم ) . .
تعقيب عجيب في هذا الموضع ؛ ولكنه مفهوم ! إن الله يشرع هذه الشريعة ، ويقيم هذه المثابة ، ليعلم الناس أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم . . ليعلموا أنه يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكنونات نفوسهم وهتاف أرواحهم . وأنه يقرر شرائعه لتلبية الطبائع والحاجات ، والاستجابة للأشواق والمكنونات . . فإذا أحست قلوب الناس رحمة الله في شريعته ؛ وتذوقت جمال هذا التطابق بينها وبين فطرتهم العميقة علموا أن الله يعلم ما في السماوات والأرض وأن الله بكل شيء عليم .
إن هذا الدين عجيب في توافيه الكامل مع ضرورات الفطرة البشرية وأشواقها جميعا ؛ وفي تلبيته لحاجات الحياة البشرية جميعا . . إن تصميمه يطابق تصميمها ؛ وتكوينه يطابق تكوينها . وحين ينشرح صدر لهذا الدين فإنه يجد فيه من الجمال والتجاوب والأنس والراحة ما لا يعرفه إلا من ذاق !
{ جَعَلَ الله الكعبة } أي صيرها ، وسميت كعبة على ما روي عن عكرمة ومجاهد لأنها مربعة والتكعيب التربيع ، وتطلق لغة على كل بيت مربع ، وقد يقال : التكعب للارتفاع ، قيل : ومنه سميت الكعبة كعبة لكونها مرتفعة ، ومن ذلك كعب الإنسان لارتفاعه ونتوه ، وكعبت المرأة إذا نتأ ثديها ، وقيل : سميت كعبة لانفرادها من البناء ورده الكرماني إلى ما قبله لأن المنفرد من البناء نات من الأرض . وقوله تعالى : { البيت الحرام } عطف بيان على جهة المدح لأنه عرف بالتعظيم عندهم فصار في معنى المعظم أو لأنه وصف بالحرام المشعر بحرمته وعظمته ، وذكر البيت كالتوطئة له فالاعتراض بالجمود من الجمود دون التوضيح ، وقيل : جىء به للتبيين لأنه كان لخثعم بيت يسمونه بالكعبة اليمانية . وجوز أن يكون بدلاً وأن يكون مفعولاً ثانياً لجعل .
وقوله سبحانه : { قِيَاماً لّلنَّاسِ } نصب على الحال ويرده عطف ما بعده على المفعول الأول كما ستعلم قريباً إن شاء الله تعالى بل هذا هو المفعول الثاني . وقيل : { جَعَلَ } بمعنى خلق فتعدى لواحد وهذا حال ، ومعنى كونه قياماً لهم أنه سبب إصلاح أمورهم وجبرها ديناً ودنيا حيث كان مأمناً لهم وملجأ ومجمعاً لتجارتهم يأتون إليه من كل فج عميق ولهذا قال سعيد بن جبير : من أتى هذا البيت يريد شيئاً للدنيا والآخرة أصابه ، ومن ذلك أخذ بعضهم أن التجارة في الحج ليست مكروهة . وروي هذا عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض ولم يكن في العرب ملوك كذلك فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قياماً يدفع به بعضهم عن بعض فلو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه عنده ما قتله ، فالمراد من الناس على هذا العرب خاصة ، وقيل : معنى كونه قياماً للناس كونه أمناً لهم من الهلاك فما دام البيت يحج إليه الناس لم يهلكوا فإن هدم وترك الحج هلكوا وروي ذلك عن عطاء . وقرأ ابن عامر { قَيِّماً } على أنه مصدر كشيع وكان القياس أن لا تقلب واوه ياء لكنها لما قلبت في فعله الفاً تبعه المصدر في إعلال عينه .
{ والشهر الحرام } أي الذي يؤدى فيه الحج وهو ذو الحجة فالتعريف للعهد بقرينة قرنائه ؛ واختار غير واحد إرادة الجنس على ما هو الأصل والقرينة المعهودة لا تعين العهد ، والمراد الأشهر الحرم وهي أربعة واحد فرد وثلاثة سرد فالفرد رجب والسرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، وهو وما بعده عطف على { الكعبة } فالمفعول الثاني محذوف ثقة بما مر أي وجعل الشهر الحرام { والهدى والقلائد } أيضاً قياماً لهم ، والمراد بالقلائد ذوات القلائد وهي البدن خصت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر و ( بهاء ) الحج بها أظهر ؛ وقيل : الكلام على ظاهره ، فقد أخرج أبو الشيخ عن أبي مجلز أن أهل الجاهلية كان الرجل منهم إذا أحرم تقلد قلادة من شعر فلا يتعرض له أحد فإذا حج وقضى حجه تقلد قلادة من إذخر ، وقيل : كان الرجل يقلد بعيره أو نفسه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يخاف من أحد ولا يتعرض له أحد بسوء ، وكانوا لا يغيرون في الأشهر الحرم وينصلون فيها الأسنة ويهرع الناس فيها إلى معايشهم ولا يخشون أحداً ، وقد توارثوا على ما قيل ذلك من دين إسماعيل عليه السلام .
{ ذلك } أي الجعل المذكور خاصة أو مع ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره . ومحل اسم الإشارة النصب بفعل مقدر يدل عليه السياق وبه تتعلق اللام فيما بعد . وقيل : محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الحكم الذي قررناه ذلك أو مبتدأ خبره محذوف أي ذلك الحكم هو الحق والحكم الأول هو الأقرب ، والتقدير شرع ذلك { لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى * السموات وَمَا فِي الارض } فإن تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار الدينية والدنيوية قبل الوقوع وجلب المنافع الأولية والأخروية من أوضح الدلائل على حكمة الشارع وإحاطة علمه سبحانه { وَأَنَّ الله بِكُلّ شَىْء } واجباً كان أو ممتنعاً أو ممكناً { عَلِيمٌ } كامل العلم ، وهذا تعميم إثر تخصيص ، وقدم الخاص لأنه كالدليل على ما بعد . وجوز أن يراد بما في السموات والأرض الأعيان الموجودة فيهما وبكل شيء الأمور المتعلقة بتلك الموجودات من العوارض والأحوال التي هي من قبيل المعاني والإظهار في مقام الإضمار لما مر غير مرة .
( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { جَعَلَ الله الكعبة البيت الحرام } هي عندهم حضرة الجمع المحرمة على الأغيار ، وقيل : قلب المؤمن ، وقيل : الكعبة المخصوصة لا باعتبار أنها جدران أربعة وسقف بل باعتبار أنها مظهر جلال الله تعالى . وقد ذكروا أنه سبحانه يتجلى منها لعيون العارفين كما يشير إليه قوله عز شأنه على ما في التوراة «جاء الله تعالى من سينا فاستعلن بساعير وظهر من فاران » { قِيَاماً لّلنَّاسِ } من موتهم الحقيقي لما يحصل لهم بواسطة ذلك { والشهر الحرام } وهو زمن الوصول أو مراعاة القلب أو الفوز بذلك التجلي الذي يحرم فيه ظهور صفات النفس أو الالتفات إلى مقتضيات القوى الطبيعية أو نحو ذلك { والهدى } وهي النفس المذبوحة بفناء حضرة الجمع أو الواردات الإلهية التي ترد القلب أو ما يحصل للعبد من المنن عند ذلك التجلي { والقلائد } وهي النفس الشريفة المنقادة أو هي نوع مما يحصل للعبد من قبل مولاه يقوده قسراً إلى ترك السوي { ذلك لِتَعْلَمُواْ } بما يحصل لكم { أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض وَأَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } [ المائدة : 97 ] أي يعلم حقائق الأشياء في عالمي الغيب والشهادة وعلمه محيط بكل شيء الصلاة وأكمل السلام .