غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{۞جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَـٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} (97)

87

ثم ذكر سبب حرمة الصيد في الحرم وفي الإحرام فقال { جعل الله } أي حكم وبين بالخطاب والتعريف ، أو صير بخلق دواعي التعظيم في القلوب { قياماً للناس } وهم العرب ووجه المجاز أن أهل بلدة إذا قالوا «الناس فعلوا كذا » أرادوا أهل بلدتهم فنطق القرآن على مجرى عادتهم . وبيان القيام أن قوام المعيشه إما بكثرة المنافع وقد جعله بحيث يجبى إليه ثمرات كل شيء ، وإما بدفع المضار وقد صيره حرماً آمناً ، وإما بحصول الجاه والرياسة وتوفر الدواعي والرغبات وذلك بدعاء إبراهيم عليه السلام . { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } [ إبراهيم :37 ] ثم المنافع الدينية الحاصلة من مناسكها وشعائرها أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى . وانتصب { البيت الحرام } على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح إذ الكعبة أوضح من أن توضح ، ويحتمل أن يراد بالناس عامة الناس لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم الدينية والدنيوية . وعن عطاء بن أبي رباح : لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا . وتفسير الشهر الحرام والهدي والقلائد تقدم في أوّل السورة . وإنما كان الشهر الحرام سبباً لقيام الناس وقوامهم لأنه إذا دخل الشهر الحرام كان يزول خوفهم ويقدرون على الأسفار وتحصيل الأقوات قدر ما يكفيهم طول السنة ، فلولا حرمة ذلك لهلكوا من الجوع . وأيضاً هو سبب لاكتساب الثواب من قبل مناسك الحج وإقامتها . وأما الهدي فإنه نسك للمهدي وقوام لمعايش الفقراء ، وكذا القلائد فكان من قلد الهدي أو قلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد ، وكل ذلك لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم الكعبة وما يتعلق بها ذلك الذي ذكر من جعل الكعبة قياماً للناس أو من حفظ حرمة الإحرام والحرم مشروع { لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض } وذلك أنه علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص على القتل والغارة وكان ذلك مما يفضي إلى الفناء وانقطاع النسل ، فدبر هذا التدبير المحكم والفعل المتقن كي يصير سبباً للأمان في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمان فتستقيم مصالح الإنسان . ولا ريب أن مثل هذا التقدير والتدبير لا يصح إلا ممن يعلم الكائنات وأسبابها وغاياتها بل يعلم المعلومات بأسرها كلياتها وجزئياتها قديمها وحديثها ، عللها ومعلولها ، موجودها ومعدومها ، وذلك قوله { وأن الله بكل شيء عليم } فما أحسن هذا الترتيب ! .

/خ100