مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (110)

قوله تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون }

هذا أيضا من الآيات الدالة على قولنا : إن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره ، والتقلب والقلب واحد ، وهو تحويل الشيء عن وجهه ، ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار : هو أنه إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها وعرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول ، إلا أنه تعالى إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات ، والمقصود من هذه الآية تقرير ما ذكرناه في الآية الأولى من أن تلك الآيات القاهرة لو جاءتهم لما آمنوا بها ولما انتفعوا بظهورها ألبتة .

أجاب الجبائي عنه بأن قال : المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وجمرها لنعذبهم كما لم يأمنوا به أول مرة في دار الدنيا .

وأجاب الكعبي عنه : بأن المراد من قوله : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } بأنا لا نفعل بهم ما نفعله بالمؤمنين من الفوائد والألطاف من حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم .

وأجاب القاضي : بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الآيات التي قد ظهرت ، فلا تجدهم يؤمنون بها آخرا كما لم يؤمنوا بها أولا .

واعلم أن كل هذه الوجوه في غاية الضعف ، وليس لأحد أن يعيبنا ، فيقول : إنكم تكررون هذه الوجوه في كل موضع ، فإنا نقول : إن هؤلاء المعتزلة لهم وجوه معدودة في تأويلات آيات الجزاء ، فهم يكررونها في كل آية ، فنحن أيضا نكرر الجواب عنها في كل آية ، فنقول : قد بينا أن القدرة الأصلية صالحة للضدين وللطرفين على السوية . فإذا لم ينضم على تلك القدرة داعية مرجحة امتنع حصول الرجحان ، فإذا انضمت الداعية المرجحة إما إلى جانب الفعل أو إلى جانب الترك ظهر الرجحان ، وتلك الداعية ليست إلا من الله تعالى قطعا للتسلسل . وقد ظهر صحة هذه المقدمات بالدلائل القاطعة اليقينية التي لا يشك فيها العاقل . وهذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : ( قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ) فالقلب كالموقوف بين داعية الفعل وبين داعية الترك ، فإن حصل في القلب داعي الفعل ترجح جانب الفعل ، وإن حصل فيه داعي الترك ترجح جانب الترك ، وهاتان الداعيتان لما كانتا لا تحصلان إلا بإيجاد الله وتخليقه وتكوينه ، عبر عنهما بأصبعي الرحمن ، والسبب في حسن هذه الاستعارة أن الشيء الذي يحصل بين أصبعي الإنسان يكون كامل القدرة عليه . فإن شاء أمسكه وإن شاء أسقطه ، فههنا أيضا كذلك القلب واقف بين هاتين الداعيتين ، وهاتان الداعيتان حاصلتان بخلق الله تعالى ، والقلب مسخر لهاتين الداعيتين ، فلهذا السبب حسنت هذه الاستعارة ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول : ( يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك ) والمراد من قوله -مقلب القلوب- أن الله تعالى يقلبه تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس .

إذا عرفت هذه القاعدة فقوله تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } محمول على هذا المعنى الظاهر الجلي الذي يشهد بصحته كل طبع سليم وعقل مستقيم ، فلا حاجة ألبتة إلى ما ذكروه من التأويلات المستكرهة . وإنما قدم الله تعالى ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار ، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب . فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى ، وإذا حصلت الصوارف في القلب انصرف البصر عنه ، فهو وإن كان يبصره في الظاهر . إلا أنه لا يصير ذلك الإبصار سببا للوقوف على الفوائد المطلوبة . وهذا هو المراد من قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا } فلما كان المعدن هو القلب ، وأما السمع والبصر فهما آلتان للقلب ، كانا لا محالة تابعين لأحوال القلب . فلهذا السبب وقع الابتداء بذكر تقليب القلوب في هذه الآية ، ثم أتبعه بذكر تقليب البصر ، وفي الآية الأخرى وقع الابتداء بذكر تحصيل الكنان في القلب ثم أتبعه بذكر السمع ، فهذا هو الكلام القوي العقلي البرهاني الذي ينطبق عليه لفظ القرآن ، فكيف يحسن مع ذلك حمل هذا اللفظ على التكلفات التي ذكروها ؟ ولنرجع إلى ما يليق بتلك الكلمات الضعيفة فنقول : أما الوجه الذي ذكره الجبائي فمدفوع لأن الله تعالى قال : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } ثم عطف عليه فقال { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } ولا شك أن قوله : { ونذرهم } إنما يحصل في الدنيا ، فلو قلنا : المراد من قوله : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } إنما يحصل في الآخرة ، كان هذا سوأ للنظم في كلام الله تعالى حيث قدم المؤخر وأخر المقدم من غير فائدة ، وأما الوجه الذي ذكره الكعبي فضعيف أيضا لأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر ، فهو الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان والخذلان فكيف تحسن إضافته إلى الله تعالى في قوله تعالى : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } .

وأما الوجه الثاني الذي ذكره القاضي فبعيد أيضا لأن المراد من قوله : { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم } تقليب القلب من حالة إلى حالة ونقله من صفة إلى صفة . وعلى ما يقوله القاضي فليس الأمر كذلك بل القلب باق على حالة واحدة إلا أنه تعالى أدخل التقليب والتبديل في الدلائل ، فثبت أن الوجوه التي ذكروها فاسدة باطلة بالكلية .

أما قوله تعالى : { كما لم يؤمنوا به أول مرة } فقال الواحدي فيه وجهان :

الوجه الأول : دخلت الكاف على محذوف تقديره فلا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات ، والتقدير فلا يؤمنون في المرة الثانية من ظهور الآيات كما لم يؤمنوا به في المرة الأولى ، وأما الكناية في { به } فيجوز أن تكون عائدة إلى القرآن أو إلى محمد عليه الصلاة والسلام ، أو إلى ما طلبوا من الآيات .

الوجه الثاني : قال بعضهم : الكاف في قوله : { كما لم يؤمنوا به } بمعنى الجزاء ، ومعنى الآية ونقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على تركهم الإيمان في المرة الأولى ، يعني كما لم يؤمنوا به أول مرة ، فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم في المرة الثانية ، وعلى هذا الوجه فليس في الآية محذوف ولا حاجة فيها إلى الإضمار .

وأما قوله تعالى : { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } فالجبائي قال : { ونذرهم } أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم من ذلك بمعاجلة الهلاك وغيره ، لكنا نمهلهم فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم ، وهو يوجب تأكيد الحجة عليهم ، وقال أصحابنا : معناه إنا نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان وفي ذلك الضلال والعمه .

ولقائل أن يقول للجبائي : إنك تقول إن إله العالم ما أراد بعبيده إلا الخير والرحمة ، فلم ترك هذا المسكين حتى عمه في طغيانه ؟ ولم لا يخلصه عنه على سبيل الإلجاء والقهر ؟ أقصى ما في الباب أنه إن فعل به ذلك لم يكن مستحقا للثواب فيفوته الاستحقاق فقط ، ولكن يسلم من العقاب ، أما إذا تركه في ذلك العمه مع علمه بأنه يموت عليه ، فإنه لا يحصل استحقاق الثواب . ويحصل له العقاب العظيم الدائم ، فالمفسدة الحاصلة عند خلق الإيمان فيه على سبيل الإلجاء مفسدة واحدة وهي فوت استحقاق الثواب ، أما المفسدة الحاصلة عند إبقائه على ذلك العمه والطغيان حتى يموت عليه فهي فوت استحقاق الثواب مع استحقاق العقاب الشديد ، والرحيم المحسن الناظر لعباده لا بد وأن يرجح الجانب الذي هو أكثر صلاحا وأقل فسادا ، فعلمنا أن إبقاء ذلك الكافر في ذلك العمه والطغيان يقدح في أنه لا يريد به إلا الخير والإحسان .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (110)

95

( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ، كما لم يؤمنوا به أول مرة ، ونذرهم في طغيانهم يعمهون . ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ، وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء الله - ولكن أكثرهم يجهلون ) . .

إن القلب الذي لا يؤمن بآيات الله المبثوثة في هذا الوجود - بعد توجيهه إليها على هذا النحو العجيب الذي تكفل به هذا الكتاب العجيب - ولا توحي آيات الله المبثوثة في الأنفس والآفاق إليه أن يبادر إلى ربه ، ويثوب إلى كنفه . . إن هذاالقلب هو قلب مقلوب . . والذي عاق هؤلاء عن الإيمان في أول الأمر ، ما الذي يدري المسلمين الذين يقترحون إجابة طلبهم ، أن يعوقهم عن الإيمان بعد ظهور الخارقة ؟ إن الله هو الذي يعلم حقيقة هذه القلوب . . وهو يذر المكذبين في طغيانهم يعمهون ، لأنه يعلم منهم أنهم يستحقون جزاء التكذيب ؛ كما يعلم عنهم أنهم لا يستجيبون . . لا يستجيبون ولو نزل إليهم الملائكة كما يقترحون ! ولو بعث لهم الموتى يكلمونهم - كما اقترحوا كذلك ! - ولو حشر الله عليهم كل شيء في هذا الوجود يواجههم ويدعوهم إلى الإيمان ! . . إنهم لا يؤمنون - إلا أن يشاء الله - والله سبحانه لا يشاء ، لأنهم هم لا يجاهدون في الله ليهديهم الله إليه . . وهذه هي الحقيقة التي يجهلها أكثر الناس عن طبائع القلوب . .

إنه ليس الذي ينقص الذين يلجون في الضلال أنه لا توجد أمامهم دلائل وبراهين . . إنما الذي ينقصهم آفة في القلب ، وعطل في الفطرة ، وانطماس في الضمير . .

وإن الهدى جزاء لا يستحقه إلا الذين يتجهون إليه ، والذين يجاهدون فيه . .

انتهى الجزء السابع ويليه الجزء الثامن مبدوءاً بقوله تعالى :

( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة )

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (110)

{ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم } عطف على { لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الأنعام : 109 ] داخل معه في حكم { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } [ الأنعام : 109 ] مقيد بما قيد به أي وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا ( يدركونه ) وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه . وهذا على ما قال الإمام تقرير لما في الآية الأولى من أنهم لا يؤمنون . وذكر شيخ الإسلام أن هذا التقليب ليس مع توجه الأفئدة والأبصار إلى الحق واستعدادها له بل لكما نبوها عنه وإعراضها بالكلية ولذلك أخر ذكره عن ذكر عدم إيمانهم إشعاراً بأصالتهم في الكفر وحسماً لتوهم أن عدم إيمانهم ناشيء من تقليبه تعالى مشاعرهم بطريق الإجبار . وتحقيقه على ما ذكره شيخ مشايخنا الكوراني أنه سبحانه حيث علم في الأزل سوء استعدادهم المخبوء في ماهياتهم أفاض عليهم ما يقتضيه وفعل بهم ما سألوه بلسان الاستعداد بعد أن رغبهم ورهبهم وأقام الحجة وأوضح المحجة ولله تعالى الحجة البالغة وما ظلمهم الله سبحانه ولكن كانوا هم الظالمين .

{ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ } أي بما جاء من الآيات بالله تعالى . وقيل : بالقرآن . وقيل : بمحمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر لذلك ذكر . وقيل : بالتقليب وهو كما ترى . { أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي عند ورود الآيات السابقة . والكاف في موضع النعت لمصدر ( محذوف ) منصوب بِ { لا يؤمنون } [ الأنعام : 109 ] . وما مصدرية أي لا يؤمنون بل يكفرون كفراً كائناً ككفرهم أول مرة . وتوسيط تقليب الأفئدة والأبصار لأنه من متممات عدم إيمانهم . وقال أبو البقاء : أن الكاف نعت لمصدر محذوف أي تقليباً ككفرهم أي عقوبة مساوية لمعصيتهم أول مرة ولا يخفى ما فيه . والآية ظاهرة في أن الإيمان والكفر بقضاء الله تعالى وقدره .

وأجاب الكعبي عنها بأن المراد من { يُؤْمِنُونَ وَنُقَلّبُ } الخ أنا لا نفعل بهم ما نفعله بالمؤمنين من الفوائد والألطاف من حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم . والقاضي بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الآيات التي ظهرت فلا نجدهم يؤمنون بها آخراً كما لم يؤمنوا بها أولاً . والجبائي بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وجمرها لنعذبهم كما لم يؤمنوا به أول مرة في الدنيا . والكل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، وهكذا غالب كلام المعتزلة .

{ وَنَذَرُهُمْ } أي ندعهم { فِي طغيانهم } أي تجاوزهم الحد في العصيان { يَعْمَهُونَ } أي يترددون متحيرين وهذا عطف على { لاَ يُؤْمِنُونَ } [ الأنعام : 109 ] قيد بما قيد به أيضاً مبين لما هو المراد بتقليب الأفئدة والأبصار معرب عن حقيقته بأنه ليس على ظاهره . والجار متعلق بما عنده . وجملة { يَعْمَهُونَ } في موضع الحال من الضمير المنصوب في { *نذرهم } . وقرىء ( يقلب ويذر ) على الغيبة والضمير لله عز وجل .

وقرأ الأعمش { *وتقلب } على البناء للمفعول وإسناده إلى أفئدتهم .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم } لاقتضاء استعدادهم ذلك { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } حين أعرضوا عن الحجج البينات أو في الأزل { وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ } الذي هو لهم بمقتضى استعدادهم { يَعْمَهُونَ } [ الأنعام : 110 ] يترددون متحيرين لا يدرون وجه الرشاد { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ غافر : 33