البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (110)

الفؤاد القلب .

{ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } الظاهر أن قوله : { ونقلب } جملة استئنافية أخبر تعالى أنه يفعل بهم ذلك وهي إشارة إلى الحيرة والتردد وصرف الشيء عن وجهه .

والمعنى أنه تعالى يحولهم عن الهدى ويتركهم في الضلال والكفر .

وكما للتعليل أي يفعل بهم ذلك لكونهم لم يؤمنوا به أول وقت جاءهم هدى الله كما قال تعالى : { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون } ويؤكد هذا المعنى آخر الآية { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } أي ونتركهم في تغمطهم في الشرِّ والإفراط فيه يتحيرون ، وهذا كله إخبار من الله تعالى بفعله بهم في الدنيا .

وقالت فرقة : هذا الإخبار هو على تقدير : أنه لو جاءت الآية التي اقترحوها صنعنا بهم ذلك .

ولذلك قال الزمخشري { ونقلب أفئدتهم } { ونذرهم } عطف على { لا يؤمنون } داخل في حكم { وما يشعركم } بمعنى وما يشعركم أنهم لا يؤمنون { وما يشعركم } أنّا { نقلب أفئدتهم وأبصارهم } أي فنطبع على أبصارهم وقلوبهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق كما كانوا عند نزول آياتنا أولاً لا يؤمنون بها ، لكونهم { وما يشعركم } أنّا { نذرهم في طغيانهم } أي نخليهم وشأنهم لا نكفهم ونصرفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه انتهى .

وهذا معنى ما قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد قالوا : لو أتيناهم بآية كما سألوا لقلبنا أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان بها ، وحلنا بينهم وبين الهدى فلم يؤمنوا كما لم يؤمنوا بما رأوا قبلها ، عقوبة لهم على ذلك .

والفرق بين هذا القول والذي بدأنا به أولاً أن ذلك استئناف إخبار بما يفعل بهم تعالى في الدنيا .

وهذا إخبار على تقدير مجيء الآية المقترحة فذلك واقع وهذا غير واقع ، لأن الآية المقترحة لم تقع فلم يقع ما رتب عليها .

وقال مقاتل : نقلب أفئدة هؤلاء وأبصارهم عن الإيمان وعن الآيات كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية بما رأوا من الآيات .

وقيل : تقليبها بإزعاج نفوسهم همّاً وغمّاً .

وقال الكرماني : مغناه أنّا نحيط علماً بذات الصدور وخائنة الأعين منهم انتهى .

ولا يستقيم هذا التفسير لقوله : { كما لم يؤمنوا به أول مرة } لا على التعليل ولا على التشبيه إلا أن جعل متعلقاً بقوله { أنها إذا جاءت لا يؤمنون } أي { كما لم يؤمنوا به أول مرة } فيصح على بعد في تفسير التقليب بإحاطة العلم .

وقال الكعبي : المراد أنا لا نفعل بهم ما نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف من حيث أخرجوا أنفسهم عن الهداية بسبب الكفر انتهى .

وهو على طريقة الاعتزالي ومعنى تقليب القلب والبصر ما ينشأ عن القلب والبصر من الدواعي إلى الحيرة والضلال ، لأن القلب والبصر يتقلبان بأنفسهما فنسبة التقليب إليهما مجاز .

وقدمت الأفئدة لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى ، وإذا حصلت الصوارف في القلب انصرف البصر عنه وإن كان تحدق النظر إليه ظاهراً وهذه التفاسير على أن ذلك في الدنيا .

وقالت فرقة : إن ذلك إخبار من الله تعالى يفعل بهم ذلك في الآخرة .

فروي عن ابن عباس أنه جواب لسؤالهم في الآخرة الرجوع إلى الدنيا .

والمعنى لو ردّوا لحلنا بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا انتهى .

وهذا ينبو عنه تركيب الكلام .

وقيل : تقليبها في النار في جهنم على لهيبها وجمرها ليعذبوا { كما لم يؤمنوا به أول مرة } يعني في الدنيا وقاله

الجبائي .

وقال أبو الهذيل : تقليب أفئدتهم بلوغها الحناجر كما قال تعالى : { وأنذرهم يوم الآزفة } وقيل : تقليب أبصارهم إلى الزرقة وحمل ذلك على أنه في الآخرة ضعيف قلق النظم ، لأن التقليب في الآخرة وتركهم في الطغيان في الدنيا ، فيختلف الظرفان من غير دليل على اختلافهما ، بل الظاهر أن ذلك إخبار مستأنف كما قررناه أولاً ، والكاف في { كما } ذكرنا أنها للتعليل ، وهو واضح فيها وإن كان استعمالها فيه قليلاً .

وقالت فرقة { كما } : هي بمعنى المجازاة أي لما { لم يؤمنوا به أول مرة } نجاريهم بأن { نقلب أفئدتهم } عن الهدى ونطبع على قلوبهم .

فكأنه قال : ونحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم جزاء لما { لم يؤمنوا أول مرة } بما دعوا إليه من الشرع .

قاله ابن عطية ، وهو معنى التعليل الذي ذكرناه إلا أنّ تسمية ذلك بمعنى المجازاة غريبة ، لا يعهد في كلام النحويين أنّ الكاف للمجازاة .

وقيل : للتشبه قيل وفي الكلام حذف تقديره فلا يؤمنون به ثاني مرة { كما لم يؤمنوا به أول مرة } .

وقيل : الكاف نعت لمصدر محذوف أي تقليباً لكفرهم ، أي عقوبة مساوية لمعصيتهم ، قاله أبو البقاء .

وقال الحوفي : نعت لمصدر محذوف والتقدير : لا يؤمنون به إيماناً ثانياً { كما لم يؤمنوا به أول مرة } انتهى .

والضمير عائد على الله أو القرآن أو الرسول ، أقوال وأبعد من ذهب إلى أنه يعود على القليب ، وانتصب أول مرة على أنه ظرف زمان .

وقرأ النخعي ويقلب ويذرهم بالياء فيهما والفاعل ضمير الله .

وقرأ أيضاً فيما روى عنه مغيرة وتقلب أفئدتهم وأبصارهم ، بالرفع فيهما على البناء للمفعول ، ويذرهم بالياء وسكون الراء .

وافقه على ويذرهم الأعمش والهمداني .

وقال الزمخشري : وقرأ الأعمش وتقلب أفئدتهم وأبصارهم على البناء للمفعول .