مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} (172)

قوله تعالى : { وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح قصة موسى عليه السلام مع توابعها على أقصى الوجوه ذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين ، وفي تفسير هذه الآية قولان : الأول : وهو مذهب المفسرين وأهل الأثر ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر رضي الله عنه سئل عن هذه الآية فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال : «إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون » فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار » وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته إلى يوم القيامة » وقال مقاتل : «إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر تتحرك ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال يا آدم هؤلاء ذريتك .

ثم قال لهم : { ألست بربكم قالوا بلى } فقال للبيض هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين ، وقال للسود هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ثم أعادهم جميعا في صلب آدم » ، فأهل القبول محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال ، وأرحام النساء . وقال تعالى فيمن نقض العهد الأول { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } وهذا القول قد ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وعكرمة ، والكلبي ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه أبصر آدم في ذريته قوما لهم نور . فقال يا رب من هم ؟ فقال الأنبياء ، ورأى واحدا هو أشدهم نورا فقال من هو ؟ قال داود ، قال فكم عمره قال سبعون سنة قال آدم : هو قليل قد وهبته من عمري أربعين سنة ، وكان عمر آدم ألف سنة ، فلما تم عمر آدم تسعمائة وستين سنة أتاه ملك الموت ليقبض روحه ، فقال بقي من أجلي أربعون سنة ، فقال : ألست قد وهبته من ابنك داود ؟ فقال ما كنت لأجعل لأحد من أجلي شيئا ، فعند ذلك كتب لكل نفس أجلها . أما المعتزلة : فقد أطبقوا على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الوجه . واحتجوا على فساد هذا القول بوجوه :

الحجة الأولى : لهم قالوا : قوله : { من بني آدم من ظهورهم } لا شك أن قوله : { من ظهورهم } يدل من قوله : { بني آدم } فيكون المعنى : وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم . وعلى هذا التقدير : فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر آدم شيئا .

الحجة الثانية : أنه لو كان المراد أنه تعالى أخرج من ظهر آدم شيئا من الذرية لما قال : { من ظهورهم } بل كان يجب أن يقول : من ظهره ، لأن آدم ليس له إلا ظهر واحد ، وكذلك قوله : { ذريتهم } لو كان آدم لقال ذريته .

الحجة الثالثة : أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا : { إنما أشرك آباؤنا من قبل } وهذا الكلام يليق بأولاد آدم ، لأنه عليه السلام ما كان مشركا .

الحجة الرابعة : أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل ، فلو أخذ الله الميثاق من أولئك الذر لكانوا عقلاء ، ولو كانوا عقلاء وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم ، لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة مهيبة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلا أن ينساها نسيانا كليا لا يتذكر منها شيئا لا بالقليل ولا بالكثير ، وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ . فإنا نقول لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر ، وحيث لم نتذكر ذلك كان القول بالتناسخ باطلا . فإذا كان اعتمادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة ، وجب القول بمقتضاه ، فلو جاز أن يقال إنا في وقت الميثاق أعطينا العهد والميثاق مع أنا في هذا الوقت لا نتذكر شيئا منه ، فلم لا يجوز أيضا أن يقال إنا كنا قبل هذا البدن في بدن آخر مع أنا في هذا البدن لا نتذكر شيئا من تلك الأحوال . وبالجملة فلا فرق بين هذا القول وبين مذهب أهل التناسخ فإن لم يبعد التزام هذا القول لم يبعد أيضا التزام مذهب التناسخ .

الحجة الخامسة : أن جميع الخلق الذين خلقهم الله من أولاد آدم عدد عظيم وكثرة كثيرة ، فالمجموع الحاصل من تلك الذريات يبلغ مبلغا عظيما في الحجمية والمقدار وصلب آدم على صغره يبعد أن يتسع لذلك المجموع .

الحجة السادسة : أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم ، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء أن يكون عاقلا فاهما مصنفا للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة . وفتح هذا الباب يفضي إلى التزام الجهالات . وإذا ثبت أن البنية شرط لحصول الحياة ، فكل واحد من تلك الذريات لا يمكن أن يكون عالما فاهما عاقلا ، إلا إذا حصلت له قدرة من البنية واللحمية والدمية ، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدم إلى آخر قيام القيامة لا تحويهم عرضة الدنيا ، فكيف يمكن أن يقال إنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم عليه السلام ؟

الحجة السابعة : قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت ، أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا . والأول باطل لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب والمدح والذم ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير ذلك حجة عليهم في التمسك بالإيمان ؟

الحجة الثامنة : قال الكعبي : إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال ، ولما لم يكن توجيه التكليف على الطفل ، فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذوات ؟

وأجاب الزجاج عنه فقال : لما لم يبعد أن يؤتى الله النمل العقل كما قال : { قالت نملة يا أيها النمل } وأن يعطي الجبل الفهم حتى يسبح كما قال : { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن } وكما أعطى الله العقل للبعير حتى سجد للرسول ، وللنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا ههنا .

الحجة التاسعة : أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول والقدر أو ما كانوا كذلك ، فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا ، فلو افتقر التكليف في الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولزم التسلسل وهو محال . وأما الثاني : وهو أن يقال إنهم في وقت ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول ولا كاملي القدر ، فحينئذ يمتنع توجيه الخطاب والتكليف عليهم .

الحجة العاشرة : قوله تعالى : { فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق } ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين ، لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق ولا معنى للإنسان إلا ذلك الشيء فحينئذ لا يكون الإنسان مخلوقا من الماء الدافق وذلك رد لنص القرآن .

فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته ؟ ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم وأخرجه إلى هذه الحياة .

قلنا : هذا باطل لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقا على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقا على سبيل الإعادة . وأجمع المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ فدل هذا على أن ما ذكرتموه باطل .

الحجة الحادية عشرة : هي أن تلك الذرات إما أن يقال هي عين هؤلاء الناس أو غيرهم والقول الثاني باطل بالإجماع ، بقي القول الأول . فنقول : إما أن يقال إنهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفة وعلقة ومضغة أو ما بقوا كذلك والأول باطل ببديهة العقل . والثاني : يقتضي أن يقال الإنسان حصل له الحياة أربع مرات : أولها وقت الميثاق ، وثانيها في الدنيا ، وثالثها في القبر ، ورابعها في القيامة . وأنه حصل له الموت ثلاث مرات . موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الأول ، وموت في الدنيا ، وموت في القبر ، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى : { ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين }

الحجة الثانية عشرة : قوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } فلو كان القول بهذا الذر صحيحا لكان ذلك الذر هو الإنسان لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب ، وذلك باطل . لأن ذلك الذر غير مخلوق من النطفة ، والعلقة ، والمضغة ، ونص الكتاب دليل على أن الإنسان مخلوق من النطفة والعلقة ، وهو قوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } وقوله : { قتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه من نطفة خلقه } فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف .

والقول الثاني : في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات : أنه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات ، وجعلها علقة ، ثم مضغة ، ثم جعلهم بشرا سويا ، وخلقا كاملا ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته ، وعجائب خلقه ، وغرائب صنعه . فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى ، وإن لم يكن هناك قول باللسان ، ولذلك نظائر منها قوله تعالى : { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } ومنها قوله تعالى : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } وقول العرب :

قال الجدار للوتد لم تشقني *** قال سل من يدقني

فإن الذي ورايي *** ما خلاني ورايي

وقال الشاعر :

امتلأ الحوض وقال قطنى*** . . .

فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام ، فوجب حمل الكلام عليه ، فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين ، وهذا القول الثاني لا طعن فيه البتة ، وبتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافيا لصحة القول الأول : إنما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا ؟

فإن قال قائل : فما المختار عندكم فيه ؟

قلنا : ههنا مقامان : أحدهما : أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذر ؟ والثاني : أن بتقدير أن يصح القول به ، فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية ؟

أما المقام الأول : فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها وقررناها ، ويمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع .

أما الوجه الأول : من الوجوه العقلية المذكورة ، وهو أنه لو صح القول بأخذ هذا الميثاق لوجب أن نتذكره الآن .

قلنا : خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو الله تعالى لأن هذه العلوم عقلية ضرورية . والعلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى ، وإذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها .

فإن قالوا : فإذا جوزتم هذا ، فجوزوا أن يقال : إن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ وإن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الأبدان

قلنا : الفرق بين الأمرين ظاهر وذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى ، وبقينا فيها سنين ودهورا ، امتنع في مجرى العادة نسيانها ، أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان ، وأقل وقت فلم يبعد حصول النسيان فيه ، والفرق الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق ، لأن الإنسان إذا بقي على العمل الواحد سنين كثيرة يمتنع أن ينساه ، أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساه ، فقد ظهر الفرق .

وأما الوجه الثاني : وهو أن يقال : مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها في ظهر آدم عليه السلام . قلنا : عندنا البنية ليست شرطا لحصول الحياة ، والجوهر الفرد الذي لا يتجزأ ، قابل للحياة والعقل ، فإذا جعلنا كل واحد من تلك الذرات جوهرا فردا ، فلم قلتم إن ظهر آدم عليه السلام لا يتسع لمجموعها ؟ إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا : الإنسان جوهر فرد . وجزء لا يتجزأ في البدن . على ما هو مذهب بعض القدماء ، وأما إذا قلنا : الإنسان هو النفس الناطقة ، وإنه جوهر غير متحيز ، ولا حال في المتحيز فالسؤال زائل .

وأما الوجه الثالث : وهو قوله فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك الوقت أو في الحياة الدنيا ؟

فجوابنا أن نقول : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، وأيضا أليس أن من المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال ، وإنطاق الجوارح قالوا : لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء لطف ؟ فكذا ههنا لا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق لطف . وقيل أيضا إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة وبقية الوجوه ضعيفة والكلام عليها سهل هين .

وأما المقام الثاني : وهو أن بتقدير أن يصح القول بأخذ الميثاق من الذر . فهل يمكن جعله تفسيرا لألفاظ هذه الآية ؟ فنقول الوجوه الثلاثة المذكورة أولا دافعة لذلك لأن قوله : { أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } فقد بينا أن المراد منه ، وإذا أخذ ربك من ظهور بني آدم ، وأيضا لو كانت هذه الذرية مأخوذة من ظهر آدم لقال من ظهره ذريته ولم يقل من ظهورهم ذريتهم . أجاب الناصرون لذلك القول : بأنه صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فسر هذه الآية بهذا الوجه والطعن في تفسير رسول الله غير ممكن . فنقول : ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أخرج الذر من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على أنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان وذلك الفلان فلان آخر ، فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض ، وأما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم ، فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته وليس في الآية أيضا ما يدل على بطلانه ، إلا أن الخبر قد دل عليه ، فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن ، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر ، وعلى هذا التقدير : فلا منافاة بين الأمرين ولا مدافعة ، فوجب المصير إليهما معا . صونا للآية . والخبر عن الطعن بقدر الإمكان ، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام .

المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو { ذرياتهم } بالألف على الجمع والباقون { ذريتهم } على الواحد . قال الواحدي : الذرية تقع على الواحد والجمع . فمن أفرد فإنه قد استغنى عن جمعه وبوقوعه على الجمع فصار كالبشر فإنه يقع على الواحد كقوله : { ما هذا بشرا } وعلى الجمع كقوله : { أبشر يهدوننا } وقوله : { إن أنتم إلا بشر مثلنا } وكما لم يجمع بشر بتصحيح ولا تكسير كذلك لا يجمع الذرية ومن جمع قال : إن الذرية وإن كان واحدا فلا إشكال في جواز الجمع فيه ، وإن كان جمعا فجمعه أيضا حسن ، لأنك قد رأيت الجموع المكسرة قد جمعت . نحو الطرقات والجدرات ، وهو اختيار يونس أما قوله تعالى : { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } فنقول : أما على قول من أثبت الميثاق الأول فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها ، وأما على قول من أنكره قال : إنها محمولة على التمثيل ، والمعنى : أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته ، وشهدت بها عقولهم ، فصار ذلك جاريا مجرى ما إذا أشهدهم على أنفسنا وإقرارنا بوحدانيته ، أما قوله : { شهدنا } ففيه قولان :

القول الأول : أنه من كلام الملائكة ، وذلك لأنهم لما قالوا { بلى } قال الله للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا ، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله : { قالوا بلى } لأن كلام الذرية قد انقطع ههنا وقوله : { أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } تقريره : أن الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالإقرار ، لئلا يقولوا ما أقررنا ، فأسقط كلمة «لا » كما قال :

{ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم } يريد لئلا تميد بكم ، هذا قول الكوفيين ، وعند البصريين تقريره : شهدنا كراهة أن يقولوا .

والقول الثاني : أن قوله : { شهدنا } من بقية كلام الذرية ، وعلى هذا التقرير ، فقوله : { أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } متعلق بقوله : { وأشهدهم على أنفسهم } والتقدير : وأشهدهم على أنفسهم ، بكذا وكذا ، لئلا يقولوا يوم القيامة { إنا كنا عن هذا غافلين } أو كراهية أن يقولوا ذلك وعلى هذا التقدير ، فلا يجوز الوقف عند قوله : { شهدنا } لأن قوله : { أن يقولوا } متعلق بما قبله وهو قوله : { وأشهدهم } فلم يجز قطعه منه . واختلف القراء في قوله : { أن يقولوا } أو تقولوا : فقرأ أبو عمرو بالياء جميعا ، لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله : { من بني آدم من ظهورهم } { وأشهدهم على أنفسهم } لئلا يقولوا وقرأ الباقون بالتاء ، لأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله : { ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } وكلا الوجهين حسن ، لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} (172)

172

( وإذ أخذ ربك من بني آدم - من ظهورهم - ذريتهم ، وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى شهدنا ! أن تقولوا يوم القيامة : إنا كنا عن هذا غافلين . أو تقولوا : إنما أشرك آباؤنا من قبل . وكنا ذرية من بعدهم . أفتهلكنا بما فعل المبطلون ؟ . . وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ) . .

إنها قضية الفطرة والعقيدة يعرضها السياق القرآني في صورة مشهد - على طريقة القرآن الغالبة - وإنه لمشهد فريد . . مشهد الذرية المكنونة في عالم الغيب السحيق ، المستكنة في ظهور بني آدم قبل أن تظهر إلى العالم المشهود ، تؤخذ في قبضة الخالق المربي ، فيسألها : ( ألست بربكم ؟ ) . . فتعترف له - سبحانه - بالربوبية ؛ وتقر له - سبحانه - بالعبودية ؛ وتشهد له - سبحانه - بالوحدانية ؛ وهي منثورة كالذر ؛ مجموعة في قبضة الخالق العظيم !

إنه مشهد كوني رائع باهر ، لا تعرف اللغة له نظيراً في تصوراتها المأثورة ! وإنه لمشهد عجيب فريد حين يتملاه الخيال البشري جهد طاقته ! وحينما يتصور تلك الخلايا التي لا تحصى ، وهي تجمع وتقبض . وهي تخاطب خطاب العقلاء - بما ركب فيها من الخصائص المستكنة التي أودعها إياها الخالق المبدع - وهي تستجيب استجابة العقلاء ، فتعترف وتقر وتشهد ؛ ويؤخذ عليها الميثاق في الأصلاب !

وإن الكيان البشري ليرتعش من أعماقه وهو يتملى هذا المشهد الرائع الباهر الفريد . وهو يتمثل الذر السابح . وفي كل خلية حياة . وفي كل خلية استعداد كامن . وفي كل خلية كائن إنساني مكتمل الصفات ينتظر الإذن له بالنماء والظهور في الصورة المكنونة له في ضمير الوجود المجهول ، ويقطع على نفسه العهد والميثاق ، قبل أن يبرز إلى حيز الوجود المعلوم !

لقد عرض القرآن الكريم هذا المشهد الرائع الباهر العجيب الفريد ، لتلك الحقيقة الهائلة العميقة المستكنة في أعماق الفطرة الإنسانية وفي أعماق الوجود . . عرض القرآن هذا المشهد قبل قرابة أربعة عشر قرناً من الزمان ، حيث لم يكن إنسان يعلم عن طبيعة النشأة الإنسانية وحقائقها إلا الأوهام ! ثم يهتدي البشر بعد هذه القرون إلى طرف من هذه الحقائق وتلك الطبيعة . فإذا " العلم " يقرر أن الناسلات ، وهي خلايا الوراثة التي تحفظ سجل " الإنسان " وتكمن فيها خصائص الأفراد وهم بعد خلايا في الأصلاب . . أن هذه الناسلات التي تحفظ سجل ثلاثة آلاف مليون من البشر ، وتكمن فيها خصائصهم كلها ، لا يزيد حجمها على سنتيمتر مكعب ، أو ما يساوي ملء قمع من أقماع الخياطة ! . . كلمة لو قيلت للناس يومذاك لاتهموا قائلها بالجنون والخبال ! وصدق الله العظيم : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) . .

أخرج ابن جرير وغيره - بإسناده - عن ابن عباس قال : " مسح ربك ظهر آدم ، فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة . . . فأخذ مواثيقهم ، وأشهدهم على أنفسهم : ( ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ) " . . وروي مرفوعاً وموقوفاً على ابن عباس . وقال ابن كثير : إن الموقوف أكثر وأثبت . .

فأما كيف كان هذا المشهد ؟ وكيف أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ؟ وكيف خاطبهم : ( ألست بربكم )وكيف أجابوا : ( بلى شهدنا )? . . فالجواب عليه : أن كيفيات فعل الله - سبحانه - غيب كذاته . ولا يملك الإدراك البشري أن يدرك كيفيات أفعال الله ما دام أنه لا يملك أن يدرك ذات الله . إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية . وكل فعل ينسب لله سبحانه مثل الذي يحكيه قوله هذا كقوله تعالى : ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان . . . ) . . ( ثم استوى على العرش ) . . ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) . . ( والسماوات مطويات بيمينه ) . . ( وجاء ربك والملك صفاً صفاً ) . . ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) . . . إلى آخر ما تحكيه النصوص الصحيحة عن فعل الله سبحانه ، لا مناص من التسليم بوقوعه ، دون محاولة إدراك كيفيته . . إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية كما قلنا . . والله ليس كمثله شيء . فلا سبيل إلى إدراك ذاته ولا إلى إدراك كيفيات أفعاله . إذ أنه . لا سبيل إلى تشبيه فعله بفعل أي شيء ، ما دام أن ليس كمثله شيء . . وكل محاولة لتصور كيفيات أفعاله على مثال كيفيات أفعال خلقه ، هي محاولة مضللة ، لاختلاف ماهيته - سبحانه - عن ماهيات خلقه . وما يترتب على هذا من اختلاف كيفيات أفعاله عن كيفيات أفعال خلقه . . وكذلك جهل وضل كل من حاولوا - من الفلاسفة والمتكلمين - وصف كيفيات أفعال الله ، وخلطوا خلطاً شديداً !

على أن هناك تفسيرا لهذا النص بأن هذا العهد الذي أخذه الله على ذرية بني آدم هو عهد الفطرة . . فقد أنشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبية وحده . أودع هذا فطرتهم فهي تنشأ عليه ، حتى تنحرف عنه بفعل فاعل يفسد سواءها ، ويميل بها عن فطرتها .

قال ابن كثير في التفسير : قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد - كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ومن رواية الحسن البصري عن الأسود ابن سريع - وقد فسر الحسن الآية بذلك . قالوا : ولهذا قال : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم )ولم يقل : من آدم . . ( من ظهورهم ) . . ولم يقل من ظهره . . ( ذرياتهم )أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل ، وقرناً بعد قرن ، كقوله تعالى : وهو الذي جعلكم خلفاء الأرض . . وقال : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) . . وقال : ( كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) . . ثم قال : ( وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ! ) أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له . . حالاً . . وقالوا : والشهادة تارة تكون بالقول كقوله : ( قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) . . وتارة تكون حالاً كقوله تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ) . . أي حالهم شاهد عليهم بذلك ، لا أنهم قائلون ذلك . . وكذلك قوله تعالى : ( وإنه على ذلك لشهيد ) . . كما أن السؤال تارة يكون بالمقالوتارة يكون بالحال . كقوله : ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) . . قالوا : ومما يدل على أن المراد بهذا هذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك . فلو كان قد وقع هذا ، كما قال من قال ، لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه . فإن قيل : إخبار الرسول [ ص ] به كاف في وجوده ، فالجواب : أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره . وهذا جعل حجة عليهم ، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد . ولهذا قال : ( أن تقولوا ) . . أي لئلا تقولوا ( يوم القيامة إنا كنا عن هذا ) . أي التوحيد . . ( غافلين ) ،

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} (172)

{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ } منصوب بمضمر على طرز ما سلف في نظائره وهو معطوف على ما قبل مسوق لإلزام اليهود بمقتضى الميثاق العام فإن منهم من أشرك فقال : عزير بن الله عز اسمه بعد إلزامهم بالميثاق المخصوص بهم والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد ، وبعضهم جوز أن يكون تذييلاً تعميماً بعد التخصيص وإظهاراً لتمادي هؤلاء اليهود في الغي ومنعهم عن التقليد ، وبعضهم جوز أن يكون تذييلاً تعميماً بعد التخصيص وإظهاراً لتمادي هؤلاء اليهود في الغي بعد أخذ الميثاق الخاص المدلول عليه بقوله سبحانه : { وَإِذ نَتَقْنَا الجبل } [ الأعراف : 171 ] لقوله جل وعلا : { وَإِذَا أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور } [ البقرة : 63 ] ، وعليه فلا عطف وهو أظهر من التذييل نظراً إلى ظاهر اللفظ وأولى منه إذا خص العام بالمشركين كما قيل ، وقد يقال : إن الآية مسوقة لبيان أخذ ميثاق سابق من جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم قبل هذه النشأة بما هو أهم الأمور والأصل الأصيل لجميع التكليفات على وجه خال مما يشبه الإكراه متضمن لإلزام المشركين المعاصرين له صلى الله عليه وسلم ورفع احتجاجهم ما كانوا بعد الإشارة إلى أخذ ميثاق من قوم مخصوصين في هذه النشأة على وجه هو أشبه الأشياء بالإكراه بما الظاهر فيه أنه من الأعمال لأن القوم إذ ذاك كانوا مقرين بالربوبية بل بها وبرسالة موسى عليه السلام فلم يكن حاجة إلى نتق الجبل فوقهم لذلك ولو قال قائل : إن ذكر ذلك خلال الآيات المتعلقة باليهود من باب الاستطراد والمناسبة فيه ظاهرة لم يبعد لكن الأول وهو الذي جرى عليه أكثر متأخري المفسرين أي واذكر لهم أو للناس إذ أخذ ربك { مِن بَنِى * ءادَمَ } المراد بهم الذين ولد لهم مؤمنين كانوا أو كفاراً نسلاً بعد نسل سوى من لم يولد له بسبب من الأسباب وتخصيصهم بأسلاف اليهود الذي أشركوا بالله تعالى حيث قالوا ما قالوا مما لا يكاد يلتفت إليه .

وإيثار الأخذ على الإخراج للإيذان بشأن المأخوذ إذ ذاك لما فيه من الأنباء عن الاجتباء والاصطفاء وهو السبب في إسناده في اسم الرب بطريق الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي ، وإضافته إلى ضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف ، وقيل : إن إيثار الأخذ على الإخراج لمناسبة ما تضمنته الآية من الميثاق فإن الذي يناسبه هو الأخذ دون الإخراج ، والتعبير بالرب لما أن ذلك الأخذ باعتبار ما يتبعه من آثار الربوبية ، واستأنس بعضهم بمغايرة أسلوب هذا الكلام بما فيه من الالتفات لما قبله من قوله سبحانه وتعالى : { وَإِذ نَتَقْنَا } [ الأعراف : 171 ] ولما بعده من قوله تعالى : { واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا } [ الأعراف : 175 ] لكونه استطرادياً ، وقوله تعالى : { مِن ظُهُورِهِمْ } بدل من بني آدم بدل البعض من الكل بتكرير الجار كما في قوله سبحانه وتعالى :

{ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ } [ الأعراف : 75 ] وقيل : بدل اشتمال وإليه ذهب أبو البقا ، ء وبينه بعضهم بأن بدل الاشتمال ما يكون بينه وبين المبدل منه ملابسة بحيث توجب النسبة إلى المتبوع النبسة إلى التابع إجمالاً نحو أعجبني زيد علمه فإنه يعلم ابتداء أن زيداً معجب باعتبار صفاته لا باعتبار ذاته وتتضمن نسبة الأعجاب إليه نسبته إلى صفة من صفاته إجمالاً ، ونسبة الأخذ الذي هو بمعنى الإخراج هنا إلى بنء آدم نسبة إلى ظهورهم إجمالاً لأنه يعمل ابتداء أن بني آدم ليسوا مأخوذين باعتبار ذواتهم بل باعتبار أجسادهم وأعضائهم وتتضمن نسبة الأخذ إليهم نسبته إلى أعضائهم إجمالاً ، وادعى أن القول به أولى من القول ببدل البعض لأن النسبة إلى المبدل منه الكل تكون تامة وتحصل بها الفائدة بدون ذكر البدل نحو أكلت الرغيف نصفه فإن النبسة تامة لو لم يذكر النصف ولا شك أن النسبة هنا ليست تامة بدون ذكر البدل . وأيضاً أن الظهور ليس بعض بني آدم حقيقة بل بعض أعضائهم ولا يخفى ما في ذلك من النظر . و { مِنْ } في الموضعين ابتدائية ، وفيه مزيد تقرير لابتنائه على البيان بعد الإبهام والتفصيل غب الإجمال ، قيل : وتنبيه على أن الميثاق قد أخذ منهم وهم في أصلاب الآباء ولم يستودعوا في أرحام الأمهات وقوله تعالى : { ذُرّيَّتُهُم } مفعول { أَخَذَ } أخر عن المفعول بواسطة الجار لاشتماله على ضمير راجع إليه فيلزم بالتقديم رجوع الضمير إلى متأخر لفظاً ورتبة وهو لا يجوز إلا في مواضع ليس هذا منها ولمراعاة أصالته ومنشئيته ولمامر غير مرة من التشويق إلى المؤخر . وقرأ نافع وأبو عمرو . وابن عامر . ويعقوب { *ذرياتهم } والمراد أولادهم على العموم ، ومن خص بني آدم بأسلاف اليهود على ما مر خص هذا بأخلافهم وفيه ما فيه ، والإشكال المشهور وهو أن كل الناس يصدق عليه بنو آدم وذريته فيتحد المخرج والمخرج منه مدفوع بظهور أن المراد إخراج الفروع من الأصول حسب ترتب الولاد ولا يتوقف التخلص عنه على القول بذلك التخصيص .

{ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } أي أشهد كل واحد من أولئك الذرية المأخوذين من ظهور آبائهم على أنفسهم لا على غيرهم تقريراً لهم بربوبيته سبحانه وتعالى التامة قائلاً لهم : { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } أي مالك أمركم ومربيكم على الإطلاق من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شؤنكم { قَالُواْ } في جوابه سبحانه وتعالى { بلى شَهِدْنَا } أي على أنفسنا بأنك ربنا لا رب لنا غيرك والمراد اقررنا بذلك ، وجاء أن القاضي شريح قال لمقر عنده شهد عليك ابن أخت خالتك ، ومن هنا قال الجلال السيوطي : إن هذه الآية أصل في الإقرار و { بلى } حرف جواب وألفها أصلية عند الجمهور ، وقال جمع : الأصل بل والألف زائدة وبعض أولئك يقول : إنها لتأنيث الكلمة كالتاء في ثمت وربت لأنها أميلت ولو لم تكن للتأنيث لكانت زائدة لمجرد التكثير كالف قبعثري وتلك لا تمال ، وتختص بالنفي فلا تقع إلا في جوابه فتفيد إبطاله سواء كان مجرداً أو مقروناً بالاستفهام حقيقياً كان أو تقريرياً ، وقد أجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ببلى كما في هذه الآية ، ولذلك قال ابن عباس وغيره لو قالوا نعم لكفروا .

ووجهه أن نعم تصديق للمختبر بنفي أو إيجاب ، ولذلك قال جماعة من الفقاء : لو قال أليس لي عليك ألف ؟ فقال : بلى لزمته ؛ ونعم لا . وقال آخرون : تلزمه فيهما وجروا فيه على مقتضى العرف لا اللغة .

ونازع السهيلي وجماعة في المحكى عن الحبر وغيره متمسكين بأن الاستفهام التقريري موجب ولذلك امتنع سيبويه من جعل { أَمْ } متصلة على ما قيل في قوله تعالى : { أَفلاَ تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ } [ الزخرف : 51 ، 52 ] فإنها لا تقع بعد الإيجاب وإذا ثبت أنه إجياب فنعم بعد الإيجاب تصديق له ، قال ابن هشام : ويشكل عليهم أن بلى لا يجاب بها الإيجاب وذلك متفق عليه و { بلى قَدْ جَاءتْكَ ءاياتى } [ الزمر : 59 ] متقدم فيه ما يدل على النفي لكن وقع في الحديث ما يقتضي أنها يجاب بها الاستفهام المجرد ففي «صحيح البخاري » أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : " أترضون أن تكونوا رفع أهل الجنة ؟ قالوا : بلى " وفي «صحيح مسلم » أنه صلى الله عليه وسلم قال : " أنت الذي لقيتني بمكة فقال له المجيب : بلى " وليس لهؤلاء أن يحتجوا بذلك لأنه قليل فلا يتخرج عليه التنزيل انتهى . وأجاب البدر الدماميني بأنه لا إشكال في الحقيقة فإن هؤلاء راعوا صورة النفي المنطوق به فيجاب ببلى حيث يراد إبطال النفي الواقع بعد الهمزة وجوزوا الجواب بنعم على أنه تصديق لمضمون الكلام جميعه الهمزة ومدخولها وهو إيجاب كما سلف ودعواه الاتفاق مناقش فيها أما إن أراد الإيجاب المجرد من النفي بالمرة فقد حكى الرضى الخلاف فيه ، وذكر أن بعضهم أجاز استعمالها بعده تمسكاً بقوله :

وقد بعدت بالوصل بيني وبينها *** بلى إن من زار القبور ليبعدا

وإن أراد ما هو الأعم حتى يشمل التقرير المصاحب للنفي فالخلاف فيه موجود مشهور ذكره هو في حرف النون انتهى ، ولا يخفى أن البيت شاذ كما صرح به الرضى ، والمذكور في بحث النون أن جماعة من المتقدمين والمتأخرين منهم الشلوبين قالوا : إنه إذا كان قبل النفي استفهام فإن كان على حقيقته فجوابه كجواب النفي المجرد وإن كان مراداً به التقرير فالأكثر أن يجاب بما يجاب به النفي رعياً للفظه ، ويجوز عند أمن اللبس أن يجاب بما يجاب به الإيجاب رعياً لمعناه وعلى ذلك قول الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم نعم وقد قال لهم : ألستم ترون لهم ذلك وقول جحدر :

أليس الليل يجمع أم عمرو *** وإيانا فداك بنا تداني

نعم وأرى الهلال كما تراه *** ويعلوها النهار كما علاني

وعلى ذلك جرى كلام سيبويه ، وقال ابن عصفور : أجرت العرب التقرير في الجواب مجرى النفي المحض وإن كان إيجاباً في المعنى فإذا قيل : ألم أعطك درهماً قيل في تصديقه : نعم وفي تكذيبه بلى ، وذلك لأن المقرر قد يوافقك فيما تدعيه وقد يخالفك فإذا قال : نعم لم يعلم هل أراد نعم لم تعطني على اللفظ أو نعم أعطيتني على المعنى فلذلك أجابوه على اللفظ ولم يلتفتوا إلى المعنى . وأما نعم في بيت جحدر فجواب لغير مذكور وهو ما قدره اعتقاده من أن الليل يجمعه وأم عمرو وجاز ذلك لأمن اللبس لعلمه أن كل أحد يعلم أن الليل يجمعه مع أن عمرو ، أو هو جواب لقوله : وأرى الهلال قدم عليه وأما قول الأنصار : فجاز لأمن الليس لأنه قد علم أنهم يريدون نعم يعرف لهم ذلك ، وعلى هذا يحمل استعماله سيبويه لها بعد التقرير انتهى .

والأحسن أن تكون نعم في البيت جواباً لقوله : فذاك بنا تداني ، ثم قال ابن هشام : ويتحرر على هذا أنه لو أجيب { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } بنعم لم يكف في الإقرار لأنه سبحانه وتعالى أوجب في الإقرار بما يتعلق بالربوبية ما لا يحتمل غير المعنى المراد من المقر ، ولهذا لا يدخل في الإسلام بقوله لا إله إلا الله برفع إله لاحتماله لنفي الوحدة ، ولعل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنما قال : إنهم لو قالوا : نعم لم يكن إقراراً وافياً ، وجوز الشلوبين أن يكون مراده رضي الله تعالى عنه أنهم لو قالوا نعم جواباً للملفوظ على ما هو الأفصح لكان كفراً إذ لأصل تطابق السؤال والجواب لفظاً ، وفيه نظر لأن التكفير لا يكون بالاحتمال ، والكلام عند جمع تمثيل لخلقه تعالى الخلق جميعاً في مبدأ الفطرة مستعدين للاستدلال بالأدلة الآفاقية والأنفسية المؤدية إلى التوحيد كما نطق به قوله صلى الله عليه وسلم :

كل مولود يولد على الفطرة *** الحديث مبني على تشبيه الهيئة المنتزعة من تعريضه سبحانه وتعالى إياهم لمعرفة ربوبيته ووحدانيته بعد تمكينهم منها بما ركز فيهم من العقول والبصائر ونصب لهم في الآفاق والأنفس من الدلائل تمكيناً تاماً ومن تمكنهم منها تمكناً كاملاً وتعرضهم لها تعرضاً قوياً بهيئة منتزعة من حمله تعالى إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمر ومن مسارعتهم إلى ذلك من غير تلعثم أصلاً من غير أن يكون هناك أخذ وإشهاد وسؤال وجواب ، ونظير ذلك في قول ما في قوله سبحانه وتعالى :

{ فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] ومن ذلك سائر ما يحكى عن الحيوان والجماد كقوله :

شكا إلى جملي طول السري *** مهللاً رويداً فكلانا مبتلي

وقوله :

امتلأ الحوض وقال قطني *** مهلاً رويداً قد ملأت بطني

وجعلوا قوله سبحانه وتعالى : { أَن تَقُولُواْ } من تلوين الخطاب وصرفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاصريه من اليهود تشديداً في الإلزام أو إليهم إلى متقدميهم بطريق التغليب وهو مفعول له لما قبله من الأخذ والإشهاد أو لمقدر يدل عليه ذلك ، والمعنى على ما يقول البصريون : فعلنا مافعلنا كراهة أن تقولوا وعلى ما يقول الكوفوين : لئلا تقولوا { يَوْمُ القيامة } عند ظهور الأمر وإحاطة العذاب بمن أشرك { إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا } أي وحدنية الربوبية { غافلين } لم ننبه عليه ، وإنما لم يسعهم هذا الاعتذار حينئذ على ما قيل لأنهم نبوا بنصب الأدلة وجعلوا متهيئين تهيأ تاماً لتحقيق الحق وإنكار ذلك مكابرة فكيف يمكنهم أن يقولوا ذلك .

( هذا ومن باب الإشارة ) :والكلام على قوله سبحانه : { وَإِذْ أَخَذَ } ربك الخ من هذا الباب يغني عنه ما ذكرناه خلال تفسيره من كلام أهل الله تعالى قدس الله تعالى أسرارهم خلا أنه ذكر بعضهم أن أول ذرة أجابت ببلى ذرة النبي صلى الله عليه وسلم وكذا هي أول مجيب من الأرض لما خاطب الله سبحانه السموات والأرض بقوله جل وعلا : { ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] وكانت من تربة الكعبة وهي أول ما خلق من الأرض ومنها دحيت كما جاء عن ابن عباس رض الله تعالى عنهما ، وكان يقتضي ذلك أن يكون مدفنه صلى الله عليه وسلم بمكة حيث كانت تربته الشريفة منها ، وقد رووا أن المرء يدفن حيث كانت تربته ، ولكن قيل : إن الماء لما تموج رمى الزبد إلى النواحي فوقعت درة ذرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يحاذي مدفنه الكريم بالمدينة ، ويستفاد من هذا الكلام أنه عليه الصلاة والسلام هو الأصل في التكوين والكائنات تبع له صلى الله عليه وسلم قل : ولكون ذرته أم الخليقة سمي أمياً ، وذكر بعضهم أن الباء لكونه أول حرف فتحت الذرة به فمها حين تكلمت لم تزل الأطفال في هذه النشأة ينطقون به في أول أمرهم ولا بدع فكل مولود يولد على الفطرة ، قيل : ولعظم ما أودع الله سبحانه وتعالى في الباء من الأسرار افتتح الله تعالى به كتابه بل افتتح كل سورة به لتقدم البسملة المفتتحة به على كل سورة ما عدا التوبة وافتتاحها ببراءة وأول هذه اللفظة الباء أيضاً ، ولكون الهمزة وتسمى ألفاً أول حرف قرع أسماعهم في ذلك المشهد كان أول الحروف لكنه لم يظهر في البسملة لسر أشرنا إليه أول الكتاب والله تعالى الهادي إلى صوب الصواب .