مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّـٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (176)

وقوله : { ولو شئنا لرفعناه بها } قال أصحابنا معناه : ولو شئنا رفعناه للعمل بها ، فكان يرفع بواسطة تلك الأعمال الصالحة منزلته ، ولفظة ( لو ) تدل على انتفاء الشيء ، لانتفاء غيره ، فهذا يدل على أنه تعالى قد لا يريد الإيمان ، وقد يريد الكفر . وقالت المعتزلة : لفظ الآية يحتمل وجوها أخرى سوى هذا الوجه . فالأول : قال الجبائي معناه : ولو شئنا لرفعناه بأعماله ، بأن نكرمه ، ونزيل التكليف عنه ، قبل ذلك الكفر حتى نسلم له الرفعة ، لكنا رفعناه بزيادة التكليف بمنزلة زائدة ، فأبى أن يستمر على الإيمان . الثاني : لو شئنا لرفعناه ، بأن نحول بينه وبين الكفر ، قهرا وجبرا ، إلا أن ذلك ينافي التكليف . فلا جرم تركناه مع اختياره .

والجواب عن الأول : أن حمل الرفعة على الإماتة بعيد ، وعن الثاني : أنه تعالى إذا منعه منه قهرا ، لم يكن ذلك موجبا للثواب والرفعة .

ثم قال تعالى : { ولكنه أخلد إلى الأرض } قال أصحاب العربية : أصل الإخلاد اللزوم على الدوام ، وكأنه قيل : لزم الميل إلى الأرض ، ومنه يقال : أخلد فلان بالمكان ، إذا لزم الإقامة به . قال مالك بن سويد :

بأبناء حي من قبائل مالك *** وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا

قال ابن عباس : { ولكنه أخلد إلى الأرض } يريد مال إلى الدنيا ، وقال مقاتل : بالدنيا ، وقال الزجاج : سكن إلى الدنيا . قال الواحدي : فهؤلاء فسروا الأرض في هذه الآية بالدنيا ، وذلك لأن الدنيا هي الأرض ، لأن ما فيها من العقار والضياع وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان مستخرج من الأرض ، وإنما يقوى ويكمل بها ، فالدنيا كلها هي الأرض ، فصح أن يعبر عن الدنيا بالأرض ، ونقول : لو جاء الكلام على ظاهره لقيل لو شئنا لرفعناه ، ولكنا لم نشأ ، إلا أن قوله : { ولكنه أخلد إلى الأرض } لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه قوله : { واتبع هواه } معناه : أنه أعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات واتبع الهوى ، فلا جرم وقع في هاوية الردى ، وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم ، وذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته وبيناته ، وعلمه الاسم الأعظم ، وخصه بالدعوات المستجابة ، لما اتبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب ، وذلك يدل على أن كل من كانت نعم الله في حقه أكثر ، فإذا أعرض عن متابعة الهدى وأقبل على متابعة الهوى ، كان بعده عن الله أعظم ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : «من ازداد علما ، ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعدا » أو لفظ هذا معناه .

ثم قال تعالى : { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } قال الليث : اللهث هو أن الكلب إذا ناله الإعياء عند شدة العدو وعند شدة الحر ، فإنه يدلع لسانه من العطش .

واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب ، وإنما وقع بالكلب اللاهث ، وأخس الحيوانات هو الكلب ، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث ، فمن آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا ، وأخلد إلى الأرض ، كان مشبها بأخس الحيوانات ، وهو الكلب اللاهث ، وفي تقرير هذا التمثيل وجوه : الأول : أن كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في حال الإعياء ، وفي حال الراحة ، وفي حال العطش ، وفي حال الري ، فكان ذلك عادة منه وطبيعة ، وهو مواظب عليه كعادته الأصلية ، وطبيعته الخسيسة ، لا لأجل حاجة وضرورة ، فكذلك من آتاه الله العلم والدين أغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس ، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا ، ويلقي نفسه فيها ، كانت حاله كحال ذلك اللاهث ، حيث واظب على العمل الخسيس ، والفعل القبيح ، لمجرد نفسه الخبيثة . وطبيعته الخسيسة ، لا لأجل الحاجة والضرورة . والثاني : أن الرجل العالم إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا ، فذاك إنما يكون لأجل أنه يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها ، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات ، وتقرير تلك العبارات يدلع لسانه ، ويخرجه لأجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا ، فكانت حالته شبيهة بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبدا من غير حاجة ولا ضرورة ، بل بمجرد الطبيعة الخسيسة والثالث : أن الكلب اللاهث لا يزال لهثة البتة ، فكذلك الإنسان الحريص لا يزال حرصه البتة .

أما قوله تعالى : { إن تحمل عليه يلهث } فالمعنى أن هذا الكلب إن شد عليه وهيج لهث وإن ترك أيضا لهث ، لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له ، فكذلك هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال ، وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسارة عادة أصلية وطبيعية ذاتية له .

فإن قيل : ما محل قوله : { إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } .

قلنا : النصب على الحال ، كأنه قيل كمثل الكلب ذليلا لاهثا في الأحوال كلها .

ثم قال تعالى : { ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } فعم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات الله قال ابن عباس : يريد أهل مكة كانوا يتمنون هاديا يهديهم وداعيا يدعوهم إلى طاعة الله ، ثم جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته فكذبوه ، فحصل التمثيل بينهم وبين الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث لأنهم لم يهتدوا لما تركوا ولم يهتدوا لما جاءهم الرسول فبقوا على الضلال في كل الأحوال مثل هذا الكلب الذي بقي على اللهث في كل الأحوال .

ثم قال : { فاقصص القصص } يريد قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم { لعلهم يتفكرون } يريد يتعظون .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّـٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (176)

172

ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد . . إذا نحن بهذا المخلوق ، لاصقا بالأرض ، ملوثا بالطين . ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب ، يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد . . كل هذه المشاهد المتحركة تتتابع وتتوالى ؛ والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثر . . فإذا انتهى إلى المشهد الأخير منها . . مشهد اللهاث الذي لا ينقطع . سمع التعليق المرهوب الموحي ، على المشهد كله :

( ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون . ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ) . .

ذلك مثلهم ! فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم . ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخاً . ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان ، هابطون عن مكان " الإنسان " إلى مكان الحيوان . . مكان الكلب الذي يتمرغ في الطين . . وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى عليين ؛ وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم ، فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّـٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ} (176)

{ وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا } كلام مستأنف مسوق لبيان ما ذكر من الانسلاخ وما يتبعه ، وضمير { *رفعناه } للذي وضمير { بِهَا } للآيات ، والباء سببية ، ومفعول المشيئة محذوف هو مضمون الجزاء كما هو القاعدة المستمرة ، أي لو شئنا رفعه لرفعناه إلى منازل الأبرار بسبب تلك الآيات والعمل بما فيها ؛ وقيل : الضمير المنصوب للكفر المفهوم من الكلام السابق ، أي لو شئنا لأزلنا الكفر بالآيات ، فالرفع من قولهم : رفع الظلم عنا وهو خلاف الظاهر جداً وإن روي عن مجاهد ، ومثله بل أبعد وأبعد ما نقل عن البلخي . والزجاج من إرجاع ضمير بها للمعصية .

{ ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الارض } أي ركن إلى الدنيا ومال إليها ، وبذلك فسره السدي . وابن جبير ، وأصل الإخلاد اللزوم للمكان من الخلود ، ولما في ذلك من الميل فسر به ، وتفسير الأرض بالدنيا لأنها حاوة لملاذها وما يطلب منها .

وقال الراغب : المعنى ركن إلى الأرض ظاناً أنه مخلد فيها ، وفسر غير واحد الأرض بالسفالة { واتبع } في إيثار الدنيا وأعرض عن مقتضى تلك الآيات الجليلة ، وفي تعليق الرفع بالمشيئة ثم الاستدراك عنه بفعل العبد تنبيه كما قال ناصر الدين : على أن المشيئة سبب لفعله المؤدى إلى رفعه وأن عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه ، وأن السبب الحقيقي هو المشيئة ؛ وأن ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة ف حصول المسبب من حيث إن المشيئة تعلقت به كذلك ، وكان من حقه كما قال أن يقول : ولكنه أعرض عنها ، فأوقع موقعه ما ذكر مبالغة لأنه كناية عنه والكناية أبلغ من التصريح ، وتنبيهاً على ما حمله عليه وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة ، وما ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه تعالى ونسبة الانسلاخ والإخلاد إلى العبد مع أن الكل من الله تعالى إذ فه من تعليم العباد حسن الأدب ما فيه ، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم : " اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك " . والزمخشري لما رأى أن ظاهر الآية مخالف لمذهبه دال على وقوع الكائنات بمشيئة الله تعالى أخلد إلى التأويل ، فجعل المشيئة مجازاً عن سببها وهو لزوم العمل بالآات بقرينة الاستدراك بما هو فعل العبد المقابل للزوم الآيات وهو الإخلاد إلى الأرض ، أي ولو لزمها لرفعناه وهو من قبيل نزع الخف قبل الوصول إلى الماء والمصير إلى المجاز قبل أوانه لجواز أن يكون { لَوْ * شِئْنَا } باقياً على حقيقته و { أَخْلَدَ إِلَى الارض } مجازاً عن سببه الذي هو عدم مشيئة الرفع بل الإخلاد ، ولم عتمد على عكازته لفوت المقابلة حينئذٍ ، وفي «الكشف » أن حمل المشيئة على ما هي مسببة عنه في زعمه ليس أولى من حمل الإخلاد على ما هو مسبب عنه في زعمنا كيف وقوله سبحانه وتعالى : { وَلَوْ شِئْنَا } استدراك لقوله :

{ فانسلخ مِنْهَا } [ الأعراف : 175 ] على أن الإخلاد هو الميل ، والإرادة والميل ونحوهما من المعاني ليست من أفعال العباد بالاتفاق نعم الجزم المقارن من فعل القلب فعل القلب عندهم ، ثم قوله سبحانه وتعالى : { مَن يَهْدِ الله } [ الأعراف : 178 ] وقوله تعالى : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا } [ الأعراف : 179 ] يؤكدان ما عليه أهل السنة أبلغ تأكيد ولكن الزمخشري لا يعبأ بذلك( {[297]} ) { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب } وهو الحيوان المعروف وجمعه أكلب وكلاب وكلابات كما قال ابن سيده وكليب كعبيد وهو قليل ويجمع أكلب على أكالب ؛ وبه يضرب المثل في الخساسة لأنه يأكل العذرة ويرجع في قيئه والجيفة أحب إليه من اللحم الغريض( {[298]} ) نعم هو أحسن من الرجل السوء ، ومما ينسب إلى الشافعي رضي الله تعالى عنه :

ليت الكلاب لنا كانت مجاورة *** وليتنا ما نرى ممن نرى أحداً

إن الكلاب لتهدأ في مرابضها *** والناس ليس بهاد شرهم أبداً

وفي شعب الإيمان للبيهقي عن الفقيه منصور أنه كان نشد لنفسه :

الكلب أحسن عشرة *** وهو النهاية في الخساسة

ممن ينازع في الريا *** سة قبل أوقات الرياسة

والمثل بمعنى الصفة كما قال غير واحد فصفته كصفة الكلب ، وقيل المراد أنه كالكلب في الخسة { إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ } أي شددت عليه وطردته { يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ } على حاله { يَلْهَثْ } أي أنه دائم اللهث على كل حال ، واللهث ادلاع اللسان بالنفس الشديد وذلك طبع في الكلب لا يقدر على نغص الهواء المتسخن وجلب الهواء البارد بسهولة لضعف قلبه وانقطاع فؤاده بخلاف سائر الحيوانات فإنها لا تحتاج إلى النفس الشديد ولا يلحقها الكرب والمضايقة إلا عند التعب والإعياء ، وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية بأن يقال : فصار مثله كمثل الخ للإيذان بدوام اتصافه بتلك الحالة الخسيسة وكمال استمراره عليها ، والخطاب في فعلي الشرط لكل أحد ممن له حظ من الخطاب فإنه أدخل في إشاعة فظاعة حاله ، والجملتان الشرطيتان قيل لا محل لهما من الإعراب لأنهما تفصيل لما أجمل في المثل وتفسير لما أبهم فيه ببيان وجه الشبه على منهاج قوله تعالى : { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ آل عمران : 59 ] أثر قوله سبحانه وتعالى : { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ } [ آل عمران : 59 ] وقيل : إنهما ف محل النصب على الحالية من الكلب بناءً على تحولهما إلى معنى التسوية كما تحول الاستفهام إلى ذلك في قوله تعالى : { سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } [ البقرة : 6 ] كأنه قيل لاهثاً في الحالين ، والجملة الشرطة كما قدمنا تقع حالاً مطلقاً ، وقال صاحب الضوء : إنها لا تكاد تقع كذلك بتمامها بل إذا أريد وقوعها حالاً جعلت خبراً عن ذي الحال نحو جاءني زيد وهو أن تسأله يعطك فتجعل جملة اسمية مع الواو لأن الشرط لصدارته لا يكاد يرتبط بما قبله إلا أن يكون هناك فضل قوة .

نعم جوز إذا أخرجتها عن حقيقتها سواء عطف عليها النقيض وحينئذٍ يجب ترك الواو كما فيما نحن فيه أو لم يعطف وحينئذٍ يجب الواو لئلا يحصل الالتباس بالشرط الحقيقي نحو آتيك وإن لم تأتني ، والتشبيه قيل من تشبيه المفرد بالمفرد ، وقيل وعليه كثير من المحققين أنه تشبيه للهيئة المنتزعة مما عراه بعد الانسلاخ من سوء الحال واضطرام القلب ودوام القلق والاضطراب وعدم الاستراحة بحال من الأحوال بالهيئة المنتزعة مما ذكر ف حال الكلب ، وجاء وقد أشرنا إليه سابقاً أن بلعام لما دعا على موسى عليه السلام خرج لسانه فتدلى على صدره وجعل يلهث كالكلب إلى أن هلك فوجه الشبه إما عقلي أو حسي { ذلك } إشارة إلى وصف الكلب أو المنسلخ من الآيات وما فيه من الإيذان بالبعد لما مر غير مرة .

/ { مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ * باياتنا } يريد كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله تعالى ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وأمانته كذبوه وأعرضوا عن الآيات ولم يؤمنوا بها أو اليهود كما قال غير واحد حيث قرأوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه فصدقوه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فانسلخوا من حكم التوراة أو الأعم من هؤلاء وهؤلاء من كل من اتصف بهذا العنوان كما في الخازن وبه أقول ، ويدخل اليهود في ذلك دخولاً أولياً { فاقصص القصص } القصص مصدر سمي به المفعول كالسلب ، واللام فيه للعهد ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي إذا تحقق أن المثل المذكور مثل هؤلاء المكذبين فاقصص ذلك عليهم { لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فينزجرون عما هم عليه من الكفر والضلال ، والجملة في موضع الحال من ضمير المخاطب أو في موضع المفعول له أي فاقصص راجياً لتفكرهم أو رجاءاً لتفكرهم .


[297]:- لطافته لا تخفى على إنسان اهـ منه.
[298]:- هو بالغين المعجمة ما لان من اللحم أي الطري.