قوله تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون }
اعلم أنه تعالى لما وصف المخلوقين لجهنم بقوله : { أولئك هم الغافلون } أمر بعده بذكر الله تعالى فقال : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } وهذا كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله . والمخلص عن عذاب جهنم هو ذكر الله تعالى وأصحاب الذوق والمشاهدة يجدون من أرواحهم أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن ذكر الله ، وأقبل على الدنيا وشهواتها وقع في باب الحرص وزمهرير الحرمان ، ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى طلب ، ومن ظلمة إلى ظلمة ، فإذا انفتح على قلبه باب ذكر الله ومعرفة الله تخلص عن نيران الآفات وعن حسرات الخسارات ، واستشعر بمعرفة رب الأرض والسموات وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : { ولله الأسماء الحسنى } مذكور في سور أربعة : أولها : هذه السورة . وثانيها : في آخر سورة بني إسرائيل في قوله : { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى }
وثالثها : في أول طه وهو قوله : { الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } ورابعها : في آخر الحشر وهو قوله : { هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى } .
إذا عرفت هذا فنقول : { الأسماء } ألفاظ دالة على المعاني فهي إنما تحسن بحسن معانيها ومفهوماتها ، ولا معنى للحسن في حق الله تعالى إلا ذكر صفات الكمال ونعوت الجلال ، وهي محصورة في نوعين : عدم افتقاره إلى غيره ، وثبوت افتقار غيره إليه .
واعلم أن لنا في تفسير أسماء الله كتابا كبيرا كثير الدقائق شريف الحقائق سميناه «بلوامع البينات في تفسير الأسماء والصفات » ، من أراد الاستقصاء فيه فليرجع إليه ، ونحن نذكر ههنا لمعا ونكتا منها . فنقول : إن أسماء الله يمكن تقسيمها من وجوه كثيرة .
الوجه الأول : أن نقول : الاسم إما أن يكون اسما للذات ، أو لجزء من أجزاء الذات ، أو لصفة خارجة عن الذات قائمة بها . أما اسم الذات فهو المسمى بالاسم الأعظم ، وفي كشف الغطاء عما فيه من المباحثات أسرار . وأما اسم جزء الذات فهو في حق الله تعالى محال ، لأن هذا إنما يفعل في الذات المركبة من الأجزاء ، وكل ما كان كذلك فهو ممكن ، فواجب الوجود يمتنع أن يكون له جزء .
وأما اسم الصفة فنقول : الصفة إما أن تكون حقيقية أو إضافية أو سلبية ، أو ما يتركب عن هذه الثلاثة ، وهي أربعة ، لأنه إما أن يكون صفة حقيقية مع إضافة أو مع سلب أو صفة سلبية مع إضافة أو مجموع صفة حقيقية وإضافة وسلبية . أما الصفة الحقيقية العارية عن الإضافة فكقولنا موجود عند من يقول : الوجود صفة ، أو قولنا واحد ، عند من يقول : الوحدة صفة ثانية ، وكقولنا حي ، فإن الحياة صفة حقيقية عارية عن النسب والإضافات ، وأما الصفة الإضافية المحضة فكقولنا : مذكور ومعلوم ، وأما الصفة السلبية ، فكقولنا : القدوس السلام . وأما الصفة الحقيقية مع الإضافة ، فكقولنا : عالم وقادر ، فإن العلم صفة حقيقية ، وله تعلق بالمعلوم والقادر ، فإن القدرة صفة حقيقية ، ولها تعلق بالمقدور ، وأما الصفة الحقيقية مع السلبية . فكقولنا : قديم أزلي ، لأنه عبارة عن موجود لا أول له . وأما الصفة الإضافية مع السلبية ، فكقولنا : أول . فإنه هو الذي سبق غيره وما سبقه غيره ، وأما الصفة الحقيقية مع الإضافة والسلب ، فكقولنا : حكيم ، فإنه هو الذي يعلم حقائق الأشياء ، ولا يفعل ما لا يجوز فعله فصفة العلم صفة حقيقية ، وكون هذه الصفة متعلقة بالمعلومات ، نسب وإضافات ، وكونه غير فاعل لما لا ينبغي سلب .
إذا عرفت هذا فنقول : السلوب ، غير متناهية ، والإضافات أيضا غير متناهية ، فكونه خالقا للمخلوقات صفة إضافية ، وكونه محييا ومميتا إضافات مخصوصة ، وكونه رازقا أيضا إضافة أخرى مخصوصة . فيحصل بسبب هذين النوعين من الاعتبارات أسماء لا نهاية لها لله تعالى ، لأن مقدوراته غير متناهية ، ولما كان لا سبيل إلى معرفة كنه ذاته ، وإنما السبيل إلى معرفته بمعرفة أفعاله فكل من كان وقوفه على أسرار حكمته في مخلوقاته أكثر ، كان علمه بأسماء الله أكثر . ولما كان هذا بحرا لا ساحل له ولا نهاية له ، فكذلك لا نهاية لمعرفة أسماء الله الحسنى .
النوع الثاني : في تقسيم أسماء الله ما قاله المتكلمون : وهو أن صفات الله تعالى ثلاثة أنواع : ما يجب ، ويجوز ، ويستحيل على الله تعالى . ولله تعالى بحسب كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أسماء مخصوصة .
والنوع الثالث : في تقسيم أسماء الله أن صفات الله تعالى إما أن تكون ذاتية ، أو معنوية ، أو كانت من صفات الأفعال .
والنوع الرابع : في تقسيم أسماء الله تعالى إما أن يجوز إطلاقها على غير الله تعالى ، أو لا يجوز ، أما القسم الأول ؛ فهو كقولنا : الكريم الرحيم العزيز اللطيف الكبير الخالق ، فإن هذه الألفاظ يجوز إطلاقها على العباد ، وإن كان معناها في حق الله تعالى مغايرا لمعناها في حق العباد . وأما القسم الثاني فهو كقولنا : الله الرحمن . أما القسم الأول : فإنها إذا قيدت بقيود مخصوصة صارت بحيث لا يمكن إطلاقها إلا في حق الله تعالى كقولنا : يا أرحم الراحمين ، ويا أكرم الأكرمين ، ويا خالق السموات والأرضين .
النوع الخامس : في تقسيم أسماء الله أن يقال : من أسماء الله ما يمكن ذكره وحده ، كقولنا : يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم ، ومنها ما لا يكون كذلك ، كقولنا : مميت وضار ، فإنه لا يجوز إفراده بالذكر ، بل يجب أن يقال : يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع .
النوع السادس : في تقسيم أسماء الله تعالى أن يقال : أول ما يعلم من صفات الله تعالى كونه محدثا للأشياء مرجحا لوجودها على عدمها ، وذلك لأنا إنما نعلم وجوده سبحانه بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه ، فإذا دل الدليل على أن هذا العالم المحسوس ممكن الوجود والعدم لذاته ، قضى العقل بافتقاره إلى مرجح يرجح وجوده على عدمه ، وذلك المرجح ليس إلا الله سبحانه ، فثبت أن أول ما يعلم منه تعالى هو كونه مرجحا ومؤثرا ، ثم نقول ذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة ، والأول باطل ، وإلا لدام العالم بدوامه ، وذلك باطل ، فبقي أنه إنما رجح على سبيل الصحة وكونه مرجحا على سبيل الصحة ، ليس إلا كونه تعالى قادرا ، فثبت أن المعلوم منه بعد العلم بكونه مرجحا ، هو كونه قادرا . ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالما ، ثم إنا إذا علمنا كونه تعالى قادرا عالما ، وعلمنا أن العالم القادر يمتنع أن يكون إلا حيا ، علمنا من كونه قادرا عالما ، كونه حيا . فظهر بهذا أنه ليس العلم بصفاته تعالى وبأسمائه واقعا في درجة واحدة ، بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { ولله الأسماء الحسنى } يفيد الحصر ، ومعناه أن الأسماء الحسنى ليست إلا لله تعالى ، والبرهان العقلي قد يدل على صحة هذا المعنى ، وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته ، وإما ممكن لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الواحد وهو الله سبحانه ، وأما ما سوى ذلك الواحد ، فهو ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته ، فهو محتاج في ماهيته وفي وجوده وفي جميع صفاته الحقيقية والإضافية والسلبية إلى تكوين الواجب لذاته ، ولولاه لبقي على العدم المحض والسلب الصرف ، فالله سبحانه كامل لذاته ، وكمال كل ما سواه فهو حاصل بجوده وإحسانه ، فكل كمال وجلال وشرف ، فهو له سبحانه بذاته ولذاته وفي ذاته ، ولغيره على سبيل العارية ، والذي لغيره من ذاته ، فهو الفقر والحاجة والنقصان والعدم ، فثبت بهذا البرهان البين أن الأسماء الحسنى ليست إلا لله ، والصفات الحسنى ليست إلا لله ، وأن كل ما سواه ، فهو غرق في بحر الفناء والنقصان .
المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أن أسماء الله ليست إلا لله ، والصفات الحسنى ليست إلا لله ، فيجب كونها موصوفة بالحسن والكمال فهذا يفيد أن كل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله سبحانه ، وعند هذا نقل عن جهم بن صفوان أنه قال : لا أطلق على ذات الله تعالى اسم الشيء . قال : لأن اسم الشيء يقع على أخس الأشياء وأكثرها حقارة وأبعدها عن درجات الشرف ، وإذا كان كذلك وجب القطع بأنه لا يفيد في المسمى شرفا ورتبة وجلالة .
وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بمقتضى هذه الآية أن أسماء الله يجب أن تكون دالة على الشرف والكمال ، وثبت أن اسم الشيء ليس كذلك فامتنع تسمية الله بكونه شيئا . قال ومعاذ الله أن يكون هذا نزاعا في كونه في نفسه حقيقة وذاتا وموجودا ، إنما النزاع وقع في محض اللفظ ، وهو أنه هل يصح تسميته بهذا اللفظ أم لا ؟ فأما قولنا إنه منشئ الأشياء ، فهو اسم يفيد المدح والجلال والشرف ، فكان إطلاق هذا الاسم على الله حقا ، ثم أكد هذه الحجة بأنواع أخر من الدلائل . فالأول : قوله تعالى : { ليس كمثله من شيء } معناه ليس مثل مثله شيء ، ولا شك أن عين الشيء مثل لمثل نفسه . فلما ثبت بالعقل أن كل شيء فهو مثل مثل نفسه ، ودل الدليل القرآني على أن مثل مثل الله ليس بشيء ، كان هذا تصريحا بأنه تعالى غير مسمى باسم الشيء ، وليس لقائل أن يقول «الكاف » في قوله : { ليس كمثله } حرف زائد لا فائدة فيه ، لأن حمل كلام الله على اللغو والعبث وعدم الفائدة بعيد .
الحجة الثانية : قوله تعالى : { خالق كل شيء } ولو كان تعالى داخلا تحت اسم الشيء لزم كونه تعالى خالقا لنفسه وهو محال . لا يقال هذا عام دخله التخصيص ، لأنا نقول هذا كلام لا بد من البحث عنه فنقول : ثبت بحسب العرف المشهور أنهم يقيمون الأكثر مقام الكل ، ويقيمون الشاذ النادر مقام العدم .
إذا ثبت هذا فنقول : إنه إذا حصل الأكثر الأغلب وكان الغالب الشاذ الخارج نادرا ، ألحقوا ذلك الأكثر بالكل ، وألحقوا ذلك النادر بالمعدوم ، وأطلقوا لفظ الكل عليه ، وجعلوا ذلك الشاذ النادر من باب تخصيص العموم .
وإذا عرفت هذا فنقول : إن بتقدير أن يصدق على الله تعالى اسم الشيء كان أعظم الأشياء هو الله تعالى ، وإدخال التخصيص في مثل هذا المسمى يكون من باب الكذب ، فوجب أن يعتقد أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء حتى لا يلزمنا هذا المحذور .
الحجة الثالثة : هذا الاسم ما ورد في كتاب الله ولا سنة رسوله ، وما رأينا أحدا من السلف قال في دعائه يا شيء ، فوجب الامتناع منه ، والدليل على أنه غير وارد في كتاب الله أن الآية التي يتوهم اشتمالها على هذا الاسم قوله تعالى : { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم } وقد بينا في سورة الأنعام أن هذه الآية لا تدل على المقصود ، فسقط الكلام فيه .
فإن قال قائل : فقولنا : موجود ومذكور وذات ومعلوم ، ألفاظ لا تدل على الشرف والجلال فوجب أن تقولوا إنه لا يجوز إطلاقها على الله تعالى . فنقول : الحق في هذا الباب التفصيل ، وهو أنا نقول : ما المراد من قولك : إنه تعالى شيء ، وذات ، وحقيقة ؟ إن عنيت أنه تعالى في نفسه ذات وحقيقة وثابت وموجود وشيء ، فهو كذلك من غير شك ولا شبهة ، وإن عنيت به أنه هل يجوز أن ينادى بهذه الألفاظ أم لا ؟ فنقول لا يجوز . لأنا رأينا السلف يقولون : يا الله يا رحمن يا رحيم إلى سائر الأسماء الشريفة ، وما رأينا ولا سمعنا أن أحدا يقول : يا ذات يا حقيقة يا مفهوم ويا معلوم ، فكان الامتناع عن مثل هذه الألفاظ في معرض النداء والدعاء واجبا لله تعالى . والله أعلم .
المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } يدل على أنه تعالى حصلت له أسماء حسنة ، وأنه يجب على الإنسان أن يدعو الله بها ، وهذا يدل على أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية . ومما يؤكد هذا أنه يجوز أن يقال : يا جواد ، ولا يجوز أن يقال : يا سخي ، ولا أن يقال يا عاقل يا طبيب يا فقيه ، وذلك يدل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية .
المسألة الخامسة : دلت الآية على أن الاسم غير المسمى لأنها تدل على أن أسماء الله كثيرة لأن لفظ الأسماء لفظ الجمع ، وهي تفيد الثلاثة فما فوقها ، فثبت أن أسماء الله كثيرة ولا شك أن الله واحد ، فلزم القطع بأن الاسم غير المسمى وأيضا قوله : { ولله الأسماء الحسنى } يقتضي إضافة الأسماء إلى الله ، وإضافة الشيء إلى نفسه محال . وأيضا فلو قيل : ولله الذوات لكان باطلا . ولما قال : { ولله الأسماء } كان حقا وذلك يدل على أن الاسم غير المسمى .
المسألة السادسة : قوله : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } يدل على أن الإنسان لا يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى ، وهذه الدعوة لا تتأتى إلا إذا عرف معاني تلك الأسماء ، وعرف بالدليل أن له إلها وربا خالقا موصوفا بتك الصفات الشريفة المقدسة ، فإذا عرف بالدليل ذلك فحينئذ يحسن أن يدعو ربه بتلك الأسماء والصفات ، ثم إن لتلك الدعوة شرائط كثيرة مذكورة بالاستقصاء في كتاب «المنهاج » لأبي عبد الله الحليمي ، وأحسن ما فيه أن يكون مستحضرا لأمرين : أحدهما : عزة الربوبية . والثانية : ذلة العبودية . فهناك يحسن ذلك الدعاء ويعظم موقع ذلك الذكر . فأما إذا لم يكن كذلك كان قليل الفائدة ، وأنا أذكر لهذا المعنى مثالا ، وهو أن من أراد أن يقول في تحريمة صلاته الله أكبر ، فإنه يجب أن يستحضر في النية جميع ما أمكنه من معرفة آثار حكمة الله تعالى في تخليق نفسه وبدنه وقواه العقلية والحسية أو الحركية ، ثم يتعدى من نفسه إلى استحضار آثار حكمة الله في تخليق جميع الناس ، وجميع الحيوانات ، وجميع أصناف النبات والمعادن ، والآثار العلوية من الرعد والبرق والصواعق التي توجد في كل أطراف العالم ، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق الأرضين والجبال والبحار والمفاوز ، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق طبقات العناصر السفلية والعلوية ، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق أطباق السموات على سعتها وعظمها ، وفي تخليق أجرام النيرات من الثوابت والسيارات ، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق الكرسي وسدرة المنتهى ، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق العرش العظيم المحيط بكل هذه الموجودات ، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق الملائكة من حملة العرش والكرسي وجنود عالم الروحانيات ، فلا يزال يستحضر من هذه الدرجات والمراتب أقصى ما يصل إليه فهمه وعقله وذكره وخاطره وخياله ، ثم عند استحضار جميع هذه الروحانيات والجسمانيات على تفاوت درجاتها وتباين منازلها ومراتبها ، ويقول الله أكبر ، ويشير بقوله –الله- إلى الموجود الذي خلق هذه الأشياء وأخرجها من العدم إلى الوجود ، ورتبها بما لها من الصفات والنعوت ، وبقوله –أكبر- أي أنه لا يشبه لكبريائه وجبروته وعزه وعلوه وصمديته هذه الأشياء بل هو أكبر من أن يقال : إنه أكبر من هذه الأشياء . فإذا عرفت هذا المثال الواحد فقس الذكر الحاصل مع العرفان والشعور ، وعند هذا ينفتح على عقلك نسمة من الأسرار المودعة تحت قوله : { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } .
أما قوله تعالى : { وذروا الذين يلحدون في أسمائه } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة { يلحدون } ووافقه عاصم والكسائي في النحل . قال الفراء : { يلحدون } و{ يلحدون } لغتان : يقال : لحدت لحدا وألحدت ، قال أهل اللغة : معنى الإلحاد في اللغة الميل عن القصد . قال ابن السكيت : الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه . يقال : قد ألحد في الدين ولحد ، وقال أبو عمرو من أهل اللغة : الإلحاد : العدل عن الاستقامة والانحراف عنها . ومنه اللحد الذي يحفر في جانب القبر . قال الواحدي رحمه الله : والأجود قراءة العامة لقوله تعالى : { ومن يرد فيه بإلحاد } والإلحاد أكثر في كلامهم لقولهم : ملحد ، ولا تكاد تسمع العرب يقولون لاحد .
المسألة الثانية : قال المحققون : الإلحاد في أسماء الله يقع على ثلاثة أوجه : الأول : إطلاق أسماء الله المقدسة الطاهرة على غير الله ، مثل أن الكفار كانوا يسمون الأوثان بآلهة ، ومن ذلك أنهم سموا أصناما لهم باللات والعزى والمناة ، واشتقاق اللات من الإله ، والعزى من العزيز ، واشتقاق مناة من المنان . وكان مسيلمة الكذاب لقب نفسه بالرحمن . والثاني : أن يسموا الله بما لا يجوز تسميته به ، مثل تسمية من سماه –أبا- للمسيح . وقول جمهور النصارى : أب ، وابن ، وروح القدس ، ومثل أن الكرامية يطلقون لفظ الجسم على الله سبحانه ويسمونه به ، ومثل أن المعتزلة قد يقولون في أثناء كلامهم ، لو فعل تعالى كذا وكذا لكان سفيها مستحقا للذم ، وهذه الألفاظ مشعرة بسوء الأدب . قال أصحابنا : وليس كل ما صح معناه جاز إطلاقه باللفظ في حق الله ، فإنه ثبت بالدليل أنه سبحانه هو الخالق لجميع الأجسام ، ثم لا يجوز أن يقال : يا خالق الديدان والقرود والقردان ، بل الواجب تنزيه الله عن مثل هذه الأذكار ، وأن يقال : يا خالق الأرض والسموات يا مقيل العثرات يا راحم العبرات إلى غيرها من الأذكار الجميلة الشريفة . والثالث : أن يذكر العبد ربه بلفظ لا يعرف معناه ولا يتصور مسماه ، فإنه ربما كان مسماه أمرا غير لائق بجلال الله ، فهذه الأقسام الثلاثة هي الإلحاد في الأسماء .
فإن قال قائل : هل يلزم من ورود الأول في إطلاق لفظه على الله تعالى أن يطلق عليه سائر الألفاظ المشتقة منه على الإطلاق ؟
قلنا : الحق عندي أن ذلك غير لازم لا في حق الله تعالى ، ولا في حق الملائكة والأنبياء وتقريره : أن لفظ «علم » ورد في حق الله تعالى في آيات منها قوله : { وعلم آدم الأسماء كلها } { علمك ما لم تكن تعلم } { وعلمناه من لدنا علما } { الرحمن علم القرآن } ثم لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى يا معلم ، وأيضا ورد قوله : { يحبهم ويحبونه } ثم لا يجوز عندي أن يقال يا محب . وأما في حق الأنبياء ، فقد ورد في حق آدم عليه السلام : { وعصى آدم ربه فغوى } ثم لا يجوز أن يقال إن آدم كان عاصيا غاويا ، وورد في حق موسى عليه السلام { يا أبت استأجره } ثم لا يجوز أن يقال إنه عليه السلام كان أجيرا ، والضابط أن هذه الألفاظ الموهمة يجب الاقتصار فيها على الوارد ، فأما التوسع بإطلاق الألفاظ المشتقة منها فهي عندي ممنوعة غير جائزة .
ثم قال تعالى : { سيجزون ما كانوا يعملون } فهو تهديد ووعيد لمن ألحد في أسماء الله . قالت المعتزلة : الآية قد دلت على إثبات العمل للعبد ، وعلى أن الجزاء مفرع على عمله وفعله .
وبعد استعراض مشهد الميثاق الكوني بالتوحيد ؛ واستعراض مثل المنحرف عن هذا الميثاق وعن آيات الله بعد إذ آتاه الله إياها . . يعقب بالتوجيه الآمر بإهمال المنحرفين - الذين كانوا يتمثلون في المشركين الذين كانوا يواجهون دعوة الإسلام بالشرك - الذين يلحدون في أسماء الله ويحرفونها ، فيسمون بها الشركاء المزعومين :
( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ، وذروا الذين يلحدون في أسمائه ، سيجزون ما كانوا يعملون ) .
والإلحاد هو الإنحراف أو التحريف . . وقد حرف المشركون في الجزيرة أسماء الله الحسنى ، فسموا بها آلهتهم المدعاة . . حرفوا اسم( الله )فسموا به " اللات " . واسم( العزيز )فسموا به " العزى " . . فالآية تقرر أن هذه الأسماء الحسنى لله وحده . وتأمر أن يدعوه المؤمنون وحده بها ، دون تحريف ولا ميل ؛ وأن يدعوا المحرفين المنحرفين ؛ فلا يحفلوهم ولا يأبهوا لما هم فيه من الإلحاد . فأمرهم موكول إلى الله ؛ وهم ملاقون جزاءهم الذي ينتظرهم منه . . وياله من وعيد ! . .
وهذا الأمر بإهمال شأن الذين يلحدون في أسماء الله ؛ لا يقتصر على تلك المناسبة التاريخية ، ولا على الإلحاد في أسماء الله بتحريفها اللفظي إلى الآلهة المدعاة . . إنما هو ينسحب على كل ألوان الإلحاد في شتى صوره . . ينسحب على الذين يلحدون - أي يحرفون أو ينحرفون - في تصورهم لحقيقة الألوهية على الإطلاق . كالذين يدّعون له الولد . وكالذين يدّعون أن مشيئته - سبحانه - مقيدة بنواميس الطبيعة الكونية ! وكالذين يدعون له كيفيات أعمال تشبه كيفيات أعمال البشر - وهو سبحانه ليس كمثله شيء - وكذلك من يدعون أنه سبحانه إله في السماء ، وفي تصريف نظام الكون ، وفي حساب الناس في الآخرة . ولكنه ليس إلهاً في الأرض ، ولا في حياة الناس ، فليس له - في زعمهم - أن يشرع لحياة الناس ؛ إنما الناس هم الذين يشرعون لأنفسهم بعقولهم وتجاربهم ومصالحهم - كما يرونها هم - فالناس - في هذا - هم آلهة أنفسهم . أو بعضهم آلهة بعض ! . . وكله إلحاد في الله وصفاته وخصائص ألوهيته . . والمسلمون مأمورون بالإعراض عن هذا كله وإهماله ؛ والملحدون موعدون بجزاء الله لهم على ما كانوا يعملون !
{ وَللَّهِ الاسماء الحسنى } قل : تنبيه للمؤمنين على كيفية ذكره تعالى وكيفية المعاملة مع المخلين بذلك الغافلين عنه سبحانه وتعالى وعما يليق بشأنه عز شأنه إثر بيان غفلتهم التامة وضلالتهم الطامة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى وجه آخر لذكر ذلك .
والمراد بالأسماء كما قال حجة الإسلام الغزالي وغيره الألفاظ المصوغة الدالة على المعاني المختلفة ، والحسنى تأنيث الأحسن أفعل تفضيل ، ومعنى ذلك أنها أحسن الأسماء وأجلها لأنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها ، وقيل : المراد بالأسماء الصفات ويكون من قولهم طار اسمه في البلاد أي صييته ونعته ، والجمهور على الأول لقوله عز اسمه : { فادعوه بِهَا } لأنه إما من الدعوة بمعنى التسمية كقولهم : دعوته زيداً أو بزيد أي سميته أو من الدعاء بمعنى النداء كقولهم : دعوت زيداً أي ناديته ، وعلى التقديرين إنما يلائم ظاهر المعنى الأول على ما قيل .
{ وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِى أَسْمائِهِ } أي يميلون وينحرفون فيها عن الحق إلى الباطل يقال : ألحد إذا مال عن القصد والاستقامة ، ومنه لحد القبر لكونه في جانبه بخلاف الضريح فإنه في وسطه ، وقرأ حمزة هنا وفي فصلت { يُلْحِدُونَ } بالفتح من الثلاثي والمعنى واحد ، وروى أبو عبيدة عن الأحمر أن ألحد بمعنى مارى وجادل ، ولحد بمعنى مال وانحرف ، واختار الواحدي قراءة الجمهور قال : ولا يكاد يسمع لأحد بمعنى ملحد ، والإلحاد في أسمائه سبحانه أن يسمى بما لا توقيف فيه أو بما يوهم معنى فاسداً كما في قول أهل البدو يا أبا المكارم ، يا أبيض الوجه يا سخي ونحو ذلك ، فالمراد بالترك المأمور به الاجتناب عن ذلك ، وبأسمائه ما أطلقوه عليه تعالى وسموه به على زعمهم لا أسماؤه تعالى حقيقة ، وعلى ذلك يحمل ترك الإضمار بأن يقال : يلحدون بها ، وما قيل : إنه أريد بالأسماء التسميات فلذا ترك الإضمار ليس بشيء ، ومن فسر الإلحاد في الأسماء بما ذكر ذهب إلى أن أسماء الله تعالى توقيفية يراعي فيها الكتاب والسنة والإجماع فكل اسم ورد في هذه الأصول جاز أطلاقه عليه جل شأنه وما لم يرد فيها لا يجوز إطلاقه وإن صح معناه ، وبهذا صرح أبو القاسم القشيري في مفاتيح الحجج ومصابيح النهج ، وفي أبكار الأفكار للآمدي ليس مأخذ جواز تسميات الأسماء الحسنى دليلاً عقلياً ولا قياساً لفظياً وإلا لكان تسمية الرب تعالى فقيهاً عاقلاً مع صحة معاني هذه التسميات في حقه وهي العلم والفقه أولى من تسميته سبحانه وتعالى بكثير مما يشكل ظاهره بل مأخذ ذلك إنما هو الإطلاق والإذن من الشارع فكل ما ورد الإذن به منه جوزناه وما ورد المنع منه منعناه وما لم يوجد فيه إطلاق ولا منع فقد قال بعض أصحابنا بالمنع منه وليس القول بالمنع مع عدم وروده أولى من القول بالجواز مع عدم وروده إذ المنع والجواز حكمان ، وليس إثبات أحدهما مع عدم الدليل أولى من الآخر بل الحق في ذلك هو الوقف وهو أنا لا نحكم بجواز ولا منع والمتبع في ذلك كله الظواهر الشرعية كما هو المتبع في سائر الأحكام وهو أن يكون ظاهراً في دلالته وفي صحته ولا يشترط فيه القطع كما ذهب إليه بعض الأصحاب لكون المنع والجواز من الأحكام الشرعية ، والتفرقة بين حكم وحكم في اشتراط القطع في أحدهما دون الآخر تحكم لا دليل عليه انتهى ، وأنت تعلم أن المشهور التفرقة بين الأحكام الأصولية الاعتقادية والأحكام الفرعية العملية كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى قريباً ، وخلاصة الكلام في هذا المقام أن علماء الإسلام اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء والصفات على الباري تعالى إذا ورد بها الإذن من الشارع وعلى امتناعه إذا ورد المنع عنه ، واختلفوا حيث لا إذن ولا منع في جواز إطلاق ما كان سبحانه وتعالى متصفاً بمعناه ولم يكن من الأسماء الأعلام الموضوعة في سائر اللغات إذ ليس جواز إطلاقها عله تعالى محل نزاع لأحد ، ولم يكن إطلاقه موهماً نقصاً بل كان مشعراً بالمدح فمنعه جمهور أهل الحق مطلقاً للخطر ، وجوزه المعتزلة مطلقاً ، ومال إليه القاض أبو بكر لشيوع إطلاق نحو خدا وتكرى من غير نكير فكان إجماعاً ، ورد بأن الإجماع كاف في الإذن الشرعي إذا ثبت .
واعترضه أيضاً أمام الحرمين بأنه قول بالقياس وهو حجة في العمليات والأسماء والصفات من العمليات ، وروى بعضهم عنه التوقف ، وذكر في «شرح المواقف » أن القاضي أبا بكر ذهب إلى أن كل لفظ دل على معنى ثابت لله تعالى جاز إطلاقه عليه إذا لم يكن موهماً لما لا يليق بذاته تعالى ، ثم قال : وقد يقال : لا بد مع نفي ذلك الإيهام من الإشعار بالتعظيم حتى يصح الإطلاق بلا توقف وجعل مذهب المعتزلة غير مذهبه والمشهور ما ذكرناه .
وفصل الغزالي قدس سره فجوز إطلاق الصفة وهو ما دل على معنى زائد على الذات ومنع إطلاق الاسم وهو ما يدل على نفس الذات محتجاً بإباحة الصدق واستحبابه والصفة لتضمنها النسبة الخبرية راجعة إليه وهي لا تتوقف إلا على تحقق معناها بخلاف الاسم فإنه لا يتضمن النسبة الخبرية وأنه ليس إلا للأبوين أو من يجري مجراهما . وأجيب بأن ذلك حيث لا مانع من استعمال اللفظ الدال على تلك النسبة والخطر قائم ، وأين التراب من رب الأرباب ؟ .
واختار جمع من المتأخرين مذهب الجمهور قالوا : فيطلق ما سمع على الوجه الذي سمع ولا يتجاوز ذلك إلا ف التعرف والتنكر سواء أوهم كالصبور والشكور والجبار والرحيم أو لم يوهم كالقادر والعالم ، والمراد بالسمعي ما ورد به كتاب أو سنة صحيحة أو إجماع لأنه غير خارج عنهما في التحقيق بخلاف الضعيفة والقياس أيضاً إن قلنا : إن المسألة من العلميات أما إن قلنا : إنها من العمليات فالسنة الضعيفة كالحسنة إلا الواهية جداً ، والقياس كالإجماع ، وأطلق بعضهم المنع في القياس وهو الظاهر لاحتمال إيهام أحد المترادفين دون الآخر .
وجعل بعضهم من الثابت بالقياس المترادفات من لغة أو لغات ، وليس بذاك ، ومن الثابت بالإجماع الصانع والموجود والواجب والقديم ، قيل : والعلة ، وقيل : الصانع والقديم مسموعان كالحنان والمنان ، ونص بعض المحققين على أنه يمنع إطلاق غير المضاف إذا كان مرادفاً للمضاف المسموع قياساً كما يمنع إطلاق ما ورد على وجه المشاكلة والمجاز ، وأنه لا يكفي ورود الفعل والمصدر ونحوهما في صحة إطلاق الوصف فلا يطلق الحارث والزارع والرامي والمستهزىء والمنزل والماكر عليه سبحانه وتعالى وإن جاءت آيات تشعر بذلك .
هذا ومن الناس من قال : إن الألفاظ الدالة على الصفات ثلاثة أقسام : الأول ما يدل على صفات واجبة وهو أصناف : منها ما يصح إطلاقه مفرداً لا مضافاً نحو الموجود والأزلي والقديم وغيرها ، ومنها ما يصح إطلاقه مفرداً ومضافاً إلى ما لا هجنة فيه نحو الملك والمولى والرب والخالق . ومنها ما يصح مضافاً غير مفرد نحو يا منشىء الرفات ومقيل العثرات ، والثان ما يدل على صفات ممتنعة نحو اليد والوجه والنزول والمجىء فلا يصح إطلاقه البتة ، وإن ورد به السمع كان التأويل من اللوازم . والثالث ما لا يدل على صفات واجبة ولا ممتنعة بل يدل على معان ثابتة نحو المكر والخداع وأمثالهما فلا يصح إطلاقه إلا إذا ورد التوقيف ، ولا يقال : يا مكار يا خداع البتة وإن كان مذكوراً ما يدل عله كقوله تعالى : { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله } [ آل عمران : 54 ] انتهى ، ولا يخفى ما فيه . وذكر الطيبي أن الحق الاعتماد في الإطلاق على الإطلاق على التوقيف ، وأن كل ما أذن الشارع أن يدعي به الله عز وجل سواء كان مشتقاً أو غير مشتق فهو اسم ، وكل ما نسب إليه سبحانه وتعالى من غير ذلك الوجه سواء كان مؤولاً أو غير مؤول فهو وصف ؛ وجعل الحي وصفاً والكريم اسماً وادعى أنه يقال يا كريم ولا يقال يا حي مع ورود اللفظين فيه سبحانه وتعالى فيما أخرجه أبو داود . والترمذي من حديث سلمان رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «الله تعالى حي كريم يستحي إذا رفع العبد يده أن يردها صفراً حتى يضع فيها خيراً » وذكر أن التعريف في الأسماء للعهد وأنه لا بد من المعهود لأنه سبحانه وتعالى أمر بالدعاء بها ونهى عن الدعاء بغيرها وأوعد على ذلك .
وروى الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : «إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة » وفي رواية أحصاها ، وفي أخرى «إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً » وأوتي فيه بالفذلكة والتأكيد لئلا يزاد على ما ورد . وجاءت معدودة في بعض الروايات بقوله عليه الصلاة والسلام «هو الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق الباريء المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباحث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدىء المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعال البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور » . ونقل عن أهل البيت رضي الله تعالى عنهم غير ذلك وأخذوها من القرآن ؛ وجاء أيضاً عندنا ما يخالف هذه الرواية في بعض الأسماء .
وذكر غير واحد من العلماء أن هذه الأسماء منها ما يرجع إلى صفة فعلية ومنها ما يرجع إلى صفة نفسية ومنها ما يرجع إلى صفة سلبية . ومنها ما اختلف في رجوعه إلى شيء مما ذكر وعدم رجوعه وهو الله والحق أنه اسم للذات وهو الذي إليه يرجع الأمر كله ، ومن هنا ذهب الجل إلى أنه الاسم الأعظم ، وتنقسم قسمة أخرى إلى ما لا يجوز إطلاقه على غيره سبحانه وتعالى كالله والرحمن وما يجوز كالرحيم والكريم وإلى ما يباح ذكره وحده كأكثرها وإلى ما لا يباح ذكره كذلك كالمميت والضار فإنه لا يقال : يا مميت يا ضار بل يقال : يا محيي يا مميت ويا نافع يا ضار ، والذي أراه أنه لا حصر لأسمائه عزت أسمائه في التسعة والتسعين ، ويدل على ذلك ما أخرجه البيهقي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أصابه هم أو حزت فليقل : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي في يدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وذهاب همي وجلاء حزني » الحديث ، وهو صريح في عدم الحصر لمكان أو وأو .
وحكى محيي الدين النووي اتفاق العلماء على ذلك وأن المقصود من الحديث الإخبار بأن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة وهو لا ينافي أن له تعالى أسماء غيرها غير موصوفة بذلك .
ونقل أبو بكر بن العربي عن بعضهم أن له سبحانه وتعالى ألف اسم ثم قال : وهذا قليل وهو كما قال . وعن بعضهم أنها أربعة آلاف ، وعن بعض الصوفية أنها لا تكاد تحصى ، والمختار عندي عدم توقف إطلاق الأسماء المشتقة الراجعة إلى نوع من الصفات النفسية والفعلية وكذا الصفات السلبية عليه تعالى على التوقيف الخاص بل يصح الإطلاق بدونه لكن بعد التحري التام وبذل الوسع فيما هو نص في التعظيم والتحفظ إلى الغاية عما يوهم أدنى أدنى نقص معاذ الله تعالى في حقه سبحانه لأنا مأذونون بتعظيم الله تبارك وتعالى بالأقوال والأفعال ولم يحد لنا حد فيه ؛ فمتى كان في الإطلاق تعظيم له عز وجل كان مأذوناً به ، والتكليف منوط بالوسع { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } فبعد بذل الوسع في التعظيم يرتفع الحرج .
وحديث الخطر الذي يذكرونه يستدعي أن لا يصح إلا إطلاق ما ثبت تواتراً إطلاقه عليه جل وعلا أو اجتمعت الأمة على إطلاقه لأن الثبوت فيما عدا ذلك ظني والخطر فيه يقيني ، والأسماء المتقدمة آنفاً لم يوجد في كثير من الروايات ذكرها وهي مشهورة من حديث الترمذي ، وقد قال : إنه حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديثه وهو ثقة عند أهل الحديث ، وأنت تعلم أن هذا القدر لا يثبت به اليقين بل ولا بمثله ومثله ، على أن عد بعض أهل البيت كما في الدر المنثور للتسعة والتسعين وكذا غيرهم كما لا يخفى على المتتبع يخالف هذا العد ، وسند ذلك الخبر وإن لم يكن في المتانة كسند هذا إلا أنه لا أقل يورث الشبهة اللهم إلا أن يقال : حصل الإجماع على ما في حديث الترمذي دون ما في حديث غيره المخال له لكن لم أقف على من حكى ذلك .
ثم إن هذه الأسماء المذكورة مما ذكرنا لا مانع من الدعاء بها ومن إجرائها اخباراً عنه سبحانه وتعالى أو أوصافاً له جل وعز وكلها حسنى ، وتسميتها بذلك من جهة أنها بالمعنى المراد منها بالنسبة إليه تعالى مختصة به جل وعلا اختصاص الاسم ولا تطلق على غيره بالمعنى المراد مها حال إطلاقها على الله تعالى وإنما تطلق على الغير بمعنى آخر ليس بينه وبين ذلك المعنى إلا كما بين السواد والبياض فإن بينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعد فوقه لكنهما متشاركان في العرضية واللونية والمدركية بالبصر وأمور أخر سوى ذلك ، وبهذا لا يعد البياض مماثلاً للسواد أو بالعكس لأن المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية وهي مفقودة هنا وكذا هي مفقودة بين العلم مثلاً الذي يوصف الله تعالى به والعلم الذي يوصف غيره سبحانه وتعالى به ولا يعلم حقيقة ذلك وماهيته إلا الله تعالى كما لا يعرف حقيقة الله تعالى إلا الله تعالى في الدنيا والآخرة .
نعم لو قال قائل : لا أعرف إلا الله تعالى صدق ولكن من جهة أخرى ، ونهاية معرفة العارفين العجز عن المعرفة ، ومعرفتهم بالحقيقة أنهم لا يعرفونه فإذا انكشف لهم ذلك فقد عرفوا وبغلوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته سبحانه وتعالى .
وهذا الذي أشار إليه الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه حيث قال : العجز عن درك الإدراك إدراك بل هو الذي عناه سيد البشر صلى الله عليه وسلم بقوله : «لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » فإنه عليه الصلاة والسلام أراد إني لا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك وإنما أنت المحيط به وحدك لا أني أعرف منك ما لا أستطيع التعبير عنه بلساني ، وتفاوت درجات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والملائكة والأولياء في المعرفة إنما هو بالوقوف على عجائب آياته في ملكوت السموات والأرض وخلق الأرواح والأجساد وحينئذ يتفاوتون في معرفة الأسماء والصفات ، ومعرفة أن زيداً عالماً مثلاً ليست كمعرفة تفاصيل علومه كما لا يخفى ، ولا يرد على ما ذكرنا من الاختصاص أنه يأباه تقسيمهم أسماءه تعالى إلى مختص كالرحمن وغير مختص كالرحيم لأن مرادهم بالمختص ما اعتبر في مفهومه المطابقي ما يمنع من الإطلاق على الغير ، وقد نص البيضاوي على أن معنى الرحمن المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غير تعالى فلذا لا يوصف به ، وبغير المختص ما لم يعتبر في مفهومه ذلك بل اعتبر فيه معنى عام فيطلق لذلك على الله تعالى وعلى غيره ، لكن حال إطلاقه عليه تعالى يراد الفرد الكامل من ذلك المفهوم الذي لا يليق ولا يمكن أن يثبت إلا لله عز وجل ، وقد يقال : لا فرق بين الأسماء المشتقة التي يوجد في الغير مبدأ اشتقاقها في الجملة من حيث أن اعتبار ذلك الوجود يقتضي عدم الاختصاص ، واعتبار الوجود على أتم وجه وأكمله يقتضي لاختصاص من غير تفرقة بين اسم واسم إلا أنا حكمنا بالاختصاص في بعض وبعدمه في آخر لأمر آخر كالاستعمال وعدم الاستعمال وأذن الشارع وعدم إذنه فلا يأبى ما قلناه أيضاً نعم اعتبا رالاختصاص بالله تعالى في الأسماء المذكورة في الآية لا يتأتى فيها بناء على أن تقديم الخبر يفيد الاختصاص أيضاً فيكون المعنى لله لا لغيره الأسماء التي تختص به تعالى ولا تطلق على غيره ، ويؤذل إلى أن الأسماء المختصة به سبحانه وتعالى مختصة به جل وعلا وهو مما لا فائدة فيه ، وحينئذ لا بد إما من حمل الأسماء على الصفات كما قال البعض ، ومعنى الحسنى الكاملة من كل وجه أي لله تعالى لا لغيره الصفات الكاملة لأن صفات غيره سبحانه وتعالى كيفما كانت ناقصة لا أقل من أن العدم محيط بطرفيها ، ومعنى فادعوه بها الخ سموه بما يشتق منها أو نادوه بذلك وذروا الذين يميلون عن الحق في صفاته فيسمون بها غير أو يدعون معتقدين الشركة ودعوهم وإلحادهم ، وإما من ارتكاب ضرب من التجوز ، وما ذكره الطيبي من أن التعريف في الأسماء للعهد إلى آخر ما قاله مما لا أظنك في مرية من ركاكته فتأمل .
وجوز أن يراد بالإلحاد العدول عن تسميته تعالى ببعض أسمائه الكريمة كما قالوا : وما الرحمن ؟ إنا لا نعرف إلا رحمن اليمامة ، وعليه فالمراد بالترك الاجتناب كما أريد أولاً بالأسماء أسماؤه تعالى حقيقة ، فالمعنى سموه تعالى بجميع أسمائه واجتنبوا إخراج بعضها من البين ، وأن يراد به إطلاقها على الأصنام واشتقاق أسمائها منها كاللات من الله تعالى والعزى من العزيز ، فالمراد من الأسماء أسماؤه تعالى حقيقة ، والإطهار في موضع الإضمار مع التجريد عن الوصف في الكل للإيذان بأن إلحادهم في نفس الأسماء من غير اعتبار الوصف . والمراد بالترك الإعراض وعدم المبالاة بما فعلوا ترقباً لنزول العقوبة فيهم عن قريب كما يشير إليه قوله تعالى : { سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فإنه استئناف وقع جواباً عن سؤال مقدر كأنه قيل : لم لا نبالي ؟ فقيل : لأنه سينزل بهم عقوبة وتشتفون عن قريب ، والمعنى على الأمر بالاجتناب اجتنبوا إلحادهم كيلا يصيبكم ما يصيبهم فإنه سينزل بهم عقوبة ذلك .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَللَّهِ الأسماء الحسنى } التي يدبر كل أمر باسم منها { فادعوه بِهَا } [ الأعراف : 180 ] حسب المراتب وأعلاها الدعاء بلسان الفعل وهو التحلي بمعانيها بقدر ما يتصور في حق العبد وذلك حظ المقربين منها ، وذكر حجة الإسلام الغزالي قدس سره أن حظوظهم من معاني أسمائه تعالى ثلاثة : الأول : معرفتها على سبيل المكاشفة والمشاهدة حتى يتضح لهم حقائقها بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ وينكشف لهم اتصاف الله تعالى بها انكشافاً يجري في الوضوح والبيان مجرى اليقين الحاصل للإنسان بصفاته الباطنة التي يدركها بمشاهدة باطنه لا بإحساس ظاهره ، وكم بين هذا وبين الاعتقاد المأخوذ من الآباء والمعلمين تقليداً ، والتصميم عليه وإن كان مقروناً بأدلة جدلية كلامية .
الثاني استعظامهم ما يكشف لهم من صفات الجلال والكمال على وجه ينبعث منه شوقهم إلى الاتصاف بما يمكنهم من تلك الصفات ليقربوا بها من الحق قربا بالصفة لا بالمكان فيأخذوا من الاتصاف بها شبها بالملائكة المقرنين عند الله تعالى ، والخلو من هذا الشوق لا يكون إلا لأحد أمرين إما لضعف المعرفة ، وإما لكون القلب ممتلئاً بشوق آخر مستغرقاً به . والثالث السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات والتخلق بها والتحلي بمحاسنها ، وبذلك يصير العبد ربانياً رفيقاً للملأ الأعلى من الملائكة شبيهاً بهم ، وحينئذ لا يؤثر القرب والبعد في إدراكه بل لا يقتصر إدراكه على ما يتصور فيه ذلك ويكون مقدساً عن الشهوة والغضب فلا تكون أفعاله بمقتضاهما بل الداعي إليها حينئذ طلب التقرب إلى الله تعالى ولا يلزم من هذا إثبات المماثلة بين الله سبحانه وتعالى وبين العبد ، وقد قال جل وعلا : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى : 11 ] لأن المماثلة هي المشاركة في النوع والماهية لا مطلق المشاركة فالفرس الكيس وإن كان بالغاً في الكياسة ما بلغ لا يكون مماثلا للإنسان لمخالفته له بالنوع وإن شابهه بالكياسة التي هي عارضة خارجة عن المقومات للإنسانية ؛ وأنت تعلم بأدنى التفات أنه لا يتصور الشركة بين الله تعالى الحي العليم المريد القادر المتكلم السميع البصير وبين العبد المتصف بالحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر إلا في إطلاق الاسم لا غير ، والكلام في خبر «لا زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل » الخ يستدعي الخوض في بحر لا ساحل له فخذ ما أتيناك { وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ في أسمائه } يطلبون معانيها من غيره سبحانه وتعالى ويضيفونها إليه وهؤلاء مما ذرأهم سبحانه وتعالى لجهنم { سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الأعراف : 180 ] من الإلحاد