مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (18)

قوله تعالى { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون }

اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة وطرق مختلفة ، فمنها شدة حرصهم على الدنيا ، ورغبتهم في تحصيلها ، وقد أبطل الله هذه الطريقة بقوله : { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها } إلى آخر الآية ، ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويقدحون في معجزاته ، وقد أبطل الله تعالى بقوله : { أفمن كان على بينة من ربه } ومنها أنهم كانوا يزعمون في الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله ، وقد أبطل الله تعالى ذلك بهذه الآية ، وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله تعالى ، فلما بين وعيد المفترين على الله ، فقد دخل فيه هذا الكلام .

واعلم أن قوله : { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } إنما يورد في معرض المبالغة . وفيه دلالة على أن الافتراء على الله تعالى أعظم أنواع الظلم .

ثم إنه تعالى بين وعيد هؤلاء بقوله : { أولئك يعرضون على ربهم } وما وصفهم بذلك لأنهم مختصون بذلك العرض ، لأن العرض عام في كل العباد كما قال : { وعرضوا على ربك صفا } وإنما أراد به أنهم يعرضون فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } فحصل لهم من الخزي والنكال مالا مزيد عليه ، وفيه سؤالات :

السؤال الأول : إذا لم يجز أن يكون الله تعالى في مكان ، فكيف قال : { يعرضون على ربهم }

والجواب : أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال ، ويجوز أيضا أن يكون ذلك عرضا على من شاء الله من الخلق بأمر الله من الملائكة والأنبياء والمؤمنين .

السؤال الثاني : من الأشهاد الذين أضيف إليهم هذا القول ؟

الجواب قال مجاهد : هم الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا . وقال قتادة ومقاتل : { الأشهاد } الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد ، يعني على رؤوس الناس . وقال الآخرون : هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . قال الله تعالى : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة .

السؤال الثالث : الأشهاد جمع فما واحده ؟

والجواب : يجوز أن يكون جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب ، وناصر وأنصار ، ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل شريف وأشراف . قال أبو علي الفارسي : وهذا كأنه أرجح ، لأن ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل ، كقوله : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } . { وجئنا بك على هؤلاء شهيدا }

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (18)

1

ثم يمضي السياق يواجه الذين يكفرون به ؛ ويزعمون أنه مفترى من دون الله ، ويكذبون على الله سبحانه وعلى رسوله [ ص ] وذلك في مشهد من مشاهد القيامة يعرض فيه الذين يفترون على الله الكذب . سواء بقولهم : إن الله لم ينزل هذا الكتاب ، أو بادعائهم شركاء لله . أو بدعواهم في الربوبية الأرضية وهي من خصائص الألوهية . . يجمل النص هنا الإشارة لتشمل كل ما يوصف بأنه كذب على الله .

هؤلاء يعرضون في مشهد يوم القيامة للتشهير بهم وفضيحتهم على رؤوس الأشهاد . وفي الجانب الآخر المؤمنون المطمئنون إلى ربهم وما ينتظرهم من نعيم . ويضرب للفريقين مثلا : الأعمى والأصم والبصير والسميع :

( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ؟ أولئك يعرضون على ربهم ، ويقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم . ألا لعنة الله على الظالمين . الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ، وهم بالآخرة هم كافرون . أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض ، وما كان لهم من دون الله من أولياء ، يضاعف لهم العذاب ، ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون . أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ، لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم ، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون . مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع . هل يستويان مثلا ؟ أفلا تذكرون ؟ ) .

إن افتراء الكذب في ذاته جريمة نكراء ، وظلم للحقيقة ولمن يفتري عليه الكذب . فما بال حين يكون هذا الافتراء على الله ؟

( أولئك يعرضون على ربهم ، ويقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ) .

إنه التشهير والتشنيع . بالإشارة : ( هؤلاء ) . . ( هؤلاء الذين كذبوا ) . . وعلى من ؟ ( على ربهم )لا على أحد آخر ! إن جو الفضيحة هو الذي يرتسم في هذا المشهد ، تعقبها اللعنة المناسبة لشناعة الجريمة :

( ألا لعنة الله على الظالمين ) . .

يقولها الأشهاد كذلك . والأشهاد هم الملائكة والرسل والمؤمنون ، أو هم الناس أجمعون . فهو الخزي والتشهير - إذن - في ساحة العرض الحاشدة ! أو هو قرار الله سبحانه في شأنهم إلى جانب ذلك الخزي والتشهير على رؤوس الأشهاد :

( ألا لعنة الله على الظالمين ) . .

والظالمون هم المشركون .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَـٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (18)

{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ 18 الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ و َيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ 19 أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ 20 أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ 21 لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ 22 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 23 مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ 24 } .

المفردات :

ومن أظلم : لا أحد .

افترى على الله كذبا : بنسبة الشريك والولد إليه ، أو زعم الأصنام تشفع لعابديها عند الله ، أو زعم بأن الملائكة بنات الله ، أو أنكر نبوة محمد ، أو زعم أن القرآن ليس من عند الله .

يعرضون على ربهم : المراد : يحاسبهم ربهم .

الأشهاد : جمع شاهد وهو الملائكة أو الرسل يشهدون على قومهم .

لعنة الله : اللعنة واللعن : الطرد من رحمة الله .

18

التفسير :

18 { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم . . . } الآية .

أي : لا أحد أشد ظلما ممن تعمد الكذب على الله تعالى ، بأن زعم : أن الأصنام تشفع لعابديها عنده ، أو زعم : بأن الملائكة بنات الله ، أو أن هذا القرآن ليس من عنده سبحانه .

{ أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ } . أي : عرضا خاصا ، فالعرض على الله شامل للناس جميعا ، لكن أولئك الموصفون بافتراء الكذب ، يعرضون كما يعرض المجرم للقصاص منه ، ولفضيحته أمام الناس .

{ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ } .

أي : تقول الرسل ، أو الملائكة ، أو العلماء : هؤلاء المجرمون هم الذين كذبوا على ربهم ، ونسبوا إليه ما هو منزه عنه .

{ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } . هذا تعقيب من الرسل ، أو الملائكة ، أو أهل المشهد من الخلائق التي شهدت هذا العرض .

وفي مثل هذه الآية يقول الله تعالى :

{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } . ( غافر : 51 52 ) .

جاء في تفسير ابن كثير :

روى الإمام أحمد والشيخان عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة : ( إن الله عز وجل يدني المؤمن ، فيضع عليه كنفه ، ويستره من الناس ، ويقرره بذنوبه ، ويقول له : أتعرف ذنب كذا ؟ ! أتعرف ذنب كذا ؟ ! أتعرف ذنب كذا ؟ ! حتى إذا قرره بذنوبه ، ورأى في نفسه أنه قد هلك ؛ قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا ، وإني أغفرها لك اليوم ، ثم يعطي كتاب حسناته ، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد : { هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } . 34