قوله تعالى : { وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } .
اعلم أن هذا هو الإنعام الرابع والمراد من الفرقان يحتمل أن يكون هو التوراة وأن يكون شيئا داخلا في التوراة وأن يكون شيئا خارجا عن التوراة فهذه أقسام ثلاثة لا مزيد عليها وتقرير الاحتمال الأول أن التوراة لها صفتان كونها كتابا منزلا وكونها فرقانا تفرق بين الحق والباطل فهو كقولك : رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة ونظيره قوله تعالى : { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا } وأما تقرير الاحتمال الثاني فهو أن يكون المراد من الفرقان ما في التوراة من بيان الدين لأنه إذا أبان ظهر الحق متميزا من الباطل ، فالمراد من الفرقان بعض ما في التوراة وهو بيان أصول الدين وفروعه . وأما تقرير الاحتمال الثالث فمن وجوه ، ( أحدها ) : أن يكون المراد من الفرقان ما أوتي موسى عليه السلام من اليد والعصا وسائر الآيات وسميت بالفرقان لأنها فرقت بين الحق والباطل ، وثانيها : أن يكون المراد من الفرقان النصر والفرج الذي آتاه الله بني إسرائيل على قوم فرعون ، قال تعالى : { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان } والمراد النصر الذي آتاه الله يوم بدر ، وذلك لأن قبل ظهور النصر يتوقع كل واحد من الخصمين في أن يكون هو المستولي وصاحبه هو المقهور ، فإذا ظهر النصر تميز الراجح من المرجوح وانفرق الطمع الصادق من الطمع الكاذب ، وثالثها : قال قطرب الفرقان هو انفراق البحر لموسى عليه السلام . فإن قلت : فهذا قد صار مذكورا في قوله تعالى : { وإذ فرقنا بكم البحر } وأيضا فقوله تعالى بعد ذلك : { لعلكم تهتدون } لا يليق إلا بالكتاب لأن ذلك لا يذكر إلا عقيب الهدى . قلت : الجواب عن الأول أنه تعالى لم يبين في قوله تعالى : { وإذ فرقنا بكم البحر } أن ذلك كان لأجل موسى عليه السلام ، وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص ، وعن الثاني أن فرق البحر كان من الدلائل فلعل المراد أنا لما آتينا موسى فرقان البحر استدلوا بذلك على وجود الصانع ، وصدق موسى عليه السلام وذلك هو الهداية وأيضا فالهدى قد يراد به الفوز والنجاة كما يراد به الدلالة ، فكأنه تعالى بين أنه آتاهم الكتاب نعمة في الدين والفرقان الذي حصل به خلاصهم من الخصم نعمة عاجلة . واعلم أن من الناس من غلط فظن أن الفرقان هو القرآن ، وأنه أنزل على موسى عليه السلام وذلك باطل لأن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكل دليل كذلك فلا وجه لتخصيص هذا اللفظ بالقرآن . وقال آخرون : المعنى : { وإذ آتينا موسى الكتاب } يعني التوراة وآتينا محمدا صلى الله عليه وسلم الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب . وقد مال إلى هذا القول من علماء النحو الفراء وثعلب وقطرب وهذا تعسف شديد من غير حاجة البتة إليه .
وأما قوله تعالى : { لعلكم تهتدون } فقد تقدم تفسير لعل وتفسير الاهتداء ، واستدلت المعتزلة بقوله : { لعلكم تهتدون } على أن الله تعالى أراد الاهتداء من الكل وذلك يبطل قول من قال : أراد الكفر من الكافر ، وأيضا فإذا كان عندهم أنه تعالى : يخلق الاهتداء ، فيمن يهتدي والضلال فيمن يضل ، فما الفائدة في أن ينزل الكتاب والفرقان ويقول : { لعلكم تهتدون } ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه ، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو خلق الاهتداء ولا كتاب لحصل الاهتداء ، ولو أنزل بدلا من الكتاب الواحد ألف كتاب ولم يخلق الاهتداء فيهم لما حصل الاهتداء ، فكيف يجوز أن يقول أنزلت الكتاب لكي تهتدوا ؟ واعلم أن هذا الكلام قد تقدم مرارا لا تحصى مع الجواب والله أعلم .
{ وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون } .
الفرقان : الآيات التي أيد الله بها موسى ودلت على صدق نبوته وبها يفرق بين الحق والباطل ، والشكر يكون لمن كان فوقك بطاعته ولنظيرك بالمكافأة ، ولمن دونك بالإحسان إليه .
ومعنى الآية الكريمة : اذكروا يا بني إسرائيل نعمة إعطاء نبيكم موسى عليه السلام التوراة وفيها الشرائع والأحكام لكي تهتدوا بها إلى طريق الفلاح والرشاد في الدنيا ، والفوز والسعادة في الآخرة .
فالمراد بالكتاب التوراة التي أوتيها موسى عليه السلام ، فأل للعهد ، والفرقان هو ما يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلال ، وقد يطلق لفظ الفرقان على الكتاب السماوي المنزل من عند الله كما في قوله تعالى : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ( الفرقان 1 ) .
كما يطلق على المعجزة في قوله : لقد آتينا موسى وهارون الفرقان . ( الأنبياء 48 ) . أي المعجزات ؛ لأن هارون لم يؤت وحيا ، والمراد بالفرقان في الآية التي نفسرها ويكون المراد بالعطف التفسير .
قال ابن جرير الطبري : ( وأولى الأقوال بتأويل الآية ما روى عن ابن عباس وأبى العالية ومجاهد ، من أن الفرقان الذي ذكر الله تعالى أنه آتاه موسى في هذا الموضع هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل ، وهو نعت للتوراة وصفة لها ، فيكون الكتاب نعتا أقيم مقامها استغناء به عن ذكر التوراة ، ثم عطف عليه الفرقان إذ كان من نعتها . وقوله تعالى : لعلكم تهتدون بيان لثمرة المنة بإيتاء التوراة لأن إتيان موسى الكتاب والفرقان المقصود منه هدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور .
ولكن بني إسرائيل قابلوا هذه النعمة بالجحود فامتدت أيديهم إلى التوراة فحرفوها ، كما شاءت لهم أهواؤهم وشهواتهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.