مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (50)

قوله تعالى : { وإذا فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } .

هذا هو النعمة الثانية ، وقوله : { فرقنا } أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم وقرئ : { فرقنا } بالتشديد بمعنى فصلنا . يقال : فرق بين الشيئين وفرق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد الأسباط ، فإن قلت : ما معنى : ( بكم ) ؟ قلنا : فيها وجهان ، أحدهما : أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما ، الثاني : فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم ثم ههنا أبحاث :

البحث الأول : روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط ، وذلك لغرضين . أحدهما : ليخرجوا خلفهم لأجل المال ، والثاني : أن تبقى أموالهم في أيديهم ثم نزل جبريل عليه السلام بالعشي وقال لموسى : أخرج قومك ليلا ، وهو المراد من قوله : { وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي } وكانوا ستمائة ألف نفس لأنهم كانوا اثني عشر سبطا كل سبط خمسون ألفا ، فلما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون ، فقال : لا تتبعوهم حتى يصيح الديك . ( قال الراوي ) : فوالله ما صاح ليلته ديك فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال : لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط ، وقال قتادة : اجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف نفس كل واحد منهم على فرس حصان فتبعوهم نهارا . وهو قوله تعالى : { فأتبعوهم مشرقين } أي بعد طلوع الشمس { فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون } فقال موسى : { كلا إن معي ربي سيهدين } فلما سار بهم موسى وأتى البحر قال له يوشع بن نون : أين أمرك ربك ؟ فقال موسى : إلى أمامك وأشار إلى البحر فأقحم يوشع بن نون فرسه في البحر فكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر ، فسبح الفرس وهو عليه ثم رجع وقال له : يا موسى أين أمرك ربك ؟ فقال البحر ، فقال : والله ما كذبت ، ففعل ذلك ثلاث مرات ، فأوحى الله إليه : { أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم } فانشق البحر اثني عشر جبلا في كل واحد منها طريق ، فقال له : ادخل فكان فيه وحل فهبت الصبا فجف البحر ، وكل طريق فيه حتى صار طريقا يابسا كما قال تعالى : { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا } فأخذ كل سبط منهم طريقا ودخلوا فيه فقالوا لموسى : إن بعضنا لا يرى صاحبه ، فضرب موسى عصاه على البحر فصار بين الطرق منافذ وكوى فرأى بعضهم بعضا ، ثم أتبعهم فرعون ، فلما بلغ شاطئ البحر رأى إبليس واقفا فنهاه عن الدخول فهم بأن لا يدخل البحر فجاء جبريل عليه السلام على حجرة فتقدم فرعون وهو كان على فحل فتبعه فرس فرعون ودخل البحر ، فلما دخل فرعون البحر صاح ميكائيل بهم الحقوا آخركم بأولكم ، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله الماء حتى نزل عليهم فذلك قوله تعالى : { وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } وقيل كان ذلك اليوم يوم عاشوراء ، فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكرا لله تعالى .

البحث الثاني : اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعما كثيرة في الدين والدنيا ، أما نعم الدنيا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه ، ( أحدها ) : أنهم لما وقعوا في ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر ، فإن توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك ، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك . ( وثانيها ) : أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة ، وذلك سبب لظهور كرامتهم على الله تعالى . ( وثالثها ) : أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم ، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام العظيم وإهلاك العدو . ( ورابعها ) : أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم . ( وخامسها ) : أنه تعالى لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم ، وذلك نعمة عظيمة لأنه كان خائفا منهم ، ولو أنه تعالى خلص موسى وقومه من تلك الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقيا من حيث إنه ربما اجتمعوا واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه ، ولكن الله تعالى لما أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية . ( وسادسها ) : أنه وقع ذلك الإغراق بمحضر من بني إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى : { وأنتم تنظرون } وأما نعم الدين في حق موسى عليه السلام فمن وجوه ، ( أحدها ) : أن قوم موسى لمشاهدة تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات ، فإن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى عليه السلام تقرب من العلم الضروري ، فكأنه تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق والاستدلال الشاق . ( وثانيها ) : أنهم لما عاينوا ذلك صار داعيا لهم إلى الثبات على تصديق موسى والانقياد له وصار ذلك داعيا لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى عليه السلام والإقدام على تكذيب فرعون . ( وثالثها ) : أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ولا شدة أشد مما كانت ببني إسرائيل ، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا والذليل عزيزا ، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا والإقبال بالكلية على خدمة الخالق والتوكل عليه في كل الأمور ، وأما النعم الحاصلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ذكر هذه القصة فكثيرة ، ( أحدها ) : أنه كالحجة لمحمد صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب لأنه كان معلوما من حال محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط أهل الكتاب فإذا أورد عليهم من أخبارهم المفصلة ما لا يعلم إلا من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي وأنه صادق ، فصار ذلك حجة له عليه السلام على اليهود وحجة لنا في تصديقه . ( وثانيها ) : أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة علمنا أن من خالف الله شقي في الدنيا والآخرة ومن أطاعه فقد سعد في الدنيا والآخرة ، فصار ذلك مرغبا لنا في الطاعة ومنفرا عن المعصية . ( وثالثها ) : أن أمة موسى عليه السلام مع أنهم خصوا بهذه المعجزات الظاهرة والبراهين الباهرة ، فقد خالفوا موسى عليه السلام في أمور حتى قالوا : { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمع أن معجزتهم هي القرآن الذي لا يعرف كونه معجزا إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وما خالفوه في أمر البتة ، وهذا يدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من أمة موسى عليه السلام . وبقي على الآية سؤالان :

السؤال الأول : أن فلق البحر في الدلالة على وجود الصانع القادر وفي الدلالة على صدق موسى كالأمر الضروري ، فكيف يجوز فعله في زمان التكليف ؟ والجواب : أما على قولنا فظاهر ، وأما المعتزلة فقد أجاب الكعبي الجواب الكلي بأن في المكلفين من يبعد عن الفطنة والذكاء ويختص بالبلادة وعامة بني إسرائيل كانوا كذلك ، فاحتاجوا في التنبيه إلى معاينة الآيات العظام كفلق البحر ورفع الطور وإحياء الموتى ، ألا ترى أنهم بعد ذلك مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا : { يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } ، وأما العرب فحالهم بخلاف ذلك ، لأنهم كانوا في نهاية الكمال في العقول ، فلا جرم ، اقتصر الله تعالى معهم على الدلائل الدقيقة والمعجزات اللطيفة .

السؤال الثاني : أن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلا فلابد وأن يعلم أن ذلك ما كان من فعله بل لابد من قادر عالم مخالف لسائر القادرين ، فكيف بقي على الكفر مع ذلك ؟ فإن قلت : إنه كان عارفا بربه إلا أنه كان كافرا على سبيل العناد والجحود . قلت : فإذا عرف ذلك بقلبه فكيف استخار توريط نفسه في المهلكة ودخول البحر مع أنه كان في تلك الساعة كالمضطر إلى العلم بوجود الصانع وصدق موسى عليه السلام ، والجواب : حب الشيء يعمي ويصم فحبه الجاه والتلبيس حمله على اقتحام تلك المهلكة .

وأما قوله تعالى : { وأنتم تنظرون } ففيه وجوه . ( أحدها ) : أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه . ( وثانيها ) : أن قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم الله تعالى حالهم فسأل موسى عليه السلام ربه أن يريهم إياهم فلفظهم البحر ألف ألف ومائتي ألف نفس وفرعون معهم ، فنظروا إليهم طافين وإن البحر لم يقبل واحدا منهم لشؤم كفرهم فهو قوله تعالى : { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية } أي نخرجك من مضيق البحر إلى سعة الفضاء ليراك الناس ، وتكون عبرة لهم . ( وثالثها ) : أن المراد وأنتم بالقرب منهم حيث توجهونهم وتقابلونهم وإن كانوا لا يرونهم بأبصارهم ، قال الفراء وهو مثل قولك : لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (50)

40

فإذا فرغ من التعقيب جاء بمشهد النجاة بعد مشاهد العذاب . .

( وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ) . .

وقد وردت تفصيلات هذه النجاة في السور المكية التي نزلت من قبل . أما هنا فهو مجرد التذكير لقوم يعرفون القصة . سواء من القرآن المكي ، أو من كتبهم وأقاصيصهم المحفوظة . إنما يذكرهم بها في صورة مشهد ، ليستعيدوا تصورها ، ويتأثروا بهذا التصور ، وكأنهم هم الذين كانوا ينظرون إلى فرق البحر ، ونجاة بني إسرائيل بقيادة موسى - عليه السلام - على مشهد منهم ومرأى ! وخاصية الاستحياء هذه من أبرز خصائص التعبير القرآني العجيب .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (50)

نعم الله على بني إسرائيل

{ وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا ءال فرعون وأنتم تنظرون ( 50 ) وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون( 51 ) ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون( 52 ) وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون( 53 ) }

50

المفردات :

الفرق : الفصل بين الشيئين .

البحر : هو بحر القلزم ( البحر الأحمر ) فرقه الله اثني عشر فرقة بعدد أسباط بني إسرائيل .

السبط : ولد الولد وهو من بني إسرائيل مثل القبائل لدى العرب .

التفسير :

{ وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون } .

واذكروا من نعمتنا عليكم نعمة فرق البحر بكم وانفصاله بعد اتصاله حين ضرب موسى بعصاه فجعلنا لكم فيه طرقا متعددة فولجتموها وسرتم فيها هربا من فرعون وجنده ، وبذلك تمت لكم النجاة وحصل الغرق لأعدائكم وقت أن عبروا وراءكم وقد شاهدتموهم والبحر يلفهم بأمواجه مشاهدة لا لبس فيها ولا غموض . ولقد كان فيما رأيتم ما يدعو إلى الاتعاظ ويحمل على الشكر وعرفان الفضل لله العلي الكبير .

وأسند سبحانه فرق البحر إلى ذاته الكريمة ليدل على أن القوم عبروه وقطعوه بعنايته سبحانه . وقوله تعالى : { فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون } . بيان للمنة العظمى التي امتن بها عليهم والتي ترتبت على فرق البحر ، لأن فرق البحر لهم ترتب عليه أمران :

أولهما : نجاتهم .

ثانيهما : إهلاك عدوهم ، وكلاهما نعمة عظيمة .

وزعم بعض الناس أن عبور إسرائيل البحر كان وقت الجزر ، وفي بحر القلزم ( البحر الأحمر ) رقارق يتيسر للإنسان أن يعبر بها البحر إذا كان الجزر شديدا ، ولما أتبعهم فرعون وجنوده ورآهم عبروا البحر مشى في إثرهم وكان المد قد بدأ ولم يتم خروج بني إسرائيل إلا وقد علا المد وطغى حتى أغرق فرعون وجميع من معه ، وتحققت نعمة الله على بني إسرائيل ، وتم لهم التوفيق ولعدوهم الخذلان .

والأمر كما ترى معجزة إلهية ، ومنة من الله على بني إسرائيل بالعديد من النعم ، ويبعد أن يكون حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر ، وخاصة أن الآيات تفيد غرق فرعون وجميع من معه ، ولو كان حادثة طبيعية لفر من الغرق كثير من أتباع فرعون قبل تمام المد لأن مد البحر وجزره يتم تدريجيا .

وقال تعالى : { فأغرقناه ومن معه جميعا } . ( الإسراء103 )

وقال سبحانه : { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم } ( الذاريات 208 )

وقد صرحت آيات أخرى بأن فرق البحر كان بسبب ضرب موسى له بالعصا .

قال تعالى : { فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون( 61 ) قال كلا إن معي ربي سيهدين( 62 ) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ( 63 ) وأزلفنا ثم الآخرين( 64 ) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ( 65 ) ثم أغرقنا الآخرين } . ( الشعراء 61-66 )

وقد ألحق المفسرون كثيرا من الإسرائيليات بتفسير هذه الآية ، والقرآن الكريم غني عن هذه الإسرائيليات التي لا تنهض على دليل من العقل أو سند من النقل .

والإسرائيليات عموما تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

الأول : ما كان موافقا لما في القرآن والسنة الصحيحة فنقبله .

الثاني : ما كان مخالفا لما جاء في القرآن والسنة الصحيحة فنرفضه .

الثالث : ما جاء بأمر جديد ليس معنا دليل على صدقه أو كذبه فنتوقف في قبوله .

وقد فسر القرطبي هذه الآية ثم كتب عدة ملحقات بها منها ما يأتي :

القول في اختلاف العلماء في كيفية إنجاء بني إسرائيل :

( فذكر الطبري أن موسى عليه السلام أوحى إليه أن يسرى من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط ، وأحل الله ذلك لبني إسرائيل فسرى بهم موسى من أول الليل فعلم فرعون فقال لا يتبعهم أحد حتى يصيح الديكة فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك ، وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الإتباع مشرقين كما قال الله تعالى : فأتبعوهم مشرقين . ( الشعراء 60 ) .

وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه ، وكانت عدة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف ، وقيل إن فرعون اتبعه ألف ألف حصان سوى الإناث ، وقيل دخل إسرائيل ، وهو يعقوب عليه السلام مصر في ستة وسبعين نفسا من ولده إلى ولد ولده ، فأنمى الله عددهم وبارك في ذريته حتى خرجوا إلى البحر يوم فرعون وهم ستمائة ألف من المقاتلة سوى الشيخ والذرية والنساء ، وذكر أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال : حدثنا شبابة بن سوار عن يونس بن أبي إسحاق عن عمروا بن ميمون عن عبد الله بن مسعود أن موسى عليه السلام حينما أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون فأمر بشاة فذبحت ، ثم قال : لا والله لا يفرغ من سلخها حتى تجتمع علي ستمائة ألف من القبط . قال : فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له : أفرق . فقال له البحر : لقد استكبرت ياموسى . . وهل فرقت لأحد من ولد آدم فأفرق لك . . فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر . فضربه موسى بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم . ( الشعراء 63 ) . فكان فيه اثنا عشر فرقا لاثنى عشر سبطا لكل سبط طريق .

فلما خرج أصحاب موسى وقام أصحاب فرعون التطم البحر عليهم فأغرقهم ، ويذكر أن البحر هو بحر القلزم .

وأن الله تعالى أوحى إلى البحر أن انفرق لموسى إذا ضربك فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب موسى البحر وكناه أبا خالد ( 139 ) ذكره ابن أبي شيبة ، أيضا ، وقد أكثر المفسرون من القصص في هذا المعنى وما ذكرناه كاف ( 140 ) .

( فصل ) ذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق ، ولم يذكر اليوم الذي كان فيه فروى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ماهذا اليوم الذي تصومونه ) فقالوا : هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى ، وأغرق فرعون وقومه ، فصامه موسى شكرا ، فنحن نصومه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فنحن أحق وأولى بموسى منكم ) . فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بصيامه . وأخرجه البخاري أيضا عن ابن عباس ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : ( أنتم أحق بموسى منهم فصوموا )( 141 ) .

( فضيلة ) روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ) . أخرجه مسلم والترمذي ، وقال : لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال ( صيام يوم عاشوراء كفارة سنة ) إلا في حديت أبى قتادة ( 142 ) .

وقوله تعالى : وأنتم تنظرون جملة في موضع الحال ومعناه بإبصاركم فيقال إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم يغرقون وإلى أنفسهم ينجون ففي هذا أعظم المنة .

قال الفخر الرازي :

اعلم أن واقعة فلق البحر تضمنت نعما كثيرة على بني إسرائيل في الدين والدنيا ، أما نعم الدنيا فمن وجوه :

أولها : أنهم لما اقتربوا من البحر أصبحوا في موقف حرج لأن فرعون وجنوده من ورائهم والبحر من أمامهم ، فإن هم توقفوا أدركهم عدوهم وأهلكهم وإن هم تقدموا أغرقوا فحصل لهم خوف عظيم جاءهم بعده الفرج بانفلاق البحر وهلاك عدوهم .

ثانيها : أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة تكريما ورعاية لهم .

ثالثها : أنهم بإغراق فرعون وآله تخلصوا من العذاب وتم لهم الأمن والاطمئنان وذلك نعمة عظمى لأنهم لو نجوا دون هلاك فرعون لبقي خوفهم على حاله ، فقد يعود لتعذيبهم مستقبلا لأنهم لا يأمنون شره ، فلما تم الغرق تم الأمان والاطمئنان لبني إسرائيل .

وأما نعم الدين فمن وجوه :

أولها : أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات لأن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى تقترب من العلم الضروري .

ثانيها : أنهم لما شاهدوا ذلك صار داعيا لهم على الثبات والانقياد لأوامر نبيهم .

ثالثها : أنهم عرفوا أن الأمور كلها بيد الله ، فإنه لا عز في الدنيا أكمل ممن كان لفرعون ، ولا ذل أشد مما كان لنبي إسرائيل ، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا ، والذليل عزيزا والقوي ضعيفا والضعيف قويا ، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا ، ولإقبال كلية على اتباع أوامر الخالق عز وجل .