مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (57)

قوله تعالى : { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }

اعلم أن هذا هو الإنعام السابع الذي ذكره الله تعالى وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بهذه الألفاظ في سورة الأعراف ، وظاهر هذه الآية يدل على أن هذا الإظلال كان بعد أن بعثهم لأنه تعالى قال : { ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون وظللنا عليكم الغمام } بعضه معطوف على بعض وإن كان لا يمتنع خلاف ذلك ، لأن الغرض تعريف النعم التي خصهم الله تعالى بها .

قال المفسرون ، { وظللنا } وجعلنا الغمام تظلكم ، وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع ويبعث الله إليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه { كلوا } على إرادة القول : { وما ظلمونا } يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم أو بأن أخذوا أزيد مما أطلق لهم في أخذه أو بأن سألوا غير ذلك الجنس وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة { وما ظلمونا } عليه .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (57)

40

ويذكرهم برعايته لهم في الصحراء الجرداء حيث يسر لهم طعاما شهيا لا يجهدون فيه ولا يكدون ، ووقاهم هجير الصحراء وحر الشمس المحرق بتدبيره اللطيف :

( وظللنا عليكم الغمام ، وأنزلنا عليكم المن والسلوى . كلوا من طيبات ما رزقناكم . وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) . .

وتذكر الراويات أن الله ساق لهم الغمام يظللهم من الهاجرة . والصحراء بغير مطر ولا سحب ، جحيم يفور بالنار ، ويقذف بالشواظ . وهي بالمطر والسحاب رخية ندية تصح فيها الأجسام والأرواح . . وتذكر الروايات كذلك أن الله سخر لهم ( المن ) يجدونه على الأشجار حلوا كالعسل ، وسخر لهم ( السلوى ) وهو طائر السماني يجدونه بوفرة قريب المنال . وبهذا توافر لهم الطعام الجيد ، والمقام المريح ، وأحلت لهم هذه الطيبات . . ولكن أتراهم شكروا واهتدوا . . إن التعقيب الأخير في الآية يوحي بأنهم ظلموا وجحدوا . وإن كانت عاقبة ذلك عليهم ، فما ظلموا إلا أنفسهم !

( وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (57)

54

المفردات :

المن : مادة حلوة لزجة تشبه العسل تقع في الحجر وورق الشجر وتنزل سائلة كالندى ثم تجمد وتجف فيجمعها الناس .

السلوى : السماني ( السمان ) الطائر المعروف .

التفسير :

وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . تذكر هذه الآية بني إسرائيل بنعمة من أجل النعم عليهم وهي تظليلهم بالغمام في التيه بين مصر والشام وإنزال المن والسلوى عليهم ، ولكن بني إسرائيل لم يشكروا الله على نعمه ؛ ولذا أرسل عليهم رجزا من السماء بسبب ظلمهم وفسقهم . وفي تفسير القمي ( أن إسرائيل لما عبر موسى بهم البحر نزلوا في مفازة فقالوا : يا موسى أهلكتنا وقتلتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفازة لا ظل ، ولا شجر ، ولا ماء ، وكانت تجيء بالنهار غمامة تظلهم من الشمس وينزل عليهم بالليل المن فيقع على النبات والشجر والحجر فيأكلونه وبالعشي يأتيهم طائر مشوي يقع على موائدهم فإذا أكلوا وشربوا طار ومر ، وكان مع موسى حجر يضعه وسط العسكر ثم يضربه بعصاه فتنفجر منه اثنتا عشر عينا كما حكى الله فيذهب إلى كل سبط في رحله وكانوا ثنى عشر سبطا ( 150 ) .

وفي تفسير ابن كثير رواية عن السدى تفيد ما ورد في تفسير القمى ( 151 ) .

ومعنى الآية الكريمة : واذكروا يا بني إسرائيل من بين نعمي عليكم إظلالكم بالغمام وأنتم في التيه ليقيكم حر الشمس وحرارة الجو ، ولولا منحى إياكم الطعام اللذيذ المشتهى بدون تعب منكم في تحصيله لهلكتم ، وقلنا لكم كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الذي رزقكم هذه النعم ، ولكنكم كفرتم بها ، فظلمتم أنفسكم دون أن ينالنا من ذلك شيء لأن الخلق جميعا لن يبلغوا ضرى فيضروني ولن يبلغوا نفعي فينفعوني .

وقوله تعالى : وما ظلمونا معطوف على محذوف ، أي رفضوا ولم يقابلوا النعم بالشكر . ويرى البعض أنه لا حاجة إلى التقدير وأن جملة : وما ظلمونا معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها في أنها من أحوال بني إسرائيل( 152 ) .

قال الإمام ابن جرير في تفسير قوله تعالى : وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون هذا من الذي استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه ، وذلك أن معنى الكلام : كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا ما أمرناهم به ، وعصوا ربهم ، ثم رسولنا إليهم ، وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم ، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا ، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها ، فإن الله تعالى لا تضره معصية عاص ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم ، ولا تنفعه طاعة مطيع ، ولا يزيد في ملكه عدل عادل ، بل نفسه يظلم الظالم وحظها يبخس العاصي ، وإياها ينفع المطيع ، وحظها يصيب العادل ( 153 ) .