مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا} (18)

النوع الثالث : من جملة الموحى قوله تعالى : { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : التقدير : قل أوحي إلي أن المساجد لله ، ومذهب الخليل أن التقدير : ولأن المساجد لله فلا تدعوا ، فعلى هذا اللام متعلقة ، فلا تدعوا أي فلا تدعوا مع الله أحدا في المساجد لأنها لله خاصة ، ونظيره قوله : { وإن هذه أمتكم } على معنى ، ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ، أي لأجل هذا المعنى فاعبدون .

المسألة الثانية : اختلفوا في المساجد على وجوه ( أحدها ) : وهو قول الأكثرين : أنها المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله ويدخل فيها الكنائس والبيع ومساجد المسلمين ، وذلك أن أهل الكتاب يشركون في صلاتهم في البيع والكنائس ، فأمر الله المسلمين بالإخلاص والتوحيد ( وثانيها ) : قال الحسن : أراد بالمساجد البقاع كلها قال عليه الصلاة والسلام : « جعلت لي الأرض مسجدا » كأنه تعالى قال : الأرض كلها مخلوقة لله تعالى فلا تسجدوا عليها لغير خالقها ( وثالثها ) : روي عن الحسن أيضا أنه قال : المساجد هي الصلوات فالمساجد على هذا القول جمع مسجد بفتح الجيم والمسجد على هذا القول مصدر بمعنى السجود ( ورابعها ) : قال سعيد بن جبير : المساجد الأعضاء التي يسجد العبد عليها وهي سبعة القدمان والركبتان واليدان والوجه ، وهذا القول اختيار ابن الأنباري ، قال : لأن هذه الأعضاء هي التي يقع السجود عليها وهي مخلوقة لله تعالى ، فلا ينبغي أن يسجد العاقل عليها لغير الله تعالى ، وعلى هذا القول معنى المساجد مواضع السجود من الجسد واحدها مسجد بفتح الجيم ( وخامسها ) : قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما : يريد بالمساجد مكة بجميع ما فيها من المساجد ، وذلك لأن مكة قبلة الدنيا وكل أحد يسجد إليها ، قال الواحدي : وواحد المساجد على الأقوال كلها مسجد بفتح الجيم إلا على قول من يقول : إنها المواضع التي بنيت للصلاة فإن و( أحدها ) بكسر الجيم لأن المواضع والمصادر كلها من هذا الباب بفتح العين إلا في أحرف معدودة وهي : المسجد والمطلع والمنسك والمسكن والمنبت والمفرق والمسقط والمجزر والمحشر والمشرق والمغرب ، وقد جاء في بعضها الفتح وهو المنسك والمسكن والمفرق والمطلع ، وهو جائز في كلها وإن لم يسمع .

المسألة الثالثة : قال الحسن : من السنة إذا دخل الرجل المسجد أن يقول لا إله إلا الله لأن قوله : { لا تدعوا مع الله أحدا } في ضمنه أمر بذكر الله وبدعائه .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا} (18)

والآية الثالثة في السياق يجوز أن تكون حكاية لقول الجن ، ويجوز أن تكون من كلام الله ابتداء :

( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) . .

وهي في الحالتين توحي بأن السجود - أو مواضع السجود وهي المساجد - لا تكون إلا لله ، فهناك يكون التوحيد الخالص ، ويتوارى كل ظل لكل أحد ، ولكل قيمة ، ولكل اعتبار . وينفرد الجو ويتمحض للعبودية الخالصة لله . ودعاء غير الله قد يكون بعبادة غيره ؛ وقد يكون بالالتجاء إلى سواه ؛ وقد يكون باستحضار القلب لأحد غير الله .

فإن كانت الآية من مقولات الجن فهي توكيد لما سبق من قولهم : ( ولن نشرك بربنا أحدا )في موضع خاص ، وهو موضع العبادة والسجود . وإن كانت من قول الله ابتداء ، فهي توجيه بمناسبة مقالة الجن وتوحيدهم لربهم ، يجيء في موضعه على طريقة القرآن .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا} (18)

صدق العقيدة

{ وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا 18 وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا 19 قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا 20 قل إني لا أملك لكم ضرّا ولا رشدا 21 قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا 22 إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا 23 حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا 24 }

المفردات :

المساجد : واحدها مسجد ، وهو موضع السجود للصلاة والعبادة ، ويدخل فيها الكنائس والبيع ومساجد المسلمين .

فلا تدعوا : فلا تعبدوا .

سبب النزول :

سبب نزول الآية ( 18 ) :

وأنّ المساجد لله . . . الآية .

أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : قالت الجن : يا رسول الله ، ائذن لنا ، فنشهد معك الصلوات في مسجدك ، فأنزل الله : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا . وروى ذلك أيضا عن الأعمش .

وأخرج ابن جرير ، عن سعيد بن جبير قال : قالت الجن للنبي صلى الله عليه وسلم : كيف لنا نأتي المسجد ونحن ناءون عنك ، أي : بعيدون عنك ، أو كيف نشهد الصلاة ونحن ناءون عنك ، فنزلت : وأن المساجد لله . . . الآية .

سبب نزول الآية ( 20 ) :

قل إنما أدعوا ربي . . . سبب نزولها كما ذكر الشوكاني : أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إنك جئت بأمر عظيم ، وقد عاديت الناس كلهم ، فارجع عن هذا فنحن نجيرك .

سبب نزول الآية ( 22 ) :

قل إني لن يجيرني . . . أخرج ابن جرير ، عن حضرمي ، أنه ذكر أن جنيّا من الجن من أشرافهم ذا تبع قال : إنما يريد محمد أن يجيره الله ، وأنا أجيره ، فأنزل اله : قل إني لن يجيرني من الله أحد . . . الآية . v .

التفسير :

18- وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا .

كان المشركون يضعون الأصنام حول الكعبة ، ويدعونها ويتقربون إليها مع عبادتهم لله تعالى ، فأنزل الله تعالى هذا التوجيه الإلهي ، يفيد أن المساجد لله وحده ، فلا يجوز أن يعبد صنم أو وثن أو شخص مع الله عز وجل ، أي أخلصوا المساجد لتوحيد الله وعبادته عبادة خالصة له ، ولا تدعوا معه أي أحد من المخلوقين .

وقال سعيد بن جبير : نزلت في أعضاء السجود ، أي هي لله فلا تسجدوا بها لغير الله .

وفي الحديث أن رسول اله صلى الله عليه وسلم قال : ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة –وأشار بيده إلى أنفه- واليدين ، والركبتين ، وأطراف القدمين )vi . فلا يجوز السجود بها لغير الله .

وقيل : المعنى : أفردوا المساجد لذكر الله ، ولا تتخذوها هزوا ومتجرا ومجلسا وطرقا ، ولا تجعلوا لغير الله فيها نصيبا .

وفي الحديث : ( من نشد ضالة في المسجد فقولوا : لا ردها الله عليك ، فإن المساجد لم تبن لذلك )vii .

وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد قدّم رجله اليمنى وقال : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا . ( اللهم أنا عبدك وزائرك ، وعلى كل مزور حق ، وأنت خير مزور ، فأسألك برحمتك أن تفكّ رقبتي من النار ) ، فإذا خرج من المسجد قدّم رجله اليسرى وقال : ( اللهم صبّ على الخير صبّا ، ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبدا ، ولا تجعل معيشتي كدّا ، واجعل لي في الأرض جدّا ) . أي غنى .