مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ} (6)

قوله تعالى : { يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم }

اعلم أنه سبحانه لما أخبر في الآية الأولى عن وقوع الحشر والنشر ذكر في هذه الآية ما يدل عقلا على إمكانه أو على وقوعه ، وذلك من وجهين ( الأول ) : أن الإله الكريم الذي لا يجوز من كرمه أن يقطع موائد نعمه عن المذنبين ، كيف يجوز في كرمه أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم ؟ ( الثاني ) : أن القادر الذي خلق هذه البنية الإنسانية ثم سواها وعدلها ، إما أن يقال : إنه خلقها لا لحكمة أو لحكمة ، فإن خلقها لا لحكمة كان ذلك عبثا ، وهو غير جائز على الحكيم ، وإن خلقها لحكمة ، فتلك الحكمة ، إما أن تكون عائدة إلى الله تعالى أو إلى العبد ، والأول باطل لأنه سبحانه متعال عن الاستكمال والانتفاع . فتعين الثاني ، وهو أنه خلق الخلق لحكمة عائدة إلى العبد ، وتلك الحكمة إما أن تظهر في الدنيا أو في دار سوى الدنيا . والأول باطل لأن الدنيا دار بلاء وامتحان ، لا دار الانتفاع والجزاء ، ولما بطل كل ذلك ثبت أنه لابد بعد هذه الدار من دار أخرى ، فثبت أن الاعتراف بوجود الإله الكريم الذي يقدر على الخلق والتسوية والتعديل يوجب على العاقل أن يقطع بأنه سبحانه يبعث الأموات ويحشرهم ، وذلك يمنعهم من الاعتراف بعدم الحشر والنشر ، وهذا الاستدلال هو الذي ذكر بعينه في سورة التين حيث قال : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } إلى أن قال : { فما يكذبك بعد بالدين } وهذه المحاجة تصلح مع العرب الذين كانوا مقرين بالصانع وينكرون الإعادة ، وتصلح أيضا مع من ينفي الابتداء والإعادة معا ، لأن الخلق المعدل يدل على الصانع وبواسطته يدل على صحة القول بالحشر والنشر ، فإن قيل : بناء هذا الاستدلال على أنه تعالى حكيم ، ولذلك قال في سورة التين بعد هذا الاستدلال : { أليس الله بأحكم الحاكمين } فكان يجب أن يقول في هذه السورة : ما غرك بربك الحكيم ( الجواب ) : أن الكريم يجب أن يكون حكيما ، لأن إيصال النعمة إلى الغير لو لم يكن مبنيا على داعية الحكمة لكان ذلك تبذيرا لا كرما . أما إذا كان مبنيا على داعية الحكمة فحينئذ يسمى كرما ، إذا ثبت هذا فنقول : كونه كريما يدل على وقوع الحشر من وجهين كما قررناه ، أما كونه حكيما فإنه يدل على وقوع الحشر من هذا الوجه الثاني ، فكان ذكر الكريم ههنا أولى من ذكر الحكيم ، هذا هو تمام الكلام في كيفية النظم ، ولنرجع إلى التفسير . أما قوله : { يا أيها الإنسان } ففيه قولان : ( أحدهما ) أنه الكافر ، لقوله من بعد ذلك : { كلا بل تكذبون بالدين } وقال عطاء عن ابن عباس : نزلت في الوليد بن المغيرة ، وقال الكلبي ومقاتل : نزلت في ابن الأسد بن كلدة بن أسيد ، وذلك أنه ضرب النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقبه الله تعالى ، وأنزل هذه الآية ( والقول الثاني ) : أنه يتناول جميع العصاة وهو الأقرب ، لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ .

أما قوله : { ما غرك بربك الكريم } فالمراد الذي خدعك وسول لك الباطل حتى تركت الواجبات وأتيت بالمحرمات ، والمعنى ما الذي أمنك من عقابه ، يقال : غره بفلان إذا أمنه المحذور من جهته مع أنه غير مأمون ، وهو كقوله : { لا يغرنكم بالله الغرور } هذا إذا حملنا قوله : { يا أيها الإنسان } على جميع العصاة ، وأما إذا حملناه على الكافر ، فالمعنى ما الذي دعاك إلى الكفر والجحد بالرسل ، وإنكار الحشر والنشر ، وههنا سؤالات :

الأول : أن كونه كريما يقتضي أن يغتر الإنسان بكرمه بدليل المعقول والمنقول ، أما المعقول فهو أن الجود إفادة ما ينبغي لا لعوض ، فلما كان الحق تعالى جوادا مطلقا لم يكن مستعيضا ، ومتى كان كذلك استوى عنده طاعة المطيعين ، وعصيان المذنبين ، وهذا يوجب الاغترار لأنه من البعيد أن يقدم الغني على إيلام الضعيف من غير فائدة أصلا ، وأما المنقول فما روي عن علي عليه السلام ، أنه دعا غلامه مرات فلم يجبه ، فنظر فإذا هو بالباب ، فقال له : لم لم تجبني ؟ فقال : لثقتي بحلمك ، وأمني من عقوبتك ، فاستحسن جوابه ، وأعتقه ، وقالوا أيضا : من كرم الرجل سوء أدب غلمانه ، ولما ثبت أن كرمه يقتضي الاغترار به ، فكيف جعله ههنا مانعا من الاغترار به ؟ ( والجواب ) : من وجوه ( أحدها ) : أن معنى الآية أنك لما كنت ترى حلم الله على خلقه ظننت أن ذلك لأنه لا حساب ولا دار إلا هذه الدار ، فما الذي دعاك إلى هذا الاغترار ، وجرأك على إنكار الحشر والنشر ؟ فإن ربك كريم ، فهو لكرمه لا يعاجل بالعقوبة بسطا في مدة التوبة ، وتأخيرا للجزاء إلى أن يجمع الناس في الدار التي جعلها لهم للجزاء ، فالحاصل أن ترك المعاجلة بالعقوبة لأجل الكرم ، وذلك لا يقتضي الاغترار بأنه لا دار بعد هذه الدار ( وثانيها ) : أن كرمه لما بلغ إلى حيث لا يمنع من العاصي موائد لطفه ، فبأن ينتقم للمظلوم من الظالم ، كان أولى فإذن كونه كريما يقتضي الخوف الشديد من هذا الاعتبار ، وترك الجراءة والاغترار ( وثالثها ) : أن كثرة الكرم توجب الجد والاجتهاد في الخدمة والاستحياء من الاغترار والتواني ( ورابعها ) : قال بعض الناس : إنما قال : { بربك الكريم } ليكون ذلك جوابا عن ذلك السؤال حتى يقول غرني كرمك ، ولولا كرمك لما فعلت لأنك رأيت فسترت ، وقدرت فأمهلت ، وهذا الجواب إنما يصح إذا كان المراد من قوله : { يا أيها الإنسان } ليس الكافر .

السؤال الثاني : ما الذي ذكره المفسرون في سبب هذا الاغترار ؟ قلنا وجوه : ( أحدها ) قال قتادة : سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان له ( وثانيها ) : قال الحسن : غره حمقه وجهله ( وثالثها ) : قال مقاتل : غره عفو الله عنه حين لم يعاقبه في أول أمره ، وقيل : للفضيل بن عياض إذا أقامك الله يوم القيامة ، وقال لك : { ما غرك بربك الكريم } ماذا تقول ؟ قال : أقول غرتني ستورك المرخاة .

السؤال الثالث : ما معنى قراءة سعيد بن جبير ما أغرك ؟ ( قلنا ) : هو إما على التعجب وإما على الاستفهام من قولك غر الرجل فهو غار إذا غفل ، ومن قولك بيتهم العدو وهم غارون ، وأغره غيره جعله غارا

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ} (6)

وبعد هذا المطلع الموقظ المنبه للحواس والمشاعر والعقول والضمائر ، يلتفت إلى واقع الإنسان الحاضر ، فإذا هو غافل لاه سادر . . هنا يلمس قلبه لمسة فيها عتاب رضي ، وفيها وعيد خفي ، وفيها تذكير بنعمة الله الأولى عليه : نعمة خلقه في هذه الصورة السوية على حين يملك ربه أن يركبه في أي صورة تتجه إليها مشيئته . ولكنه اختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة . . وهو لا يشكر ولا يقدر :

( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ، الذي خلقك فسواك فعدلك ، في أي صورة ما شاء ركبك ) . .

إن هذا الخطاب : ( يا أيها الإنسان )ينادي في الإنسان أكرم ما في كيانه ، وهو " إنسانيته " التي بها تميز عن سائر الأحياء ؛ وارتفع إلى أكرم مكان ؛ وتجلى فيها إكرام الله له ، وكرمه الفائض عليه .

ثم يعقبه ذلك العتاب الجميل الجليل : ( ما غرك بربك الكريم ? )يا أيها الإنسان الذي تكرم عليك ربك ، راعيك ومربيك ، بإنسانيتك الكريمة الواعية الرفيعة . . يا أيها الإنسان ما الذي غرك بربك ، فجعلك تقصر في حقه ، وتتهاون في أمره ، ويسوء أدبك في جانبه ? وهو ربك الكريم ، الذي أغدق عليك من كرمه وفضله وبره ؛ ومن هذا الإغداق إنسانيتك التي تميزك عن سائر خلقه ، والتي تميز بها وتعقل وتدرك ما ينبغي وما لا ينبغي في جانبه ?

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ} (6)

المفردات :

ما غرك بربك : ما خدعك وجرّأك على عصيانه .

التفسير :

6- يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم .

ينادى الإنسان ويذكّره بتكريم الله تعالى له ، فقد خلق الله آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له الملائكة ، وكرّم الإنسان ومنحه العقل والإرادة والاختيار ، وفتح أمامه أبواب السموّ الروحي والعقلي ، وسخّر الله له الكون ، وأمدّه بسائر النعم .

قال تعالى : وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها إنّ الإنسان لظلوم كفار . ( إبراهيم : 34 ) .

ومن كرم الله أنه لا يعجل بالعقوبة على العصاة ، بل يؤجل عقوبتهم ، ويقبل توبة التائبين ، ويغفر للمستغفرين ، ويتوب على العصاة والمذنبين إذا أنابوا إليه ، ورجعوا إلى حماه .

ومع هذا الكرم العظيم نجد الإنسان يستمتع بنعم الله ، ولا يؤدي حق الله ، وأحيانا يبارز مولاه ، كما قال القائل :

ولم لا أنوح على المعاصي وقد بارزت جبّار السماء

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية : يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم .

فقال : ( غرّه الجهل ) .

وقال مثل ذلك عمر رضي الله عنه ، وقرأ : إنه كان ظلوما جهولا . ( الأحزاب : 72 ) .

وقيل : غرّه عفو الله إذ لم يعاجله بالعقوبة أول مرة ، وقيل : غرّه عدوّه المسلّط عليه ، وهو الشيطان .

وقد أخرج ابن أبي حاتم ، عن عكرمة في قوله تعالى : يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم . قال : نزلت في أبيّ بن خلف ، نزلت في أبيّ الأشد بن كلدة الجمحيّ ، وقال ابن عباس : الإنسان هنا هو الوليد ابن المغيرة .

والأصح أن الآية تتناول جميع العصاة ، لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب نزلت الآية من أجله .