مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{كٓهيعٓصٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة مريم

{ كهيعص } قبل الخوض في القراءات لا بد من مقدمات ثلاثة . المقدمة الأولى : أن حروف المعجم على نوعين ثنائي وثلاثي ، وقد جرت عادة العرب أن ينطقوا بالثنائيات مقطوعة ممالة فيقولوا : با تا ثا وكذلك أمثالها ، وأن ينطقوا بالثلاثيات التي في وسطها الألف مفتوحة مشبعة فيقولوا دال ذال صاد ضاد وكذلك أشكالها ، أما الزاي وحده من بين حروف المعجم فمعتاد فيه الأمران ، فإن من أظهر ياءه في النطق حتى يصير ثلاثيا لم يمله ، ومن لم يظهر ياءه في النطق حتى يشبه الثنائي يمله . أما المقدمة الثانية : ينبغي أن يعلم أن إشباع الفتحة في جميع المواضع أصل والإمالة فرع عليه ولهذا يجوز إشباع كل ممال ولا يجوز إمالة كل مشبع من الفتحات . المقدمة الثالثة : للقراء في القراءات المخصوصة بهذا الموضع ثلاثة طرق : أحدها : أن يتمسكوا بالأصل وهو إشباع فتحة الهاء والياء . وثانيها : أن يميلوا الهاء والياء . وثالثها : أن يجمعوا بين الأصل والفرع فيقع الاختلاف بين الهاء والياء فيفتحوا أحدهما أيهما كان ويكسروا الآخر ولهم في السبب الموجب لهذا الاختلاف قولان : الأول : أن الفتحة المشبعة أصل والإمالة فرع مشهور كثير الاستعمال فأشبع أحدهما وأميل الآخر ليكون جامعا لمراعاة الأصل والفرع وهو أحسن من مراعاة أحدهما وتضييع الآخر . القول الثاني : أن الثنائية من حروف المعجم إذا كانت مقطوعة كانت بالإمالة ، وإذا كانت موصولة كانت بالإشباع وهاويا في قوله تعالى : { كهيعص } مقطوعان في اللفظ موصولان في الخط فأميل أحدهما وأشبع الآخر ليكون كلا الجانبين مرعيا جانب القطع اللفظي وجانب الوصل الخطي ، إذا عرفت هذا فنقول فيه قراءات : إحداها : وهي القراءة المعروفة فيه فتحة الهاء والياء جميعا . وثانيها : كسر الهاء وفتح الياء وهي قراءة أبي عمرو وابن مبادر والقطعي عن أيوب ، وإنما كسروا الهاء دون الياء ليكون فرقا بينه وبين الهاء الذي للتنبيه فإنه لا يكسر قط . وثالثها : فتح الهاء وكسر الياء وهو قراءة حمزة والأعمش وطلحة والضحاك عن عاصم ، وإنما كسروا الياء دون الهاء ، لأن الياء أخت الكسرة وإعطاء الكسرة أختها أولى من إعطائها إلى أجنبية مفتوحة للمناسبة . ورابعها : إمالتهما جميعا وهي قراءة الكسائي والمفضل ويحيى عن عاصم والوليد بن أسلم عن ابن عامر والزهري وابن جرير وإنما أمالوهما للوجهين المذكورين في إمالة الهاء وإمالة الياء . وخامسها : قراءة الحسن وهي ضم الهاء وفتح الياء ، وعنه أيضا فتح الهاء وضم الياء ، وروى صاحب «الكشاف » عن الحسن بضمهما ، فقيل له لم تثبت هذه الرواية عن الحسن لأنه أورد ابن جني في كتاب «المكتسب » أن قراءة الحسن ضم أحدهما وفتح الآخر لا على التعيين ، وقال بعضهم : إنما أقدم الحسن على ضم أحدهما لا على التعيين لأنه تصور أن عين الفعل في الهاء والياء ألف منقلب عن الواو كالدار والمال ، وذلك لأن هذه الألفات وإن كانت مجهولة لأنها لا اشتقاق لها فإنها تحمل على ما هو مشابه لها في اللفظ . والألف إذا وقع عينا فالواجب أن يعتقد أنه منقلب عن الواو لأن الغالب في اللغة ذلك فلما تصور الحسن أن ألف الهاء والياء منقلب عن الواو جعله في حكم الواو وضم ما قبله لأن الواو أخت الضمة . وسادسها : ها يا بإشمامهما شيئا من الضمة .

المسألة الثالثة : قرأ أبو جعفر كهيعص يفصل الحروف بعضها من بعض بأدنى سكتة مع إظهار نون العين وباقي القراء يصلون الحروف بعضها ببعض ويخفون النون .

المسألة الثالثة : القراءة المعروفة صاد ، ذكر بالإدغام ، وعن عاصم ويعقوب بالإظهار .

البحث الثاني : المذاهب المذكورة في هذه الفواتح قد تقدمت لكن الذي يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله تعالى كهيعص ثناء من الله على نفسه ، فمن الكاف وصفه بأنه كاف ومن الهاء هاد ومن العين عالم ومن الصاد صادق . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا أنه حمل الكاف على الكبير والكريم ، ويحكى أيضا عنه أنه حمل الياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى ، وعن الربيع بن أنس في الياء أنه من مجير ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في العين أنه من عزيز ومن عدل ، وهذه الأقوال ليست قوية لما بينا أنه لا يجوز من الله تعالى أن يودع كتابه ما لا تدل عليه اللغة لا بالحقيقة ولا بالمجاز لأنا إن جوزنا ذلك فتح علينا قول من يزعم أن لكل ظاهر باطنا ، واللغة لا تدل على ما ذكروه فإنه ليست دلالة الكاف أولى من دلالته على الكريم أو الكبير أو على اسم آخر من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم أو الملائكة أو الجنة أو النار فيكون حمله على بعضها دون البعض تحكما لا تدل عليه اللغة أصلا .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{كٓهيعٓصٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة مريم مكية وآياتها ثمان وتسعون

يدور سياق هذه السورة على محور التوحيد ؛ ونفي الولد والشريك ؛ ويلم بقضية البعث القائمة على قضية التوحيد . . هذا هو الموضوع الأساسي الذي تعالجه السورة ، كالشأن في السور المكية غالبا .

والقصص هو مادة هذه السورة . فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى . فقصة مريم ومولد عيسى . فطرف من قصة إبراهيم مع أبيه . . ثم تعقبها إشارات إلى النبيين : إسحاق ويعقوب ، وموسى وهرون ، وإسماعيل ، وإدريس . وآدم ونوح . ويستغرق هذا القصص حوالي ثلثي السورة . ويستهدف إثبات الوحدانية والبعث ، ونفي الولد والشريك ، وبيان منهج المهتدين ومنهج الضالين من أتباع النبيين .

ومن ثم بعض مشاهد القيامة ، وبعض الجدل مع المنكرين للبعث .

واستنكار للشرك ودعوى الولد ؛ وعرض لمصارع المشركين والمكذبين في الدنيا وفي الآخرة . . وكله يتناسق مع اتجاه القصص في السورة ويتجمع حول محورها الأصيل .

وللسورة كلها جو خاص يظللها ويشيع فيها ، ويتمشى في موضوعاتها . .

إن سياق هذه السورة معرض للانفعالات والمشاعر القوية . . الانفعالات في النفس البشرية ، وفي " نفس " الكون من حولها . فهذا الكون الذي نتصوره جمادا لا حس له يعرض في السياق ذا نفس وحس ومشاعر وانفعالات ، تشارك في رسم الجو العام للسورة . حيث نرى السماوات والأرض والجبال تغضب وتنفعل حتى لتكاد تنفطر وتنشق وتنهد استنكارا :

( أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) . .

أما الانفعالات في النفس البشرية فتبدأ مع مفتتح السورة وتنتهي مع ختامها . والقصص الرئيسي فيها حافل بهذه الانفعالات في مواقفه العنيفة العميقة . وبخاصة في قصة مريم وميلاد عيسى .

والظل الغالب في الجو هو ظل الرحمة والرضى والاتصال . فهي تبدأ بذكر رحمة الله لعبده زكريا( ذكر رحمة ربك عبده زكريا )وهو يناجي ربه نجاء : ( إذ نادى ربه نداء خفيا ) . . ويتكرر لفظ الرحمة ومعناها وظلها في ثنايا السورة كثيرا . ويكثر فيها اسم( الرحمن ) . ويصور النعيم الذي يلقاه المؤمنون به في صورة ود : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا )ويذكر من نعمة الله على يحيى أن آتاه الله حنانا( وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا ) . ومن نعمة الله على عيسى أن جعله برا بوالدته وديعا لطيفا :

( وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ) . .

وإنك لتحس لمسات الرحمة الندية ودبيبها اللطيف في الكلمات والعبارات والظلال . كما تحس انتفاضات الكون وارتجافاته لوقع كلمة الشرك التي لا تطيقها فطرته . . كذلك تحس أن للسورة إيقاعا موسيقيا خاصا . فحتى جرس ألفاظها وفواصلها فيه رخاء وفيه عمق : رضيا . سريا . حفيا . نجيا . . فأما المواضع التي تقتضي الشد والعنف ، فتجيء فيها الفاصلة مشددة دالا في الغالب . مدا . ضدا . إدا . هدا ، أو زايا : عزا . أزا .

وتنوع الإيقاع الموسيقى والفاصلة والقافية بتنوع الجو والموضوع يبدو جليا في هذه السورة . فهي تبدأ بقصة زكريا ويحيى فتسير الفاصلة والقافية هكذا :

( ذكر رحمة ربك عبده زكريا . إذ نادى ربه نداء خفيا . . . ) الخ .

وتليها قصة مريم وعيسى فتسير الفاصلة والقافية على النظام نفسه :

( واذكر في الكتاب مريم إذا انتبذت من أهلها مكانا شرقيا . فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا . . ) الخ

إلى أن ينتهي القصص ، ويجيء التعقيب ، لتقرير حقيقة عيسى ابن مريم ، وللفصل في قضية بنوته . فيختلف نظام الفواصل والقوافي . . تطول الفاصلة ، وتنتهي القافية بحرف الميم أو النون المستقر الساكن عند الوقف لا بالياء الممدودة الرخية . على النحو التالي :

ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون . ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضي أمرا فإنما يقول له : كن فيكون . . . الخ .

حتى إذا انتهى التقرير والفصل وعاد السياق إلى القصص عادت القافية الرخية المديدة :

واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا . إذ قال لأبيه : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا . . الخ .

حتى إذا جاء ذكر المكذبين وما ينتظرهم من عذاب وانتقام ، تغير الإيقاع الموسيقي وجرس القافية :

( قل : من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا . حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب ؛ وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا . . ) الخ .

وفي موضع الاستنكار يشتد الجرس والنغم بتشديد الدال :

( وقالوا : اتخذ الرحمن ولدا . لقد جئتم شيئا إدا ، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتحز الجبال هذا . . ) الخ .

وهكذا يسير الإيقاع الموسيقي في السورة وفق المعنى والجو ؛ ويشارك في إبقاء الظل الذي يتناسق مع المعنى في ثنايا السورة ، وفق انتقالات السياق من جو إلى جو ومن معنى إلى معنى .

ويسير السياق مع موضوعات السورة في أشواط ثلاثة :

الشوط الأول يتضمن قصة زكريا ويحيى ، وقصة مريم وعيسى . والتعقيب على هذه القصة بالفصل في قضية عيسى التي كثر فيها الجدل ، واختلفت فيها أحزاب اليهود والنصارى .

والشوط الثاني يتضمن حلقة من قصة إبراهيم مع أبيه وقومه واعتزاله لملة الشرك وما عوضه الله من ذرية نسلت بعد ذلك الأمة . ثم إشارات إلى قصص النبيين ، ومن اهتدى بهم ومن خلفهم من الغواة ؛ ومصير هؤلاء وهؤلاء . وينتهي بإعلان الربوبية الواحدة ، التي تعبد بلا شريك : ( رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته . هل تعلم له سميا )

والشوط الثالث والأخير يبدأ بالجدل حول قضية البعث ، ويستعرض بعض مشاهد القيامة . ويعرض صورة من استنكار الكون كله لدعوى الشرك ، وينتهي بمشهد مؤثر عميق من مصارع القرون ! ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن . هل تحسن منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ) فنأخذ في الدرس الأول :

كاف . ها . يا . عين . صاد . .

هذه الأحرف المتقطعة التي تبدأ بها بعض السور ، والتي اخترنا في تفسيرها أنها نماذج من الحروف التي يتألف منها هذا القرآن ، فيجيء نسقا جديدا لا يستطيعه البشر مع أنهم يملكون الحروف ويعرفون الكلمات ، ولكنهم يعجزون أن يصوغوا منها مثل ما تصوغه القدرة المبدعة لهذا القرآن .