فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{كٓهيعٓصٓ} (1)

مقدمة السورة:

مكية

وآياتها ثمان وتسعون

كلماتها : 962 ؛ حروفها : 3802

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ

{ كهيعص { 1 ) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا { 2 ) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا { 3 ) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا { 4 ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا { 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا { 6 ) }

{ كهيعص }{[1948]} قد تكون من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله ؛ وربما تكون اسما للسورة ؛ أو كباقي فواتح السور ، يمكن أن يراد بها التحدي ، على معنى : أن الكاف والهاء والياء والعين والصاد حروف تنطقون بها ، والقرآن حروفه كتلك التي بها تتكلمون ، لكنكم عجزتم وأنتم العرب الفصحاء عن الإتيان بمثل هذا الفرقان الذي أنزلناه بلسان عربي مبين ، فعلم بذلك أنه ليس من كلام البشر ، بل هو كلام رب القوي والقدر . ، وأورد المفسرون أقوالا أخرى ؛ { ذكر رحمة ربك عبده زكريا } لعل المعنى : هذا الذي نوحيه إليك فيه ذكر{[1949]} رحمة مولاك التي نالت عبد الله ونبيه زكريا{[1950]} عليه السلام وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل ، ومن نسل سليمان عليه السلام ؛ وفي صحيح البخاري أنه كان نجارا يأكل من عمل يده ؛ { إذ نادى ربه نداء خفيا } ؛ لكأن المعنى : اذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ دعاه دعاء يسر{[1951]} به ، أو يستره عن الناس وإنما أخفي دعاءه عليه السلام لأنه أدخل في الإخلاص ، وأبعد عن الرياء ، وأقرب إلى الخلاص عن لائمة الناس على طلب الولد . . {[1952]} .

{ قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا } كان من دعاء زكريا عليه السلام أن تضرع إلى ربه بتذلل وخضوع ؛ [ وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن ، وبه قوامه ، وهو أصل بنائه ، فإذا وهن تداعى وتساقط سائر قوته ؛ ولأنه أشد ما فيه وأصلبه ، فإذا وهن كان ما وراءه أهون ، ووحده ، لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية ، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام ، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ]{[1953]} ؛ وانتشر البياض في شعر رأسي ؛ وأورد علماء المعاني أن في الآية لطائف{[1954]} ؛ { ولم أكن بدعائك رب شقيا } كأنما يتوسل عليه السلام إلى ربنا ومولانا بما من عليه من قبل وأنه بفضله يحقق سؤله ، ولا يخيب رجاءه ؛ أي لم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل ، بل كلما دعوتك استجبت لي . { وإني خفت الموالي من ورائي } : { الموالي } القرابة والعصبة وأبناء العم ، والعرب تسمي بني العم : موالي ؛ يقول الشاعر{[1955]} :

مهلا بني عمنا مهلا موالينا *** لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا .

{ من ورائي } من بعدي في الزمن ؛ نقل عن مجاهد وقتادة وغيرهما : أراد بالموالي العصبة ؛ ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا ، فسأل الله ولدا يكون نبيا من بعده ، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه . . ا ه { وكانت امرأتي عاقرا } وقد كانت زوجتي لا تلد ، من حيث شبابها إلى مشيبها وهي عقيم ؛ قالوا : والعاقر وصف يستوي فيه الذكر والأنثى ؛ { فهب لي من لدنك وليا } فأعطني اللهم تفضلا من عندك تابعا ومحبا ومعينا ؛ دعا ربه أن يمنحه ولدا بارا ؛ وفي سورة آل عمران حكى الله دعاء زكريا عليه السلام بما في الآية الكريمة : { . . دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ){[1956]} .

{ يرثني ويرث من آل يعقوب } ينال هذا الولي الذي سألتك أن تمنحنيه ينال مما آتيتني من العلم ، وما آتيت أبناء لإسرائيل من النبوة ؛ [ وقوله : { يرثني ويرث من آل يعقوب } صفة لوليا كما هو المتبادر من الجمل الواقعة بعد النكرات ؛ . . . وآل الرجل : خاصته الذين يؤول إليه أمرهم للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين ؛ و{ يعقوب } على ما روى عن السدي هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم . . . والمراد من الوراثة في الموضعين العلم على ما قيل ]{[1957]} ؛ وذهب بعض إلى أن { يرثني } يراد به يرث مالي ؛ لكن صاحب تفسير القرآن العظيم رد هذا الرأي بما حاصله : النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده ، وأن يأنف من وراثة عصباته له ، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم ؛ هذا وجه ؛ الثاني أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجارا يأكل من كسب يديه ، ومثل هذا لا يجمع مالا ولاسيما الأنبياء ، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا ؛ الثالث أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لا نورث ما تركناه صدقة " ؛ وفي رواية عن الترمذي بإسناد صحيح : " نحن معشر الأنبياء لا نورث " ؛ وعلى هذا فتعين حمل قوله : { فهب لنا من لدنك وليا . يرثني } على ميراث النبوة ، ولهذا قال : { ويرث من آل يعقوب } كقوله : { وورث سليمان داود ) أي في النبوة إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك ، ولما كان في الإخبار بذلك كبير الفائدة ، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه ، فلولا أنها وراثة خاصة ما أخبر بها .

{ واجعله رب رضيا } يدعوا أن يكون هذا الذي سيرزقه الله إياه من أهل محبة الله أي : مرضيا عندك قولا وفعلا ، وقيل راضيا ؛ والأول أنسب . . وعلى ما قلنا يكون دعا بتوفيقه للعمل ، كما أن الأول متضمن للدعاء بتوفيقه للعلم ، فكأنه طلب أن يكون ولده عالما عاملا ؛ وقيل : اجعله مرضيا بين عبادك أي متبعا .


[1948]:نقل بعضهم: أن الكاف، من اسم الله تعالى: {كاف)؛ والهاء من اسمه سبحانه: {هاد)؛ والياء من {حكيم)؛ والعين من {عليم)؛ والصاد من {الصمد).
[1949]:نقل القرطبي عن الفراء وعن الزجاج والأخفش؛ كما نقل الألوسي وجوها مختلفة في موقع {ذكر} من الإعراب
[1950]:نقل ابن كثير في تفسيره أنه ـ عليه السلام ـ كان يعمل نجارا؛ وأورد حديثا من صحيح البخاري يشهد لذلك ؛ ونقل الألوسي أن موقع {زكريا} من الإعراب في هذه الآية الكريمة بدل من {عبده}، أو عطفت بيان له؛ أو نصب بإضمار أعني.
[1951]:مما جاء في الجامع لأحكام القرآن: وقد تقدم أن المستحب من الدعاء الإخفاء..وهذه الآية نص في ذلك؛ لأنه سبحانه أثنى بذلك على زكريا؛......عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم! "إن خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي" وهذا عام؛ قال يونس بن عبيد: كان الحسن يرى أن يدعوا الإمام في القنوت ويؤمن خلفه من غير رفع صوت، وتلا يونس: {إذ نادى ربه نداء خفيا}؛ قال ابن العربي: وقد أسر مالك القنوت، وجهر به الشافعي، والجهر به أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو جهرا.
[1952]:ما بين العارضتين مما جاء في روح المعاني؛ ومما ساقه:.. لا منافاة بين النداء وكونه خفيا، بل لا منافاة بينهما أيضا إذا فسر النداء برفع الصوت، لأن الخفاء غير الخفوت، ومن رفع صوته في مكان ليس بمرأى ولا مسمع من الناس فقد أخفاه .
[1953]:ما بين العلامتين [ ] من روح المعاني.
[1954]:قالوا: أصل الكلام: يا رب قد شخت ـ فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل، فصار: ضعف بدني، وشاب رأسي، ثم في الأولى عدل من التصريح إلى الكناية، فصار: وهنت عظامي؛ وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة = فيها إلى الاستعارة التي هي أبلغ، فحصل: اشتعل شيب رأسي، وبيان الاستعارة فيه أنه شب الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكناية بأن حذف المشبه به و أداة التشبيه، فصار: اشتعل شيب رأسي؛ أو يكون استعمل {اشتعل} بدل انتشر، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي: اشتعل رأسي شيبا؛ وكونها أبلغ من جهات: منها ـ إسناد الاشتعال إلى الرأس، لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قيل اشتعل بيته نارا؛ مكان اشتعل النار في بيته...، ومنها ـ تنكير {شيبا} للتعظيم؛ ثم قالوا هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.
[1955]:هو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب؛ وهو من شعراء بني هاشم في عهد بني أمية.
[1956]:من الآية 38.
[1957]:ما بين العلامتين [ ] من روح المعاني.