مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الزمر

{ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ( 1 ) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ( 2 ) ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ( 3 ) لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار ( 4 ) }

اعلم أن في الآية مسائل :

المسألة الأولى : ذكر الفراء والزجاج : في رفع { تنزيل } وجهين أحدهما : أن يكون قوله : { تنزيل } مبتدأ وقوله : { من الله العزيز الحكيم } خبر والثاني : أن يكون التقدير هذا تنزيل الكتاب ، فيضمر المبتدأ كقوله : { سورة أنزلناها } أي هذه سورة ، قال بعضهم : الوجه الأول لوجوه الأول : أن الإضمار خلاف الأصل ، فلا يصار إليه إلا لضرورة ، ولا ضرورة ههنا الثاني : أنا إذا قلنا : { تنزيل الكتاب من الله } جملة تامة من المبتدأ والخبر أفاد فائدة شريفة ، وهي أن تنزيل الكتاب يكون من الله ، لا من غيره وهذا الحصر معنى معتبر ، أما إذا أضمرنا المبتدأ لم تحصل هذه الفائدة الثالث : أنا إذا أضمرنا المبتدأ صار التقدير هذا تنزيل الكتاب من الله ، وحينئذ يلزمنا مجاز آخر ، لأن هذا إشارة إلى السورة ، والسورة ليست نفس التنزيل ، بل السورة منزلة ، فحينئذ يحتاج إلى أن نقول المراد من المصدر المفعول وهو مجاز تحملناه لا لضرورة .

المسألة الثانية : القائلون بخلق القرآن احتجوا بأن قالوا إنه تعالى وصف القرآن بكونه تنزيلا ومنزلا ، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمحدث المخلوق والجواب : أنا نحمل هذه اللفظة على الصيغ والحروف .

المسألة الثالثة : الآيات الكثيرة تدل على وصف القرآن بكونه تنزيلا وآيات أخر تدل على كونه منزلا .

أما الأول : فقوله تعالى : { وإنه لتنزيل رب العالمين } ، وقال : { تنزيل من حكيم حميد } وقال : { حم * تنزيل من الرحمن الرحيم } .

وأما الثاني : فقوله : { إنا نحن نزلنا الذكر } وقال : { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } وأنت تعلم أن كونه منزلا أقرب إلى الحقيقة من كونه تنزيلا ، فكونه منزلا مجاز أيضا لأنه إن كان المراد من القرآن الصفة القائمة بذات الله فهو لا يقبل الإنفصال والنزول ، وإن كان المراد منه الحروف والأصوات فهي أعراض لا تقبل الانتقال والنزول ، بل المراد من النزول نزول الملك الذي بلغها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم .

المسألة الرابعة : قالت المعتزلة العزيز هو القادر الذي لا يغلب فهذا اللفظ يدل على كونه تعالى قادرا على ما لا نهاية له والحكيم هو الذي يفعل لداعية الحكمة لا لداعية الشهوة ، وهذا إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات ، وأنه غني عن جميع الحاجات إذا ثبت هذا فنقول كونه تعالى : عزيزا حكيما يدل على هذه الصفات الثلاثة ، العلم بجميع المعلومات ، والقدرة على كل الممكنات ، والاستغناء عن كل الحاجات ، فمن كان كذلك امتنع أن يفعل القبيح وأن يحكم بالقبيح ، وإذا كان كذلك فكل ما يفعله يكون حكمة وصوابا . إذا ثبت هذا فنقول الانتفاع بالقرآن يتوقف على أصلين أحدهما : أن يعلم أن القرآن كلام الله ، والدليل عليه أنه ثبت بالمعجز كون الرسول صادقا ، وثبت بالتواتر أنه كان يقول القرآن كلام الله فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن القرآن كلام الله والأصل الثاني : أن الله أراد بهذه الألفاظ المعاني التي هي موضوعة لها ، أم بحسب اللغة أو بحسب القرينة العرفية أو الشرعية لأنه لو لم يرد بها ذلك لكان تلبيسا ، وذلك لا يليق بالحكيم فثبت بما ذكرنا أن الانتفاع بالقرآن لا يحصل إلا بعد تسليم هذين الأصلين ، وثبت أنه لا سبيل إلى إثبات هذين الأصلين إلا بإثبات كونه تعالى حكيما ، وثبت أن لا سبيل إلى إثبات كونه حكيما إلا بالبناء على كونه تعالى عزيزا ، فلهذا السبب قال : { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الزمر مكية وآياتها خمس وسبعون

هذه السورة تكاد تكون مقصورة على علاج قضية التوحيد . وهي تطوف بالقلب البشري في جولات متعاقبة ؛ وتوقع على أوتاره إيقاعات متلاحقة ؛ وتهزه هزاً عميقاً متواصلاً لتطبع فيه حقيقة التوحيد وتمكنها ، وتنفي عنه كل شبهة وكل ظل يشوب هذه الحقيقة . ومن ثم فهي ذات موضوع واحد متصل من بدئها إلى ختامها ؛ يعرض في صور شتى .

ومنذ افتتاح السورة تبرز هذه القضية الواحدة التي تكاد السورة تقتصر على علاجها : تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم . إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين . ألا لله الدين الخالص . . . الخ . . . وتتردد في مقاطعها على فترات متقاربة فيها إما نصاً . وإما مفهوماً . .

نصاً كقوله : قل : إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين . وأمرت لأن أكون أول المسلمين . قل : إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . قل : الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه . . . الخ . . أو قوله : ( قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ? ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ) .

ومفهوماً كقوله : ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ، ورجلا سلما لرجل . هل يستويان مثلاً : الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) . . أو قوله : ( أليس الله بكاف عبده ? ويخوفونك بالذين من دونه ، ومن يضلل الله فما له من هاد ، ومن يهد الله فما له من مضل . أليس الله بعزيز ذي انتقام ? ) . .

وإلى جانب حقيقة التوحيد التي تعالج السورة أن تطبعها في القلب وتمكنها نجد في السورة توجيهات وإيحاءات لإيقاظ هذا القلب واستجاشته وإثارة حساسيته ، وإرهافه للتلقي والتأثر والاستجابة . ذلك كقوله : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى . فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين هداهم الله ، وأولئك هم أولوا الألباب . . ( الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله : ذلك هدى الله يهدي به من يشاء . ومن يضلل الله فما له من هاد ) . . ( وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه ، ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل . وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله . قل : تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار ) . .

وهناك ظاهرة ملحوظة في جو السورة . . إن ظل الآخرة يجللها من أولها إلى آخرها . وسياقها يطوّف بالقلب البشري هناك في كل شوط من أشواطها القصيرة ؛ ويعيش به في ظلال العالم الآخر معظم الوقت ! وهذا هو مجال العرض الأول فيها والمؤثر البارز المتكرر في ثناياها . ومن ثم تتلاحق فيها مشاهد القيامة أو الإشارة إليها في كل مقطع من مقاطعها الكثيرة . مثل هذه الإشارات : ( أم من هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ? ) . . ( قل : إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) . . ( أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ? ) . . ( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة ? ) . . ( ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) . . ( أليس في جهنم مثوى للكافرين ? ) . . ( ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ؛ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) . . ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون . واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغته وأنتم لا تشعرون . أن تقول نفس : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين . أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين . أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين . . ) . . وهذا غير المشاهد الكاملة التي تشغل حيزاً من السورة كبيراً ، وتظلل جوها بظلال الآخرة .

أما المشاهد الكونية التي لاحظنا كثرتها وتنوعها في السور المكية في ثنايا عرضها لحقائق العقيدة فهي قليلة في هذه السورة . .

هنالك مشهد كوني يرد في مطلعها : ( خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى . ألا هو العزيز الغفار ) . .

ومشهد آخر في وسطها : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ؛ ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه ؛ ثم يهيج فتراه مصفراً ؛ ثم يجعله حطاماً ? إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) . .

وهناك إشارات سريعة إلى خلق السماوات والأرض غير هذين المشهدين البارزين .

كذلك تتضمن السورة لمسات من واقع حياة البشر ، وفي أغوار نفوسهم ، تتوزع في ثناياها .

يرد في مطالعها عن نشأة البشرية : ( خلقكم من نفس واحدة ؛ ثم جعل منها زوجها . وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج . يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث . ذلكم الله ربكم له الملك . لا إله إلا هو ، فأنى تصرفون ? ) .

ويرد عن طبيعة النفس البشرية في الضراء والسراء : وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه ؛ ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل . . . الخ . . ( فإذا مس الإنسان ضر دعانا ؛ ثم إذا خولناه نعمة منا قال : إنما أوتيته على علم بل هي فتنة . . ) . .

ويرد في تصوير أنفس البشر في قبضة الله في كل حالة : ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ؛ فيمسك التي قضى عليها الموت ، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى . إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) . .

ولكن ظل الآخرة وجوها يظل مسيطراً على السورة كلها كما أسلفنا . حتى تختم بمشهد خاشع يرسم ظل ذلك اليوم وجوه : ( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ، وقضي بينهم بالحق ، وقيل : الحمد لله رب العالمين ) .

هذا الظل يتناسق مع جو السورة ، ولون اللمسات التي تأخذ القلب البشري بها . فهي أقرب إلى جو الخشية والخوف والفزع والارتعاش . ومن ثم نجد الحالات التي ترسمها للقلب البشري هي حالات ارتعاشه وانتفاضه وخشيته . نجد هذا في صورة القانت( آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) . وفي صورة الذين يخشون ربهم تقشعر جلودهم لهذا القرآن ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله . كما نجده في التوجيه إلى التقوى والخوف من العذاب ، والتخويف منه : ( قل : يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم ) . ( قل : إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) . . ( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل . ذلك يخوف الله به عباده . يا عباد فاتقون ) . . ثم نجده في مشاهد القيامة وما فيها من فزع ومن خشية ، وما فيها كذلك من إنابة وخشوع .

والسورة تعالج الموضوع الواحد الرئيسي فيها في جولات قصيرة متتابعة ؛ تكاد كل جولة منها تختم بمشهد من مشاهد القيامة ، أو ظل من ظلالها . وسنحاول أن نستعرض هذه الجولات المتتابعة كما وردت في السياق . إذ أنه يصعب تقسيم السورة إلى دروس كبيرة . وكل مجموعة قليلة من آياتها تصلح حلقة تعرض في موضعها . ومجموع هذه الحلقات يتناول حقيقة واحدة . حقيقة التوحيد الكبيرة . .

( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم . إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ، فاعبد الله مخلصاً له الدين . ألا لله الدين الخالص ، والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون . إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) .

تبدأ السورة بهذا التقرير الحاسم .

( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) . .

العزيز القادر على تنزيله .

الحكيم الذي يعلم فيم أنزله ولماذا أنزله ؛ ويفعل ذلك بحكمة وتقدير وتدبير .

ولا يتلبث السياق عند هذه الحقيقة طويلاً ؛ فهي مقدمة للقضية الأصيلة التي تكاد السورة تكون وقفاً عليها ؛ والتي نزل الكتاب لتقريرها وتوكيدها . قضية توحيد الله ، وإفراده بالعبادة ، وإخلاص الدين له ، وتنزيهه عن الشرك في كل صورة من صوره ؛ والاتجاه إليه مباشرة بلا وسيط ولا شفيع :