مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا} (66)

قوله تعالى : { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من دلنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما } .

اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الإخلاص وترك النفاق ، والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس ، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون ، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم ، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة ، فليقبلوها بالإخلاص وليتركوا التمرد والعناد حتى ينالوا خير الدارين ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي : { أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم } بضم النون في «أن » وضم واو «أو » والسبب فيه نقل ضمة { اقتلوا } وضمة { أخرجوا } إليهما ، وقرأ عاصم وحمزة بالكسر فيهما لالتقاء الساكنين ، وقرأ أبو عمرو بكسر النون وضم الواو ، وقال الزجاج : ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون رواية . وقال غيره : أما كسر النون فلأن الكسر هو الأصل لالتقاء الساكنين ، وأما ضم الواو فلأن الضمة في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير . واتفق الجمهور على الضم في واو الضمير نحو { اشتروا الضلالة } { ولا تنسوا الفضل } .

المسألة الثانية : الكناية في قوله : { ما فعلوه } عائدة إلى القتل والخروج معا ، وذلك لأن الفعل جنس واحد وان اختلفت ضروبه ، واختلف القراء في قوله : { إلا قليل } فقرأ ابن عامر { قليلا } بالنصب ، وكذا هو في مصاحف أهل الشام ومصحف أنس بن مالك ، والباقون بالرفع ، أما من نصب فقاس النفي على الإثبات ، فإن قولك : ما جاءني أحد كلام تام ، كما أن قولك : جاءني القوم كلام تام فلما كان المستثنى منصوبا في الإثبات فكذا مع النفي ، والجامع كون المستثنى فضله جاءت بعد تمام الكلام ، وأما من رفع فالسبب أنه جعله بدلا من الواو في { فعلوه } وكذلك كل مستثنى من منفي ، كقولك : ما أتاني أحد إلا زيد ، برفع زيد على البدل من أحد ، فيحمل إعراب ما بعد «إلا » على ما قبلها . وكذلك في النصب والجر ، كقولك : ما رأيت أحدا إلا زيدا ، وما مررت بأحد إلا زيد . قال أبو علي الفارسي : الرفع أقيس ، فإن معنى ما أتى أحد إلا زيد ، وما أتاني إلا زيد واحد ، فكما اتفقوا في قولهم ما أتاني إلا زيد على الرفع وجب أن يكون قولهم : ما أتاني أحد إلا زيد بمنزلته .

المسألة الثالثة : الضمير في قوله : { ولو أنا كتبنا عليهم } فيه قولان : الأول : وهو قول ابن عباس ومجاهد أنه عائد إلى المنافقين ، وذلك لأنه تعالى كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم ، فقال تعالى : ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل رياء وسمعة ، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم ، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليقبلوا الإيمان على سبيل الإخلاص ، وهذا القول اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر القفال . الثاني : أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم ، وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق ، وأما الضمير في قوله : { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } فهو مختص بالمنافقين ، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا ، وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين ، روي أن ثابت بن قيس بن شماس ناظر يهوديا ، فقال اليهودي : أن موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك ، وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه ، فقال : يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك ، فنزلت هذه الآية . وروي أن ابن مسعود قال مثل ذلك ، فنزلت هذه الآية . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي " وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يأمرنا بذلك .

المسألة الرابعة : قال أبو علي الجبائي : لما دلت هذه الآية على أنه تعالى لم يكلفهم ما يغلظ ويثقل عليهم ، فبأن لا يكلفهم ما لا يطيقون كان أولى ، فيقال له : هذا لازم عليك لأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما لم يكلفهم بهذه الأشياء الشاقة ، لأنه لو كلفهم بها لما فعلوها ، ولو لم يفعلوها لوقعوا في العذاب ، ثم أنه تعالى علم من أبي جهل وأبي لهب أنهم لا يؤمنون ، وأنهم لا يستفيدون من التكليف إلا العقاب الدائم ، ومع ذلك فإنه تعالى كلفهم ، فكل ما تجعله جوابا عن هذا فهو جوابنا عما ذكرت .

ثم قال تعالى : { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لأتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما } .

اعلم أن المراد من قوله : { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به } أنهم لو فعلوا ما كلفوا به وأمروا به ، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظا لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، والثواب والعقاب ، وما كان كذلك فإنه يسمى وعظا .

ثم إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع :

فالنوع الأول : قوله : { لكان خيرا لهم } فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل لهم خير الدنيا والآخرة ، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح ، وهو أن ذلك أنفع لهم وأفضل من غيره ، لأن قولنا : «خير » يستعمل على الوجهين جميعا .

النوع الثاني : قوله : { وأشد تثبيتا } وفيه وجوه : الأول : أن المراد أن هذا أقرب إلى ثباتهم عليه واستمرارهم ، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها ، والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه . الثاني : أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق والحق ثابت باق ، والباطل زائل . الثالث : أن الإنسان يطلب أولا تحصيل الخير ، فإذا حصله فإنه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا ، فقوله : { لكان خيرا لهم } إشارة إلى الحالة الأولى ، وقوله : { وأشد تثبيتا } إشارة إلى الحالة الثانية .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا} (66)

58

وبعد أن يقرر أن لا إيمان قبل تحكيم رسول الله [ ص ] وقبل الرضى والتسليم بقضائه ، يعود ليقول : إن هذا المنهج الذي يدعون إليه ؛ وهذه الشريعة التي يقال لهم : تحاكموا إليها - لا لسواها - وهذا القضاء الذي يتحتم عليهم قبوله والرضاء به . . . إنه منهج ميسر ، وشريعة سمحة ، وقضاء رحيم . . إنه لا يكلفهم شيئا فوق طاقتهم ؛ ولا يكلفهم عنتا يشق عليهم ؛ ولا يكلفهم التضحية بعزيز عليهم . . فالله يعلم ضعف الإنسان ؛ ويرحم هذا الضعف . والله يعلم أنهم لو كلفوا تكاليف شاقة ، ما أداها إلا قليل منهم . . وهو لا يريد لهم العنت ، ولا يريد لهم أن يقعوا في المعصية . . ومن ثم لم يكتب عليهم ما يشق ، وما يدعو الكثيرين منهم للتقصير والمعصية . ولو أنهم استجابوا للتكاليف اليسيرة التي كتبها الله عليهم ؛ واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها ؛ لنالوا خيرا عظيما في الدنيا والآخرة ؛ ولأعانهم الله بالهدى ، كما يعين كل من يجاهد للهدى بالعزم والقصد والعمل والإرادة ، في حدود الطاقة :

( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه - إلا قليل منهم - ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ، لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ؛ وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ؛ ولهديناهم صراطا مستقيمًا ) . .

إن هذا المنهج ميسر لينهض به كل ذي فطرة سوية . إنه لا يحتاج للعزائم الخارقة الفائقة ، التي لا توجد عادة إلا في القلة من البشر . وهذا الدين لم يجيء لهذه القلة القليلة . إنه جاء للناس جميعا . والناس معادن ، وألوان ، وطبقات . من ناحية القدرة على النهوض بالتكاليف . وهذا الدين ييسر لهم جميعا أن يؤدوا الطاعات المطلوبة فيه ، وأن يكفوا عن المعاصي التي نهى عنها .

وقتل النفس ، والخروج من الديار . . مثلان للتكاليف الشاقة ، التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم . وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس ؛ وأن ينكل عنها عامة الناس . بل المراد أن يؤديها الجميع ، وأن يقدر عليها الجميع ، وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية ؛ وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس ، وطبقات الهمم ، وطبقات الاستعدادات ؛ وأن ينميها جميعا ويرقيها ، في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض !

قال ابن جريج : حدثنا المثنى إسحاق أبو الأزهر ، عن إسماعيل ، عن أبى إسحاق السبيعي قال : لما نزلت : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ) . . . الآية : قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذي عافانا . . فبلغ ذلك النبي [ ص ] فقال : " إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبالالرواسي " .

وروى ابن أبي حاتم - بإسناده - عن مصعب بن ثابت . عن عمه عامر بن عبدالله بن الزبير . قال : لما نزلت ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) قال رسول الله [ ص ] : " لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم " .

وفي رواية له - بإسناده - عن شريح بن عبيد : قال : لما تلا رسول الله [ ص ] هذه الآية : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم . . . ) الآية ، أشار رسول الله [ ص ] بيده إلى عبدالله ابن رواحة ، فقال : " لو أن الله كتب هذا ، لكان هذا من أولئك القليل " :

وكان رسول الله [ ص ] يعرف رجاله معرفة وثيقة عميقة دقيقة ؛ ويعرف من خصائص كل منهم ما لا يعرفه كل منهم عن نفسه ! وفي السيرة من هذا الكثير من الشواهد على خبرة الرسول [ ص ] بكل واحد من رجاله ؛ وخبرته كذلك بالرجال والقبائل التي كانت تحاربه . . خبرة القائد البصير بكل ما حوله ومن حوله . . في دقة عجيبة . . لم تدرس بعد الدراسة الواجبة .

وليس هذا موضوعنا . ولكن موضوعنا أن رسول الله [ ص ] كان يعرف أن في أمته من ينهض بالتكاليف الشاقة لو كتبت عليهم . ولكنه كان يعرف كذلك أن الدين لم يجيء لهذه القلة الممتازة في البشرية كلها . وكان الله - سبحانه - يعلم طبيعة هذا " الإنسان " الذي خلقه ؛ وحدود طاقته ؛ فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين ، إلا ما هو ميسر للجميع ؛ حين تصح العزيمة ، وتعتدل الفطرة ، وينوي العبد الطاعة ، ولا يستهتر ولا يستهين .

وتقرير هذه الحقيقة ذو أهمية خاصة ؛ في مواجهة الدعوات الهدامة ؛ التي تدعو الإنسان إلى الانحلال والحيوانية ، والتلبط في الوحل كالدود ! بحجة أن هذا هو " واقع " الإنسان ، وطبيعته وفطرته وحدود طاقته ! وأن الدين دعوة " مثالية " لم تجيء لتحقق في واقع الأرض ؛ وإذا نهض بتكاليفها فرد ، فإن مائة لا يطيقون !

هذه دعوى كاذبة أولا ؛ وخادعة ثانيا ؛ وجاهلة ثالثا . . لأنها لا تفهم " الإنسان " ولا تعلم منه ما يعلمه خالقه ، الذي فرض عليه تكاليف الدين ؛ وهو يعلم - سبحانه - أنها داخلة في مقدور الإنسان العادي . لأن الدين لم يجيء للقلائل الممتازين !

وإن هي إلا العزيمة - عزيمة الفرد العادي - وإخلاص النية . والبدء في الطريق . وعندئذ يكون ما يعد الله به العاملين :

( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ) .

فمجرد البدء ، يتبعه العون من الله . ويتبعه التثبيت على المضي في الطريق .

ويتبعه الأجر العظيم .

وتتبعه الهداية إلى الطريق المستقيم . . وصدق الله العظيم . . فما يخدع الله - سبحانه وتعالى - عباده ؛ ولا يعدهم وعدا لا يفي لهم به ؛ ولا يحدثهم إلا حديث الصدق . . ( ومن أصدق من الله حديثًا ) ؟

في الوقت ذاته ليس اليسر - في هذا المنهج - هو الترخص . ليس هو تجميع الرخص كلها في هذا الدين وجعلها منهج الحياة . فهذا الدين عزائم ورخص . والعزائم هي الأصل والرخص للملابسات الطارئة . . وبعض المخلصين حسني النية ، الذين يريدون دعوة الناس إلى هذا الدين ، يعمدون إلى " الرخص " فيجمعونها ويقدمونها للناس ، على أنها هي هذا الدين . ويقولون لهم : انظروا كم هو ميسر هذا الدين ! وبعض الذين يتملقون شهوات السلطان أو شهوات الجماهير ، يبحثون عن " منافذ " لهذه الشهوات من خلال الأحكام والنصوص ؛ ويجعلون هذه المنافذ هي الدين !

وهذا الدين ليس هذا وليس ذاك . إنما هو بجملته . برخصه وعزائمة . ميسر للناس يقدر عليه الفرد العادي ، حين يعزم . ويبلغ فيه تمام كماله الذاتي - في حدود بشريته - كما يبلغ تمام كماله الذاتي في الحديقة الواحدة : العنب والخوخ والكمثرى والتوت والتين والقثاء . . ولا تكون كلها ذات طعم واحد . . ولا يقال عن أحدها : إنه غير ناضج - حين يبلغ نضجه الذاتي - إذا كان طعمه أقل مرتبة من النوع الآخر !

في حديقة هذا الدين ينبت البقل والقثاء ؛ وينبت الزيتون والرمان ، وينبت التفاح والبرقوق ، وينبت العنب والتين . . . وينضج كله ؛ مختلفة طعومه ورتبه . . ولكنه كله ينضج . ويبلغ كماله المقدر له . . إنها زرعة الله . . في حقل الله . . برعاية الله . . وتيسير الله . .