مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ} (58)

وقالوا آلهتنا أهون ( الوجه الثالث ) : في التأويل وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح وجعلوه إلها لأنفسهم ، قال كفار مكة إن محمدا يريد أن يجعل لنا إلها كما جعل النصارى المسيح إلها لأنفسهم ، ثم عند هذا قالوا { آلهتنا خير أم هو } يعني آلهتنا خير أم محمد ، وذكروا ذلك لأجل أنهم قالوا : إن محمدا يدعونا إلى عبادة نفسه ، وآباؤنا زعموا أنه يجب عبادة هذه الأصنام ، وإذا كان لا بد من أحد هذين الأمرين فعبادة هذه الأصنام أولى ، لأن آباءنا وأسلافنا كانوا متطابقين عليه ، وأما محمد فإنه متهم في أمرنا بعبادته فكان الاشتغال بعبادة الأصنام أولى ، ثم إنه تعالى بين أنا لم نقل إن الاشتغال بعبادة المسيح طريق حسن بل هو كلام باطل فإن عيسى ليس إلا عبدا أنعمنا عليه ، فإذا كان الأمر كذلك فقد زالت شبهتهم في قولهم : إن محمدا يريد أن يأمرنا بعبادة نفسه ، فهذه الوجوه الثلاثة مما يحتمل كل واحد منها لفظ الآية .

المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم يصدون بضم الصاد وهو قراءة علي بن أبي طالب عليه السلام والباقون بكسر الصاد وهي قراءة ابن عباس ، واختلفوا فقال الكسائي هما بمعنى نحو يعرشون ويعرشون ويعكفون ، ومنهم من فرق ، أما القراءة بالضم فمن الصدود ، أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه ، وأما بالكسر فمعناه يضجون .

المسألة الثالثة : قرأ عاصم وحمزة والكسائي أآلهتنا استفهاما بهمزتين الثانية مطولة والباقون استفهاما بهمزة ومدة .

ثم قال تعالى : { ما ضربوه لك إلا جدلا } أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الفرق بين الحق والباطل { بل هم قوم خصمون } مبالغون في الخصومة ، وذلك لأن قوله { إنكم وما تعبدون من دون الله } لا يتناول الملائكة وعيسى ، وبيانه من وجوه ( الأول ) أن كلمة ما لا تتناول العقلاء البتة ( والثاني ) أن كلمة ما ليست صريحة في الاستغراق بدليل أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض عليه ، فيقال إنكم وكل ما تعبدون من دون الله ، أو إنكم وبعض ما تبعدون من دون الله ( الثالث ) أن قوله إنكم وكل ما تعبدون من دون الله أو وبعض ما تعبدون خطاب مشافهة فلعله ما كان فيهم أحد يعبد المسيح والملائكة ( الرابع ) أن قوله { إنكم وما تعبدون من دون الله } هب أنه عام إلا أن النصوص الدالة على تعظيم الملائكة وعيسى أخص منه ، والخاص مقدم على العام .

المسألة الرابعة : القائلون بذم الجدل تمسكوا بهذه الآية إلا أنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : { ما يجادل في ءايات الله إلا الذين كفروا } أن الآيات الكثيرة دالة على أن الجدل موجب للمدح والثناء ، وطريق التوفيق أن تصرف تلك الآيات إلى الجدل الذي يفيد تقرير الحق ، وأن تصرف هذه الآية إلى الجدل الذي يوجب تقرير الباطل .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ} (58)

57

( وقالوا أآلهتنا خير أم هو ? )يعنون أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى " وإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا هيناً ! " .

ولم يذكر صاحب الكشاف من أين استقى روايته هذه . وهي تتفق في عمومها مع رواية ابن إسحاق .

ومن كليهما يتضح الالتواء في الجدل ، والمراء في المناقشة . ويتضح ما يقرره القرآن عن طبيعة القوم وهو يقول : ( بل هم قوم خصمون ) . . ذوو لدد في الخصومة ومهارة . فهم يدركون من أول الأمر ما يقصد إليه القرآن الكريم وما يقصد إليه الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فيلوونه عن استقامته ، ويتلمسون شبهة في عموم اللفظ فيدخلون منها بهذه المماحكات الجدلية ، التي يغرم بمثلها كل من عدم الإخلاص ، وفقد الاستقامة يكابر في الحق ، ويعمد إلى شبهة في لفظ أو عبارة أو منفذ خلفي للحقيقة ! ومن ثم كان نهي رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وتشديده عن المراء ، الذي لا يقصد به وجه الحق ، إنما يراد به الغلبة من أي طريق .

قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، عن عبادة بن عبادة ، عن جعفر ، عن القاسم ، عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال : إن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن . فغضب غضباً شديداً ، حتى كأنما صب على وجهه الخل . ثم قال [ صلى الله عليه وسلم ] : " لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض . فإنه ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل . ثم تلا [ صلى الله عليه وسلم ] ( ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون ) " . .

وهناك احتمال في تفسير قوله تعالى : ( وقالوا : أآلهتنا خير أم هو ? )يرشح له سياق الآيات في صدد أسطورتهم على الملائكة . وهو أنهم عنوا أن عبادتهم للملائكة خير من عبادة النصارى لعيسى ابن مريم . بما أن الملائكة أقرب في طبيعتهم وأقرب نسباً - حسب أسطورتهم - من الله سبحانه وتعالى عما يصفون . ويكون التعقيب بقوله تعالى : ( ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون ) . . يعني الرد على ابن الزبعري كما سبق . كما يعني أن ضربهم المثل بعبادة النصارى للمسيح باطل . فعمل النصارى ليس حجة لأنه انحراف عن التوحيد . كانحرافهم هم . فلا مجال للمفاضلة بين انحراف وانحراف . فكله ضلال . وقد أشار إلى هذا الوجه بعض المفسرين أيضاً . وهو قريب .