مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ} (57)

قوله تعالى : { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون * إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل * ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون * وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم * ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين } في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر أنواعا كثيرة من كفرياتهم في هذه السورة وأجاب عنها بالوجوه الكثيرة ( فأولها ) قوله تعالى : { وجعلوا له من عباده جزءا } ( وثانيها ) قوله تعالى : { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } ( وثالثها ) قوله { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم } ( ورابعها ) قوله { وقالوا لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( وخامسها ) هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها ، ولفظ الآية لا يدل إلا على أنه لما ضرب ابن مريم مثلا أخذ القوم يضجون ويرفعون أصواتهم ، فأما أن ذلك المثل كيف كان ، وفي أي شيء كان فاللفظ لا يدل عليه والمفسرون ذكروا فيه وجوها كلها محتملة ( فالأول ) أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا إذا عبدوا عيسى فآلهتنا خير من عيسى ، وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعبدون الملائكة ( الثاني ) روي أنه لما نزل قوله تعالى : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } قال عبد الله بن الزبعري هذا خاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «بل لجميع الأمم » فقال خصمتك ورب الكعبة ، ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثني عليه خيرا وعلى أمه ، وقد علمت أن النصارى يعبدونهما واليهود يعبدون عزيرا والملائكة يعبدون ، فإذا كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وفرح القوم وضحكوا وضجوا ، فأنزل الله تعالى : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } ونزلت هذه الآية أيضا والمعنى ، ولما ضرب عبدالله بن الزبعري عيسى ابن مريم مثلا وجادل رسول الله بعبادة النصارى إياه إذا قومك قريش منه أي من هذا المثل يصدون أي يرتفع لهم ضجيج وجلبة فرحا وجدلا وضحكا بسبب ما رأوا من إسكات رسول الله فإنه قد جرت العادة بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ} (57)

57

( ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون . وقالوا : أآلهتنا خير أم هو ? ما ضربوه لك إلا جدلاً . بل هم قوم خصمون . إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل . ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون . وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون ، هذا صراط مستقيم . ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ) . .

( ولما جاء عيسى بالبينات قال : قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ، فاتقوا الله وأطيعون . ان الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم . فاختلف الأحزاب من بينهم ، فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم . . )

ذكر ابن إسحاق في السيرة قال : جلس رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فيما بلغني مع الوليد بن المغيرة في المسجد ، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم ، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش ، فتكلم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فعرض له النضر بن الحارث ، فكلمه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حتى أفحمه . ثم تلا عليه وعليهم( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ) . . الآيات . . ثم قام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأقبل عبدالله بن الزبعري التميمي حتى جلس . فقال الوليد بن المغيرة له : والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد ! وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم . فقال عبد الله بن الزبعري : أما والله لو وجدته لخصمته . سلوا محمداً أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده ? فنحن نعبد الملائكة ، واليهود تعبد عزيراً ، والنصارى تعبد المسيح ابن مريم . فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبدالله بن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم . فذكر ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقال : " كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده . فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته " فأنزل الله عز وجل : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) . . أي عيسى وعزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله عز وجل ، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أرباباً من دون الله ، ونزل فيما يذكر من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأنه يعبد من دون الله ، وعجب الوليد ومن حضر من حجته وخصومته : ( ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون ) . . أي يصدون عن أمرك بذلك . . .

وذكر صاحب الكشاف في تفسيره : " لما قرأ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على قريش : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم )امتعضوا من ذلك امتعاضاً شديداً . فقال عبدالله بن الزبعري : يا محمد . أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم ? فقال عليه السلام : " هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم " فقال : خصمتك ورب الكعبة ! ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي ، وتثني عليه خيراً وعلى أمه ? وقد علمت أن النصارى يعبدونهما ? وعزير يعبد ? والملائكة يعبدون ? فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم ! ففرحوا وضحكوا . وسكت النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فأنزل الله تعالى : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى )ونزلت هذه الآية . والمعنى : ولما ضرب عبد الله بن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً ، وجادل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بعبادة النصارى إياه " إذا قومك " - قريش - من هذا المثل " يصدون " ترتفع لهم جلبة وضجيج ، فرحاً وجذلاً وضحكاً بما سمعوا من إسكات رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بجدله ، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا تعبوا بحجة ثم فتحت عليهم . وأما من قرأ " يصدون " بالضم فمن الصدود . أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه . وقيل : من الصديد وهو الجبة . وأنهما لغتان نحو يعكُف ويعكِف ونظائر لهما .