قوله تعالى { وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون }
المسألة الأولى : اعلم أن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أخرى سوى القرآن ، وأجاب الجواب الذي قررناه وهو قوله : { إنما الغيب لله } ذكر جوابا آخر وهو المذكور في هذه الآية ، وتقريره من وجهين :
الوجه الأول : أنه تعالى بين في هذه الآية أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد وعدم الإنصاف ، وإذا كانوا كذلك فبتقدير أن يعطوا ما سألوه من إنزال معجزات أخرى ، فإنهم لا يؤمنون بل يبقون على كفرهم وجهلهم ، فنفتقر ههنا إلى بيان أمرين : إلى بيان أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد ، ثم إلى بيان أنه متى كان الأمر كذلك لم يكن في إظهار سائر المعجزات فائدة .
أما المقام الأول : فتقريره أنه روي أن الله تعالى سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم ، وأنزل الأمطار النافعة على أراضيهم ، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع الجليلة إلى الأصنام وإلى الأنواء ، وعلى التقديرين فهو مقابلة للنعمة بالكفران . فقوله : { وإذا أذقنا الناس رحمة } المراد منه تلك الأمطار النافعة . وقوله : { من بعد ضراء مستهم } المراد منه ذلك القحط الشديد . وقوله : { إذا لهم مكر في آياتنا } المراد منه إضافتهم تلك المنافع الجليلة إلى الأنواء والكواكب أو إلى الأصنام .
واعلم أنه تعالى ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة ، وهو قوله تعالى : { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه } إلا أنه تعالى زاد في هذه الآية التي نحن في تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها في تلك الآية ، وتلك الدقيقة هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة ، ويطلبون الغوائل ، وفي الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة ، فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر وطلب الغوائل .
وأما المقام الثاني : وهو بيان أنه متى كان الأمر كذلك فلا فائدة في إظهار سائر الآيات ، لأنه تعالى لو أظهر لهم جميع ما طلبوه من المعجزات الظاهرة فإنهم لا يقبلونها ، لأنه ليس غرضهم من هذه الاقتراحات التشدد في طلب الدين ، وإنما غرضهم الدفع والمنع والمبالغة في صون مناصبهم الدنيوية ، والامتناع من المتابعة للغير ، والدليل عليه أنه تعالى لما شدد الأمر عليهم وسلط البلاء عليهم ، ثم أزالها عنهم وأبدل تلك البليات بالخيرات ، فهم مع ذلك استمروا على التكذيب والجحود ، فدل ذلك على أنه تعالى لو أنزل عليهم الآيات التي طلبوها لم يلتفتوا إليها ، فظهر بما ذكرنا أن هذا الكلام جواب قاطع عن السؤال المتقدم .
الوجه الثاني : في تقرير هذا الجواب : أن أهل مكة قد حصل لهم أسباب الرفاهية وطيب العيش ، ومن كان كذلك تمرد وتكبر كما قال تعالى : { إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } وقرر تعالى هذا المعنى بالمثال المذكور ، فإقدامهم على طلب الآيات الزائدة والاقتراحات الفاسدة ، إنما كان لأجل ما هم فيه من النعم الكثيرة والخيرات المتوالية ، وقوله : { قل الله أسرع مكرا } كالتنبيه على أنه تعالى يزيل عنهم تلك النعم ، ويجعلهم منقادين للرسول مطيعين له ، تاركين لهذه الاعتراضات الفاسدة . والله أعلم .
المسألة الثانية : قوله تعالى : { وإذا أذقنا الناس رحمة } كلام ورد على سبيل المبالغة ، والمراد منه إيصال الرحمة إليهم .
واعلم أن رحمة الله تعالى لا تذاق بالفم ، وإنما تذاق بالعقل ، وذلك يدل على أن القول بوجود السعادات الروحانية حق .
المسألة الثالثة : قال الزجاج { إذا } في قوله : { وإذا أذقنا الناس رحمة } للشرط و { إذا } في قوله { إذا لهم مكر } جواب الشرط وهو كقوله : { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون } والمعنى : إذا أذقنا الناس رحمة مكروا وإن تصبهم سيئة قنطوا . واعلم أن { إذا } في قوله : { إذا لهم مكر } تفيد المفاجأة ، معناه أنهم في الحال أقدموا على المكر وسارعوا إليه .
المسألة الرابعة : سمي تكذيبهم بآيات الله مكرا ، لأن المكر عبارة عن صرف الشيء عن وجهه الظاهر بطريق الحيلة ، وهؤلاء يحتالون لدفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في مناظرة أو غير ذلك من الأمور الفاسدة . قال مقاتل : المراد من هذا المكر هو أن هؤلاء لا يقولون هذا رزق الله ، بل يقولون سقينا بنوء كذا .
أما قوله تعالى : { قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } فالمعنى أن هؤلاء الكفار لما قابلوا نعمة الله بالمكر ، فالله سبحانه وتعالى قابل مكرهم بمكر أشد من ذلك ، وهو من وجهين : الأول : ما أعد لهم يوم القيامة من العذاب الشديد ، وفي الدنيا من الفضيحة والخزي والنكال . والثاني : أن رسل الله يكتبون مكرهم ويحفظونه ، وتعرض عليهم ما في بواطنهم الخبيثة يوم القيامة ، ويكون ذلك سببا للفضيحة التامة والخزي والنكال نعوذ بالله تعالى منه .
{ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ 21 }
أذقنا الناس رحمة : أنعمنا عليهم بالرحمة والمراد بها : الصحة والسعة .
من بعد ضراء مستهم : أي : من بعد ضراء أصابتهم حتى أحسوا بشدتها عليهم .
إذا لهم مكر في آياتنا : المراد بالمكر هنا : الطعن في آيات الله وعدم الاهتداء بها ، والاحتيال في ردها . والمكر في الأصل : تدبير الكيد في خفاء .
قل الله أسرع مكرا : المراد بيان أن الله أعجل عقوبة وأشد أخذا .
21 { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا . . . } الآية .
روى البخاري ومسلم : عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أن قريشا لما استعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ دعا عليهم بسنين كسني يوسف ؛ فأصابهم قحط وجهد ، حتى أكلوا العظام والميتة من الجهد ، وحتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع .
فأنزل الله تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم } . ( الدخان : 10 ، 11 ) .
فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد ، إنك جئت تأمرنا بصلة الرحم ، وإن قومك ربما هلكوا ؛ فادع الله لهم ، فدعا لهم ؛ فكشف الله عنهم العذاب ، ومطروا ، فعادوا إلى حالهم ومكرهم الأول يطعنون في آيات الله ، ويعادون رسوله ويكذبونه !
وعلماء القرآن يذكرون : أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؛ فالآية تسجل طبيعة الناس عامة ؛ وهي التضرع والبكاء في البأساء ، فإذا رزقهم الله الغنى بعد الفقر ، واليسر بعد العسر ، والهناء بعد الشقاء ؛ لم ينسبوا هذه النعم إلى الله تعالى بل نسبوها إلى الصدفة أو أهليتهم لهذه النعم ، ودبروا كيدا ومكرا للتخلص من شكر الله على النعماء . والمراد : أنهم انصرفوا عن شكر الله وحمده ، وانشغلوا بأهوائهم ، وقريب من هذا المعنى ما سبق في هذه السورة : { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه } . ( يونس : 12 ) .
جاء في التفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر :
والمعنى : وإذا أنعمنا على هؤلاء الكفار وأمثالهم بنعمة الصحة والسعة ، وأفضنا عليهم أنواع الخير ؛ ورحمناهم بكشف ما نزل من المصائب الأليمة ، والمكاره الشديدة التي خالطتهم وأحاطت بهم ؛ حتى أحسوا بشدة وطأتها عليهم ، وسوء أثرها فيهم ، إذا رحمناهم بكشفها ؛ سارعوا سرا وفي خفاء إلى تدبير ضروب الكيد لآياتنا ؛ التي أنزلناها على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم واحتالوا في دفعها وبالغوا في تكذيبها . ا ه .
أي : الله سبحانه وتعالى أقوى أخذا للمكذبين وأشد إهلاكا للماكرين ، فلن يمهلكم حتى تظفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وتنالوا منه بمكركم وكيدكم ، بل إن الله سيدبر حفظه ونصره وحمايته ، وقد دبر المشركون كيدا ومكرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة فدبروا حبسه أو نفيه أو قتله ، بيد أن الله دبر نصره وحفظه ؛ فأمره بالهجرة إلى المدينة وأعقب ذلك بالنجاح والنصر المبين .
قال تعالى : { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } . ( الأنفال : 30 ) .
ونسبة المكر إلى الله تعالى من باب المشاكلة وهي شيء طريف في اللغة العربية ، مثل قول الشاعر :
قالوا : اقترح شيئا نجد لك طبخه *** قلت : اطبخوا لي جبة وقميصا
{ إن رسلنا يكتبون ما تمكرون } .
أي : إن الحفظة من الملائكة الكرام الكاتبين يسجلون عليكم أعمالكم وكيدكم ومكركم ، ويخبرون بها الله سبحانه وتعالى حتى يجازيكم عليها .
وفي هذا دليل على تمام الضبط والحفظ والعناية ، وأن كيدهم ومكرهم لن يخفى على الله سبحانه .
قال تعالى : { أحصاه الله ونسوه } . ( المجادلة : 6 ) .
وقال سبحانه : { ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا } . ( الكهف : 49 ) .