فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني - الشوكاني  
{وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ} (21)

قوله : { وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مكْر فِي آياتنا } لما بين سبحانه في الآية المتقدمة أنهم طلبوا آية عناداً ومكراً ولجاجاً ، وأكد ذلك بما ذكره هنا من أنه سبحانه إذا أذاقهم رحمة منه من بعد أن مستهم الضرّاء ، فعلوا مقابل هذه النعمة العظيمة المكر منهم في آيات الله ؛ والمراد بإذاقتهم رحمته سبحانه : أنه وسع عليهم في الأرزاق ، وأدرّ عليهم النعم بالمطر وصلاح الثمار ، بعد أن مستهم الضرّاء بالجدب وضيق المعايش ، فما شكروا نعمته ولا قدروها حق قدرها ، بل أضافوها إلى أصنامهم التي لا تنفع ولا تضرّ ، وطعنوا في آيات الله ، واحتالوا في دفعها بكل حيلة ، وهو معنى المكر فيها . وإذا الأولى شرطية ، وجوابها إذا لهم مكر ، وهي فجائية ، ذكر معنى ذلك الخليل وسيبويه . ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عنهم فقال : { قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا } أي : أعجل عقوبة ، وقد دلّ أفعل التفضيل على أن مكرهم كان سريعاً ، ولكن مكر الله أسرع منه . وإذا الفجائية يستفاد منها السرعة ، لأن المعنى أنهم فاجئوا المكر : أي أوقعوه على جهة الفجاءة والسرعة ، وتسمية عقوبة الله سبحانه مكراً من باب المشاكلة ، كما قرّر في مواطن من عبارات الكتاب العزيز { إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } قرأ يعقوب في رواية ، وأبو عمرو في رواية «يمكرون » بالتحتية ، وقرأ الباقون بالفوقية . والمعنى : أن رسل الله وهم الملائكة يكتبون مكر الكفار ، لا يخفى ذلك على الملائكة الذين هم الحفظة ، فكيف يخفى على العليم الخبير ؟ وفي هذا وعيد لهم شديد ، وهذه الجملة تعليلية للجملة التي قبلها ، فإن مكرهم إذا كان ظاهراً لا يخفى ، فعقوبة الله كائنة لا محالة ، ومعنى هذه الآية قريب من معنى الآية المتقدّمة وهي : { وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر } وفي هذه زيادة ، وهي أنهم لا يقتصرون على مجرد الإعراض ، بل يطلبون الغوائل لآيات الله بما يدبرونه من المكر .

/خ23