مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ} (38)

قوله تعالى : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب }

اعلم أن القوم كانوا يذكرون أنواعا من الشبهات في إبطال نبوته :

فالشبهة الأولى : قولهم : { ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } وهذه الشبهة إنما ذكرها الله تعالى في سورة أخرى .

والشبهة الثانية : قولهم : الرسول الذي يرسله الله إلى الخلق لا بد وأن يكون من جنس الملائكة كما حكى الله عنهم في قوله : { لو ما تأتينا بالملائكة } وقوله : { لولا أنزل عليه ملك } .

فأجاب الله تعالى عنه ههنا بقوله : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } يعني أن الأنبياء الذين كانوا قبله كانوا من جنس البشر لا من جنس الملائكة فإذا جاز ذلك في حقهم فلم لا يجوز أيضا مثله في حقه .

الشبهة الثالثة : عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة الزوجات وقالوا : لو كان رسولا من عند الله لما كان مشتغلا بأمر النساء بل كان معرضا عنهن مشتغلا بالنسك والزهد ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } وبالجملة فهذا الكلام يصلح أن يكون جوابا عن الشبهة المتقدمة ، ويصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة ، فقد كان لسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة مهيرة ، وسبعمائة سرية . ولداود مائة امرأة .

والشبهة الرابعة : قالوا لو كان رسولا من عند الله لكان أي شيء طلبنا منه من المعجزات أتى به ولم يتوقف ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس برسول ، فأجاب الله عنه بقوله : { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } وتقريره : أن المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر والعلة ، وفي إظهار الحجة والبينة ، فأما الزائد عليها فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها ولا اعتراض لأحد عليه في ذلك .

الشبهة الخامسة : أنه عليه السلام كان يخوفهم بنزول العذاب وظهور النصرة له ولقومه . ثم إن ذلك الموعود كان يتأخر فلما لم يشاهدوا تلك الأمور احتجوا بها على الطعن في نبوته ، وقالوا : لو كان نبيا صادقا لما ظهر كذبه .

فأجاب الله عنه بقوله : { لكل أجل كتاب } يعني أن الله قد قضى بنزول العذاب على الكفار وظهور الفتح والنصر للأولياء في أوقات معينة مخصوصة ، ولكل حادث وقت معين ، { ولكل أجل كتاب } فقبل حضور ذلك الوقت لا يحدث ذلك الحادث فتأخر تلك المواعيد لا يدل على كونه كاذبا .

الشبهة السادسة : قالوا : لو كان في دعوى الرسالة محقا لما نسخ الأحكام التي نص الله تعالى على ثبوتها في الشرائع المتقدمة نحو التوراة والإنجيل ، لكنه نسخها وحرفها نحو تحريف القبلة ، ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل ، فوجب أن لا يكون نبيا حقا .

فأجاب الله سبحانه وتعالى عنه بقوله : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } ويمكن أيضا أن يكون قوله : { لكل أجل كتاب } كالمقدمة لتقرير هذا الجواب ، وذلك لأنا نشاهد أنه تعالى يخلق حيوانا عجيب الخلقة بديع الفطرة من قطرة من النطفة ثم يبقيه مدة مخصوصة ثم يميته ويفرق أجزاءه وأبعاضه فلما لم يمتنع أن يحيي أولا ، ثم يميت ثانيا فكيف يمتنع أن يشرع الحكم في بعض الأوقات ، ثم ينسخه في سائر الأوقات ، فكان المراد من قوله : { لكل أجل كتاب } ما ذكرناه .

ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال : { يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } والمعنى : أنه يوجد تارة ويعدم أخرى ، ويحيي تارة ويميت أخرى ، ويغني تارة ويفقر أخرى ، فكذلك لا يبعد أن يشرع الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما اقتضته المشيئة الإلهية عند أهل السنة ، أو بحسب ما اقتضته رعاية المصالح عند المعتزلة فهذا إتمام التحقيق في تفسير هذه الآية ، ثم ههنا مسائل :

المسألة الأولى : قوله تعالى : { لكل أجل كتاب } فيه أقوال . الأول : أن لكل شيء وقتا مقدرا فالآيات التي سألوها لها وقت معين حكم الله به ، وكتبه في اللوح المحفوظ فلا يتغير عن ذلك الحكم بسبب تحكماتهم الفاسدة . ولو أن الله أعطاهم ما التمسوا لكان فيه أعظم الفساد . الثاني : أن لكل حادث وقتا معينا قضى الله حصوله فيه كالحياة والموت والغنى والفقر والسعادة والشقاوة ، ولا يتغير البتة عن ذلك الوقت . والثالث : أن هذا من المقلوب والمعنى : أن لكل كتاب منزل من السماء أجلا ينزله فيه ، أي لكل كتاب وقت يعمل به ، فوقت العمل بالتوراة والإنجيل قد انقضى ووقت العمل بالقرآن قد أتى وحضر . والرابع : لكل أجل معين كتاب عند الملائكة الحفظة فللإنسان أحوال أولها نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يصير شابا ثم شيخا ، وكذا القول في جميع الأحوال من الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة والحسن والقبح . الخامس : كل وقت معين مشتمل على مصلحة خفية ومنفعة لا يعلمها إلا الله تعالى ، فإذا جاء ذلك الوقت حدث ذلك الحادث ولا يجوز حدوثه في غيره . واعلم أن هذه الآية صريحة في أن الكل بقضاء الله وبقدره وأن الأمور مرهونة بأوقاتها ، لأن قوله : { لكل أجل كتاب } معناه أن تحت كل أجل حادث معين ، ويستحيل أن يكون ذلك التعيين لأجل خاصية الوقت فإن ذلك محال ، لأن الأجزاء المعروضة في الأوقات المتعاقبة متساوية ، فوجب أن يكون اختصاص كل وقت بالحادث الذي يحدث فيه بفعل الله تعالى واختياره ، وذلك يدل على أن الكل من الله تعالى وهو نظير قوله عليه السلام : « جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ} (38)

{ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب38 } .

المفردات :

لكل أجل كتاب : الأجل : الوقت والمدة ، والكتاب : الحكم المعين الذي يكتب على العباد ؛ حسب ما تقتضيه الحكمة .

التفسير :

38 { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية . . . }الآية .

أرسل الله الرسل من البشر ومن شأن البشر أن يتزوجوا ويولد لهم الولد قال سبحانه : { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } . ( الفرقان : 20 ) . ومن مقتضى هذه البشرية ؛ إتيان الزوجات ، وكفالة الأولاد .

ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم بدعا من الرسل ، فلماذا ينكر عليه اليهود وغيرهم زواج النساء . روى : أن أعداء النبي محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : ما نرى لهذا الرجل همة إلا في النساء ، ولو كان رسولا من عند الله حقا ؛ لما اشتغل عن رسالاته بالنساء ؛ فرد الله عليهم بهذه الآية ، حيث قال سبحانه : { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } . وفي هذا تذكير بما كان عليه داود وسليمان عليهما السلام ؛ حيث كانت لهما زوجات كثيرات وذرية كثيرة ، ولم يقدح ذلك في نبوتهما .

على أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصرت حياته الأولى على زوجة واحدة ، هي : السيدة خديجة ، فلم يتزوج عليها في حياتها ، وحين ماتت كان عمره يناهز الخمسين .

فحياته في مكة كلها ، كانت مع زوجة واحدة هي : السيدة خديجة ، ولما هاجر إلى المدينة حدثت ظروف ودواع ؛ اقتضت الإصهار إلى القبائل لمصلحة الإسلام ، فكان من الخير أن تتعدد زوجاته ؛ لأهداف متعددة ، وأغراض حكيمة لهذا التعدد ، وكان لزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ، دور رئيس في بيان حياة الرسول الداخلية والخارجية ، وكانت عائشة رضي الله عنها تناقش الصحابة وتستدرك عليهم ، وتشرح وجهة نظرها لهم ، وكذلك بقية أمهات المؤمنين ، فكانت حكمة إلهية في زواجه عليه الصلاة والسلام ؛ تحقيقا لمعنى البشرية ، وتأكيدا لهذه القدوة العملية .

وفي الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أما أنا فأصوم وأفطر ، وأقوم وأرقد ، وآكل اللحم ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني )xl .

{ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله } .

أي : ما صح ولا استقام لرسول من رسل الله ، أن يأتي لقومه بمعجزة إلا بإذن الله ومشيئته وحكمته ، وقد تضمنت الرد على المشركين ، حين اقترحوا على الرسول صلى الله عليه وسلم طائفة من المعجزات مثل : زحزحة جبال مكة ، وتسخير الرياح لهم ، وتفجير ينابيع الأرض . . .

{ ولكل أجل كتاب } .

لكل وقت من الزمان شرع كتبه الله يناسب حال أهله ، وينتهي بانتهاء الحاجة إلى هذا الشرع ؛ لذلك ذكر العلماء : أنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ؛ فقد أرسل الله موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام في أزمنة متعددة ، رأى الله سبحانه وجودهم في هذه الأزمنة لا يتقدمون عنها ولا يتأخرون ، وهكذا أعمار الناس وآجالهم ، كلها كتبت في آجال ومدد معينة ، لا تقديم فيها ولا تأخير .

ولكل أمر قضاه الله أجل وموعد لا يتقدم عنه ولا يتأخر ، ولكل وقت من الأوقات كتاب . أي : حكم معين يكتب على الناس حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية .