مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ} (39)

المسألة الثانية : { يمحو الله ما يشاء ويثبت } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم { ويثبت } ساكنة الثاء خفيفة الباء من أثبت يثبت ، والباقون بفتح الثاء وتشديد الباء من التثبيت ، وحجة من خفف أن ضد المحو الإثبات لا التثبيت . ولأن التشديد للتكثير ، وليس القصد بالمحو التكثير ، فكذلك ما يكون في مقابلته ، ومن شدد احتج بقوله : { وأشد تثبيتا } وقوله : { فثبتوا } .

المسألة الثالثة : المحو ذهاب أثر الكتابة ، يقال : محاه يمحوه محوا إذا أذهب أثره ، وقوله : { ويثبت } قال النحويون : أراد ويثبته إلا أنه استغنى بتعدية للفعل الأول عن تعدية الثاني ، وهو كقوله تعالى : { والحافظين فروجهم والحافظات } [ الأحزاب : 35 ] .

المسألة الرابعة : في هذه الآية قولان :

القول الأول : إنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ . قالوا : إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر ، وهو مذهب عمر وابن مسعود . والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء ، وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والقول الثاني : أن هذه الآية خاصة في بعض الأشقياء دون البعض ، وعلى هذا التقرير ففي الآية وجوه : الأول : المراد من المحو والإثبات : نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر بدلا عن الأول . الثاني : أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة ، لأنهم مأمورون بكتابة كل قول وفعل ويثبت غيره ، وطعن أبو بكر الأصم فيه فقال : إنه تعالى وصف الكتاب بقوله : { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } وقال أيضا : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } .

أجاب القاضي عنه : بأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الذنوب . والمباح لا صغيرة ولا كبيرة ، وللأصم أن يجيب عن هذا الجواب فيقول : إنكم باصطلاحكم خصصتم الصغيرة بالذنب الصغير ، والكبيرة بالذنب الكبير ، وهذا مجرد اصطلاح المتكلمين . أما في أصل اللغة فالصغير والكبير يتناولان كل فعل وعرض ، لأنه إن كان حقيرا فهو صغير ، وإن كان غير ذلك فهو كبير ، وعلى هذا التقرير فقوله : { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } يتناول المباحات أيضا . الثالث : أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه ، فإذا تاب عنه محي من ديوانه . الرابع : { يمحو الله ما يشاء } وهو من جاء أجله . ويدع من لم يجيء أجله ويثبته . الخامس : أنه تعالى يثبت في أول السنة حكم تلك السنة فإذا مضت السنة محيت ، وأثبت كتابا آخر للمستقبل . السادس : يمحو نور القمر ، ويثبت نور الشمس . السابع : يمحو الدنيا ويثبت الآخرة . الثامن : أنه في الأرزاق والمحن والمصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء والصدقة ، وفيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى . التاسع : تغير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو ، وما حصل وحضر فهو الإثبات . العاشر : يزيل ما يشاء ، ويثبت ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحدا فهو المنفرد بالحكم كما شاء ، وهو المستقل بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه .

واعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم .

فإن قال قائل : ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف بها القلم وليس الأمر بآنف ، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو والإثبات ؟

قلنا : ذلك المحو والإثبات أيضا مما جف به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه .

المسألة الخامسة : قالت الرافضة : البداء جائز على الله تعالى ، وهو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده ، وتمسكوا فيه بقوله : { يمحو الله ما يشاء ويثبت } .

واعلم أن هذا باطل لأن علم الله من لوازم ذاته المخصوصة ، وما كان كذلك كان دخول التغير والتبدل فيه محالا .

المسألة السادسة : أما { أم الكتاب } فالمراد أصل الكتاب ، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أما له ومنه أم الرأس للدماغ ، وأم القرى لمكة ، وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى ، فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب ، وفيه قولان :

القول الأول : أن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ ، وجميع حوادث العالم العلوي والعالم السفلي مثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « كان الله ولا شيء معه ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة » قال المتكلمون : الحكمة فيه أن يظهر للملائكة كونه تعالى عالما بجميع المعلومات على سبيل التفضيل ، وعلى هذا التقدير : فعند الله كتابان : أحدهما : الكتاب الذي يكتبه الملائكة على الخلق وذلك الكتاب محل المحو والإثبات . والكتاب الثاني : هو اللوح المحفوظ ، وهو الكتاب المشتمل على تعين جميع الأحوال العلوية والسفلية ، وهو الباقي . روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : « أن الله سبحانه وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره ، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء » وللحكماء في تفسير هذين الكتابين كلمات عجيبة وأسرار غامضة .

والقول الثاني : إن أم الكتاب هو علم الله تعالى ، فإنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الموجودات والمعدومات وإن تغيرت ، إلا أن علم الله تعالى بها باق منزه عن التغير ، فالمراد بأم الكتاب هو ذاك ، والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ} (39)

{ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب39 } .

المفردات :

يمحو : المحو : الإزالة ، والمراد به هنا : نسخ الشرائع والأحكام وتغييرها .

أم الكتاب : أصل الكتاب ، والمراد به : علم الله تعالى ، أو اللوح المحفوظ .

التفسير :

39 { يمحو الله ما يشاء ويثبت . . . } .

أي : ينسخ ما يشاء نسخه من الأحكام ؛ لما تقتضيه الحكمة بحسب الوقت .

{ ويثبت } . بدله ما فيه المصلحةxli ؛ فإن الحكمة تقتضي : أن ينسخ الله ما يشاء أن ينسخه من الأحكام والشرائع بحسب الوقت ، ويثبت بدله ، أو يبقيه على حاله من غير نسخ ؛ لأن الشرائع كلها لإصلاح أحوال العباد في المبدأ والمعاد ، وقد جعل الله الشرائع كلها متفقه في الأصول ، التي لا سبيل إلى تغييرهاxlii ، مثل عبادة الله عز وجل ، والإحسان إلى الوالدين ، وتحريم القتل والزنا ، وأكل مال اليتيم ، والأمر بالعدل ، والوفاء بالعهد ، والتزام آداب الإسلام . فهذه الأصول وأمثالها : لا تتغير ولا تتبدل بتغير الرسالات والكتب السماوية ، أما الفروع : فإنها عرضة للتغير والتبديل ، كطريقة الصيام وزمنه ، ومقادير الزكاة والأصناف التي تزكى ، وغير ذلك مما يتغير بتغير الأجيال وأحوالهمxliii .

وقد أورد ابن جرير الطبري آراء متعددة في تفسير هذه الآية ، ونقلها عنه ابن كثير في تفسيره ، ولخصها عدد من المفسرين ، ومن هذه الآراء ما يأتي :

1 الآية عامة في كل ما يمحوه الله ويثبته ، وظاهر النظم القرآني : العموم في كل شيء مما في الكتاب ، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة ، أو رزق أو عمر ، ويبدل هذا بهذا ويجعل هذا مكان هذا ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وقتادة وغيرهم .

روى ابن جرير ، وابن كثير : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو يطوف بالبيت ويبكي : اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب فاجعله سعادة ومغفرة .

2 روي عن ابن عباس في معنى : { يمحو الله ما يشاء ويثبت } : قال : كل شيء إلا الموت والحياة ، والشقاء والسعادة ؛ فإنهما قد فرغ منهما .

3 يمحو من ديوان الحفظة الذين ديدنهم كتابة كل قول وعمل : مالا يتعلق به الجزاء أو يمحو سيئات التائب ويثبت مكانها الحسنة .

4 وقال آخرون : { يمحو الله ما يشاء } من الشرائع بالنسخ ، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه ولا يبدله .

5 وقال آخرون : يمحو الله المحن والمصائب بالدعاء .

قال أبو السعود في التفسير :

والأنسب تعميم كل من المحو والإثبات ؛ ليشمل الكل .

وقال الإمام الشوكاني في فتح القدير :

الأولى حمل الآية على عمومها ، فالمراد منها : أنه يمحو ما يشاء مما في اللوح المحفوظ ، فيكون كالعدم ، ويثبت ما يشاء ، مما فيه فيجري فيه قضاؤه وقدره على حسب ما تقتضيه مشيئته . وهذا لا ينافي ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله : ( جف القلم )xliv ؛ لأن المحو والإثبات هو من جملة ما قضاه سبحانه .

{ وعنده أم الكتاب } . هو علم الله ، وجميع ما يكتب في صحف الملائكة ، لا يقع حيثما يقع إلا موافقا لما يثبت فيه ، فهو أم لذلك ، فكأنه قيل : يمحو الله ما يشاء محوه ، ويثبت ما يشاء ، وهو ثابت عنده في علمه الأزلي ، الذي لا يكون شيء إلا وفق ما فيه .