مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (41)

قوله تعالى : { أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار }

اعلم أنه تعالى لما وعد رسوله بأن يريه بعض ما وعدوه أو يتوفاه قبل ذلك ، بين في هذه الآية أن آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت . وقوله : { أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } فيه أقوال :

القول الأول : المراد أنا نأتي أرض الكفرة ننقصها من أطرافها وذلك لأن المسلمين يستولون على أطراف مكة ويأخذونها من الكفرة قهرا وجبرا ، فانتقاص أحوال الكفرة وازدياد قوة المسلمين من أقوى العلامات والأمارات على أن الله تعالى ينجز وعده . ونظيره قوله تعالى : { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } وقوله : { سنريهم آياتنا في الآفاق } .

والقول الثاني : وهو أيضا منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله : { ننقصها من أطرافها } المراد : موت أشرافها وكبرائها وعلمائها وذهاب الصلحاء والأخيار ، وقال الواحدي : وهذا القول ، وإن احتمله اللفظ ، إلا أن اللائق بهذا الموضع هو الوجه الأول . ويمكن أن يقال هذا الوجه أيضا لا يليق بهذا الموضع ، وتقريره أن يقال : أولم يروا ما يحدث في الدنيا من الاختلافات خراب بعد عمارة ، وموت بعد حياة ، وذل بعد عز ، ونقص بعد كمال ، وإذا كانت هذه التغيرات مشاهدة محسوسة فما الذي يؤمنهم من أن يقلب الله الأمر على هؤلاء الكفرة فيجعلهم ذليلين بعد أن كانوا عزيزين ، ويجعلهم مقهورين بعد أن كانوا قاهرين ، وعلى هذا الوجه فيحسن اتصال هذا الكلام بما قبله ، وقيل : { ننقصها من أطرافها } بموت أهلها وتخريب ديارهم وبلادهم . فهؤلاء الكفرة كيف أمنوا من أن يحدث فيهم أمثال هذه الوقائع ؟

ثم قال تعالى مؤكدا لهذا المعنى : { والله يحكم لا معقب لحكمه } معناه : لا راد لحكمه ، والمعقب هو الذي يعقبه بالرد والإبطال ، ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يعقب غريمه بالاقتضاء والطلب .

فإن قيل : ما محل قوله : { لا معقب لحكمه } ؟

قلنا : هو جملة محلها النصب على الحال كأنه قيل : والله يحكم نافذا حكمه خاليا عن المدافع والمعارض والمنازع .

ثم قال : { وهو سريع الحساب } قال ابن عباس : يريد سريع الانتقام ، يعني أن حسابه للمجازاة بالخير والشر يكون سريعا قريبا لا يدفعه دافع .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (41)

المفردات :

من أطرافها : الأطراف : الجوانب .

لا معقب لحكمه : أي : لا راد له . والمعقب : هو الذي يكر على الشيء فيبطله ، ويقال لصاحب الحق الذي يطالب به : معقب ؛ لأنه يتتبع غريمه بالاقتضاء والطلب .

التفسير :

{ أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها . . . } .

ألم يشاهد أهل مكة أمام أعينهم ، انخفاض شأن الكفر وانزواء أهله ، وتقدم شأن الإسلام وتفوق أهله ، فقد نصر الله المسلمين في بدر ، وفي غزوات متتابعة ، حتى جاء نصر الله والفتح ، وتم فتح مكة ودانت أم القرى بالإسلام ، فالمراد بالأرض : أرض الكفر ، ونقصانها من أطرافها : انتصار المسلمين على المشركين مرة إثر أخرى .

وقيل : المعنى : أعمى هؤلاء الكافرون عن التفكر والاعتبار ؟ ! ، ولم يشاهدوا أن قدرة الله القاهرة ، قد أتت على الأمم القوية القادرة ؛ حين كفرت بنعمة الله ؛ فصيرت غناها فقرا ، وعزها ذلا ، وما أصاب هذه الأمم يمكن أن يصيب أهل مكة عقابا عادلا ، قال تعالى : { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون } . ( الأنبياء : 44 ) .

{ والله يحكم لا معقب لحكمه } . أي : إن الله تعالى يحكم ما يشاء أن يحكم به في خلقه ؛ لا راد لحكمه ولا دافع لقضائه ، ولا يتعقب أحد ما حكم به بتغيير أو تبديل ، وقد حكم سبحانه بعزة الإسلام وعلو شأنه .

{ وهو سريع الحساب } . فعما قريب سيحاسبهم في الآخرة ، كفاء جحودهم وعنادهم ؛ فلا تستعجل عذابهم ؛ فإنه آت لا محالة ، وكل آت قريب .