مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّـٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا} (31)

المسألة الرابعة : أولئك خبر إن وإنا لا نضيع اعتراض ولك أن تجعل إنا لا نضيع وأولئك خبرين معا ولك أن تجعل أولئك كلاما مستأنفا بيانا للأجر المبهم واعلم أنه تعالى لما أثبت الأجر المبهم أردفه بالتفصيل من وجوه : أولها : صفة مكانهم وهو قوله : { أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار } والعدن في اللغة عبارة عن الإقامة فيجوز أن يكون المعنى أولئك لهم جنات إقامة كما يقال هذه دار إقامة ، ويجوز أن يكون العدن إسما لموضع معين من الجنة وهو وسطها وأشرف أماكنها وقد استقصينا فيه فيما تقدم وقوله : { جنات } لفظ جمع فيمكن أن يكون المراد ما قاله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ويمكن أن يكون المراد أن نصيب كل واحد من المكلفين جنة على حدة وذكر أن من صفات تلك الجنات أن الأنهار تجري من تحتها وذلك لأن أفضل المساكن في الدنيا البساتين التي يجري فيها الأنهار . وثانيها : إن لباس أهل الدنيا إما لباس التحلي ، وإما لباس التستر ، أما لباس التحلي فقال تعالى في صفته : { يحلون فيها من أساور من ذهب } والمعنى أنه يحليهم الله تعالى ذلك أو تحليهم الملائكة وقال بعضهم على كل واحد منهم ثلاثة أسورة سوار من ذهب لأجل هذه الآية وسوار من فضة لقوله تعالى : { وحلوا أساور من فضة } وسوار من لؤلؤ لقوله تعالى : { ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } ، وأما لباس التستر فقوله : { ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق } والمراد من سندس الآخرة واستبرق الآخرة والأول هو الديباج الرقيق وهو الخز والثاني هو الديباج الصفيق وقيل أصله فارسي معرب وهو استبره ، أي غليظ ، فإن قيل : ما السبب في أنه تعالى قال في الحلي : { يحلون } على فعل ما لم يسم فاعله وقال في السندس والاستبرق ويلبسون فأضاف اللبس إليهم ، قلنا : يحتمل أن يكون اللبس إشارة إلى ما استوجبوه بعملهم وأن يكون الحلي إشارة إلى ما تفضل الله عليهم ابتداء من زوائد الكرم . وثالثها : كيفية جلوسهم فقال في صفتها متكئين فيها على الأرائك . قالوا : الأرائك جمع أريكة وهي سرير في حجلة ، أما للسرير وحده فلا يسمى أريكة . ولما وصف الله تعالى هذه الأقسام قال : { نعم الثواب وحسنت مرتفقا } والمراد أن يكون هذا في مقابلة ما تقدم ذكره من قوله : { وساءت مرتفقا } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّـٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا} (31)

27

المفردات :

جنات عدن : جنات إقامة واستقرار ، يقال : عدن بالمكان ؛ إذا قام به واستقر ؛ ومنه المعدن ؛ لاستقرار الجواهر فيه .

أساور : واحدها : سوار وهو ما يحيط بالمعصم .

سندس : رقيق الديباج واحده : سندسة ، وهو فارسي معرب .

إستبرق : ما غلظ منه وهو رومي معرب .

الأرائك : واحدها : أريكة- سرير عليه حجلة ( ناموسية ) .

أما ثوابهم في الدنيا فهو القوة والتفوق ، وأما ثوابهم في الآخرة فهو الجنة ونعيمها ، وقد بين القرآن ألوان نعم العاملين في الجنة فقال :

31- { أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار . . . }

أي : هم في جنات إقامة ، تجري من تحت غرفهم ومنازلهم أنهار الجنة .

{ يحلون فيها من أساور من ذهب . . . }

أي : يحلون في الجنة بأساور الذهب ، وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما : عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء )34 .

وتفيد آيات القرآن الأخرى : أن المؤمن يتمتع بثلاثة أساور ، واحدة : من فضة ، والثانية : من لؤلؤ ، والثالثة : من ذهب .

قال تعالى : { وحلوا أساور من فضة . . . } ( الإنسان : ‌21 ) .

وقال تعالى : { ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير } . ( الحج : 23 ) .

وفي الآية التي نفسرها : { يحلون فيها من أساور من ذهب . . . }

{ ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق } .

أي : ويلبسون رقيق الحرير وهو السندس ، وغليظه مما نسج من سلوك الذهب ، وهذا لباس المترفين في الدنيا ، ومنتهى ما يكون لأهل النعيم .

واختير اللون الأخضر ؛ لأنه أرفق بالأبصار ، ومن ثم جعله الله لون النبات والأشجار ، وجعل لون السماء الزرقة ؛ لأنه نافع لأبصار الحيوان أيضا .

وقد قالوا : ثلاثة يذهبن الحزن : الماء ، والخضرة ، والوجه الحسن !

{ متكئين فيها على الأرائك . . . }

أي : يتكئون فيها على سرر مزدانة بالستور ، وفي هذا دليل على منتهى الراحة والنعيم ، كما يكون ذلك في الدنيا .

{ نعم الثواب وحسنت مرتفقا } .

أي : نعمة الجنة لهم جزاء وفاقا على جميل أعمالهم ، وحسنت منزلا ومقيلا .

ونحو الآية قوله تعالى : { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما . خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما } . ( الفرقان : 76 ، 75 ) .