اعلم أن هذا هو النوع الرابع من تخليط اليهود وإلقاء الشبه في قلوب المسلمين ، واعلم أن اليهود لا تقول في النصارى : إنها تدخل الجنة ، ولا النصارى في اليهود ، فلابد من تفصيل في الكلام فكأنه قال : وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، ولا يصح في الكلام سواه ، مع علمنا بأن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر ، ونظيره : { قالوا كونوا هودا أو نصارى } والهود : جمع هائد ، كعائذ وعوذ وبازل وبزل ، فإن قيل : كيف قيل : كان هودا ، على توحيد الاسم ، وجمع الخبر ؟ قلنا : حمل الاسم على لفظ ( من ) والخبر على معناه كقراءة الحسن : { إلا من هو صال الجحيم } وقرأ أبي بن كعب : { إلا من كان يهوديا أو نصرانيا } أما قوله تعالى : { تلك أمانيهم } فالمراد أن ذلك متمنياتهم ، ثم إنهم لشدة تمنيهم لذلك قدروه حقا في نفسه ، فإن قيل : لم قال : { تلك أمانيهم } وقولهم : { لن يدخل الجنة } أمنية واحدة ؟ قلنا : أشير بها إلى الأماني المذكورة ، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا ، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم ، أي : تلك الأماني الباطلة أمانيهم ، وقوله تعالى : { قل هاتوا برهانكم } متصل بقوله : { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } و { تلك أمانيهم } اعتراض ، قال عليه الصلاة والسلام ( الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ) وقال علي رضي الله عنه : «لا تتكل على المنى فإنها بضائع التولي » .
أما قوله تعالى : { قل هاتوا برهانكم } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : هات : صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر .
المسألة الثانية : دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفيا ، أو إثباتا ، فلابد له من الدليل والبرهان ، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد قال الشاعر :
( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين( 111 ) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 112 ) (
هودا : جمع هائد ، كعوذ جمع عائذ ، ومعنى الهائد في الأصل التائب والمقصود هنا بالهود : اليهود .
أو نصارى : يعنون المسيحيين ، جمع نصران ونصرانة ، سموا بذلك نسبة إلى بلدة الناصرة التي كان ينزل بها عيسى ، أو لأنهم أجابوا عيسى إلى نصره لما قال لهم : من أنصارى إلى الله ؟ .
الأماني : واحدها أمنية وهي ما يتمناه المرء ولا يدركه ، والعرب تسمي كل ما لا حجة عليه ولا برهان له تمنيا وغرورا ، وضلالا وأحكاما .
قالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا ، يعنون بذلك : أن المسلمين لن يدخلوها ، تنفيرا للمسلمين من دينهم ، وإثارة للفتنة بينهم ، لأنهم كما تقدم يودون ردتهم .
وجمع بين الكلام الفريقين في النظم الكريم للإيجاز ، وثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله ، لأن العداوة بين الفريقين معلومة( 275 ) ، ثم أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بالدليل على صحة ما يدعون فقال تعالى : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين . أي قل يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن الجنة لهم خاصة من دون الناس : هاتوا حجتكم على خلوص الجنة لكم إن كنتم صادقين في دعواكم .
لأنه لما كانت دعواهم اختصاص بدخول الجنة لا تثبت إلا بوحي من الله وليس لمجرد التمني ، أمر الله تعالى نبيه أن يطالبهم بالدليل من كتبهم على صحة دعواهم ، وهذه المطالبة من قبيل التعجيز لأن كتبهم خالية مما يدل على صحتها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.