مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنتُمۡ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (85)

قوله تعالى : { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون }

أما قوله تعالى : { ثم أنتم هؤلاء } ففيه إشكال لأن قوله : { أنتم } للحاضرين و{ هؤلاء } للغائبين فكيف يكون الحاضر نفس الغائب ، وجوابه من وجوه ، أحدها : تقديره ثم أنتم يا هؤلاء ، وثانيها : تقديره ثم أنتم أعني هؤلاء الحاضرين ، وثالثها : أنه بمعنى الذي وصلته «تقتلون » وموضع تقتلون رفع إذا كان خبرا ولا موضع له إذا كان صلة . قال الزجاج : ومثله في الصلة قوله تعالى : { وما تلك بيمينك يا موسى } يعني وما تلك التي بيمينك ، ورابعها : هؤلاء تأكيد لأنتم ، والخبر «تقتلون » ، وأما قوله تعالى : { تقتلون أنفسكم } فقد ذكرنا فيه الوجوه ، وأصحها أن المراد يقتل بعضكم بعضا ، وقتل البعض للبعض قد يقال فيه إنه قتل للنفس إذ كان الكل بمنزلة النفس الواحدة وبينا المراد بالإخراج من الديار ما هو .

أما قوله تعالى : { تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي «تظاهرون » بتخفيف الظاء ، والباقون بالتشديد فوجه التخفيف الحذف لإحدى التاءين كقوله : { ولا تعاونوا } ووجه التشديد إدغام التاء في الظاء ، كقوله تعالى : { اثاقلتم } والحذف أخف والإدغام أدل على الأصل .

المسألة الثانية : اعلم أن التظاهر هو التعاون ، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضا مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان .

المسألة الثالثة : الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة ، فإن قيل : أليس أن الله تعالى لما أقدر الظالم على الظلم وأزال العوائق والموانع وسلط عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم ، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحة لوجب أن لا يوجد ذلك من الله تعالى ، والجواب : أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك فقد زجره عن الظلم بالتهديد والزجر ، بخلاف المعين للظالم على ظلمه فإنه يرغبه فيه ويحسنه في عينه ويدعوه إليه فظهر الفرق .

المسألة الرابعة : الآية لا تدل على أن قدر ذنب المعين مثل قدر ذنب المباشر ، بل الدليل دل على أنه دونه لأن الإعانة لو حصلت بدون المباشرة لما أثرت في حصول الظلم ولو حصلت المباشرة بدون الإعانة لحصل الضرر والظلم ، فعلمنا أن المباشرة أدخل في الحرمة من الإعانة .

أما قوله تعالى : { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ نافع وعاصم والكسائي : { أسارى تفادوهم } بالألف فيهما ، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون : «أسارى » بالألف و«تفدوهم » بغير ألف و«الأسرى » جمع أسير كجريح وجرحى ، وفي أسارى قولان : أحدهما : أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى ، والثاني : جمع أسير ، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى ، وقال : الأسارى الذين في وثاق ، والأسرى الذين في اليد ، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة ، وأنكر ثعلب ذلك ، وقال علي بن عيسى : الاختيار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه أدل على معنى الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه ، وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة أهل الحجاز .

المسألة الثانية : تفدوهم وتفادوهم لغتان مشهورتان تفدوهم من الفداء وهو العوض من الشيء صيانة له ، يقال : فداه فدية وتفادوهم من المفاداة .

المسألة الثالثة : جمهور المفسرين قالوا : المراد من قوله : { تفادوهم } وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم ، وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك ، والمراد أنكم مع القتل والإخراج إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال ، وإن كان ذلك محرما عليكم ثم عنده تخرجونه من الأسر ، قال أبو مسلم والمفسرون : إنما أتوا من جهة قوله تعالى : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } ، وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليهم ، والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه فقد آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض ، وكلا القولين يحتمل لفظ المفاداة لأن الباذل عن الأسير يوصف بأنه فاداه والأخذ منه للتخليص يوصف أيضا بذلك ، إلا أن الذي أجمع المفسرون عليه أقرب ، لأن عود قوله : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية أولى من عوده إلى أمور تقدم ذكرها بعد آيات .

المسألة الرابعة : قال بعضهم : الذين أخرجوا والذين فودوا فريق واحد ، وذلك أن قريظة والنضير كانا أخوين كالأوس والخزرج ، فافترقوا فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس . فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه ، فعيرتهم العرب وقالوا : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فيقولون : أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا ، وقال آخرون : ليس الذين أخرجوهم فودوا ولكنهم قوم آخرون فعابهم الله عليه .

أما قوله تعالى : { وهو محرم عليكم إخراجهم } ففي قوله : { وهو } وجهان ، الأول : أنه ضمير القصة والشأن كأنه قيل والقصة محرم عليكم إخراجهم ، الثاني : أنه كناية عن الإخراج أعيد ذكره توكيدا لأنه فصل بينهما بكلام فموضعه على هذا رفع كأنه قيل وإخراجهم محرم عليكم ، ثم أعيد ذكر إخراجهم مبينا للأول .

أما قوله : { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } فقد اختلف العلماء فيه على وجهين ، أحدهما : إخراجهم كفر ، وفداؤهم إيمان ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وابن جريج ، ولم يذمهم على الفداء ، وإنما ذمهم على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض ، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم لا يقال هب أن ذلك الإخراج معصية فلم سماها كفرا مع أنه ثبت أن العاصي لا يكفر ، لأنا نقول لعلهم صرحوا أن ذلك الإخراج غير واجب مع أن صريح التوراة كان دالا على وجوبه . وثالثهما : المراد منه التنبيه على أنهم في تمسكهم بنبوة موسى عليه السلام مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الحجة في أمرهما على سواء يجري مجرى طريقة السلف منهم في أن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض والكل في الميثاق سواء .

أما قوله تعالى : { إلا خزي في الحياة الدنيا } فأصل الخزي الذل والمقت . يقال : أخزاه الله ، إذا مقته وأبعده ، وقيل : أصله الاستحياء ، فإذا قيل : أخزاه الله كأنه قيل : أوقعه موقعا يستحيا منه ، وبالجملة فالمراد منه الذم العظيم ، واختلفوا في هذا الخزي على وجوه . أحدها : قال الحسن : المراد الجزية والصغار ، وهو ضعيف لأنه لا دلالة على أن الجزية كانت ثابتة في شريعتهم ، بل إن حملنا الآية على الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم صح هذا الوجه ، لأن من جملة الخزي الواقع بأهل الذمة أخذ الجزية منهم . وثانيها : إخراج بني النضير من ديارهم ، وقتل بني قريظة وسبي ذراريهم ، وهذا إنما يصح لو حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ، وثالثها : وهو الأولى أن المراد منه الذم العظيم والتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض والتنكير في قوله : «خزي » يدل على أن الذم واقع في النهاية العظمى .

أما قوله : { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } ففيه سؤال وهو أن عذاب الدهرية الذين ينكرون الصانع يجب أن يكون أشد من عذاب اليهود ، فكيف قال في حق اليهود : { يردون إلى أشد العذاب } والجواب : المراد منه أنه أشد من الخزي الحاصل في الدنيا ، فلفظ «الأشد » وإن كان مطلقا إلا أن المراد أشد من هذه الجهة .

أما قوله تعالى : { وما الله بغافل عما تعملون } ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وعاصم بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة ، وجه الأول : البناء على أول الكلام ، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ، ووجه الثاني : البناء على أنه آخر الكلام واختيار الخطاب لأن عليه الأكثر ولأنه أدل على المعنى لتغليب الخطاب على الغيبة إذا اجتمعا .

المسألة الثانية : قوله تعالى : { وما الله بغافل عما تعملون } تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة ، لأن الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع أنه أقدر القادرين وصلت الحقوق لا محالة إلى مستحقيها .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ثُمَّ أَنتُمۡ هَـٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (85)

84

المفردات :

تظاهرون عليهم : أصله تتظاهرون ، فحذفت إحدى التاءين ، أي تتعاونون عليهم .

الإثم : هو الفعل الذي يستحق صاحبه الذم ، واللوم .

العدوان : تجاوز الحد في الظلم .

أسارى : جمع أسير بمعنى مأسور ، وهو من يؤخذ في سبيل الله القهر والغلبة .

تفادوهم : تنقذوهم بدفع الفداء ، وهو ما يدفع في فك الأسير .

خزي : هوان .

يردون : يرجعون .

التفسير :

3- قوله تعالى : وإن يأتوكم أسارا تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم . بيان لتناقضهم وتزييفهم لأحكام الله تعالى .

أي أنتم يا معشر اليهود إن وجدتم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم أسرى تسعون في فكاكهم ، وتبذلون عوضا لإطلاقهم ، والشأن أن قتلهم وإخراجهم محرم عليكم كتركهم أسرى في أيدي أعدائكم ، فلماذا لم تتبعوا حكم التوراة في النهي عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم في مفاداتهم ؟ .

وصدرت الجملة الكريمة : وهو محرم عليكم وإخراجهم . بضمير الشأن للاهتمام بها والعناية بشأنها ، وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم وليس خافيا عليهم ، وقوله تعالى : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ . توبيخ وتقريع لهم على تفريقهم بين أحكام الله .

والمعنى : أفتتبعون أحكام كتابكم في فداء الأسرى ، ولا تتبعونها عن قتال إخوانكم وإخراجهم من ديارهم ؟ فالاستفهام للإنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكامه تعالى ، بالإيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر .

قال الأستاذ أحمد شاكر معلقا على تفسير ابن كثير للآية الكريمة :

( ومما يملأ النفس ألما وحزنا ، أن صار أكثر الأمم التي تنسب إلى هذا الوصف المكروه ، ووقعوا في مثل هذا العمل الذي ذم الله اليهود من أجله ، وجعل جزاء من يفعله خزيا في الحياة الدنيا وعذابا شديدا في الآخرة ، فنرى أكثر الأمم المنتسبة إلى الإسلام يعتقدون صحة القرآن ويشهدون بذلك ويعرفونه ، ويزعمون القيام بأمره ثم هم يخالفونه في التشريع في شؤونهم المالية والجنائية والخلقية ، ولا يستحون أن يعلنوا أن تشريعه وتشريع رسول الله في سنته لا يوافق هذا العصر ، ويجعلون من حقهم أن يشرعوا ما شاءوا ، وافق الكتاب والسنة أم خالفه ، أو يصطنعون قوانين أوربا الوثنية الملحدة ، ويشربونها في قلوبهم ، يزعمونهم أهدى وأنفع للناس مما أنزل إليهم من ربهم ، ولا يتعظون بما أنذرهم به ربهم من المثل بالأمم قبلهم )( 213 ) .

يقول الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين : " وإنما سمى سبحانه عصيانهم بالقتل والإخراج من الديار كفرا ، لأن من عصى أمر الله تعالى بحكم عملي معتقدا أن الحكمة الصلاح فيما فعله ، بحيث يتعاطاه دون أن يكون في قلبه أثر من التحرج ، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب ، فقد خرج بهذه الحالة النفسية عن سبيل المؤمنين ، وفي الآية الكريمة دليل واضح على أن الذي يؤمن ببعض ما تقرر في الدين بالدليل القاطع ويكفر ببعضه ، يدخل في زمرة الكافرين لأن الإيمان كل لا يتجزأ " ( 214 ) .