مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (27)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } .

الحكم السادس : في الاستئذان

اعلم أنه تعالى عدل عما يتصل بالرمي والقذف وما يتعلق بهما من الحكم إلى ما يليق به لأن أهل الإفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة فصارت كأنها طريق التهمة ، فأوجب الله تعالى أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام ، لأن في الدخول لا على هذا الوجه وقوع التهمة ، وفي ذلك من المضرة ما لا خفاء به فقال : { يا أيها الذين آمنوا } الخ وفي الآية سؤالات :

السؤال الأول : الاستئناس عبارة عن الأنس الحاصل من جهة المجالسة ، قال تعالى : { ولا مستأنسين لحديث } ، وإنما يحصل ذلك بعد الدخول والسلام فكان الأولى تقديم السلام على الاستئناس فلم جاء على العكس من ذلك ؟ والجواب : عن هذا من وجوه . أحدها : ما يروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير ، إنما هو حتى تستأذنوا فأخطأ الكاتب ، وفي قراءة أبي : حتى تستأذنوا لكم والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور ، وهو الدخول بغير إذن واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب ، وفي الحديث «من سبقت عينه استئذانه فقد دمر » ، واعلم أن هذا القول من ابن عباس فيه نظر لأنه يقتضي الطعن في القرآن الذي نقل بالتواتر ويقتضي صحة القرآن الذي لم ينقل بالتواتر وفتح هذين البابين يطرق الشك إلى كل القرآن وأنه باطل . وثانيها : ما روي عن الحسن البصري أنه قال إن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والمعنى : حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا ، وذلك لأن السلام مقدم على الاستئناس ، وفي قراءة عبد الله : حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ، وهذا أيضا ضعيف لأنه خلاف الظاهر . وثالثها : أن تجري الكلام على ظاهره . ثم في تفسير الاستئناس وجوه . الأول : حتى تستأنسوا بالإذن وذلك لأنهم إذا استأذنوا وسلموا أنس أهل البيت ، ولو دخلوا بغير إذن لاستوحشوا وشق عليهم . الثاني : تفسير الاستئناس بالاستعلام والاستكشاف استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا ، والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم . ومنه قولهم استأنس هل ترى أحدا ، واستأنست فلم أر أحدا أي تعرفت واستعلمت ، فإن قيل وإذا حمل على الأنس ينبغي أن يتقدمه السلام كما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول : «السلام عليكم أأدخل » قلنا المستأذن ربما لا يعلم أن أحدا في المنزل فلا معنى لسلامه والحالة هذه والأقرب أن يستعلم بالاستئذان هل هناك من يأذن ، فإذا أذن ودخل صار مواجها له فيسلم عليه . والثالث : أن يكون اشتقاق الاستئناس من الإنس وهو أن يتعرف هل ثم إنسان ، ولا شك أن هذا مقدم على السلام . والرابع : لو علمنا أن الاستئناس إنما يقع بعد السلام ولكن الواو لا توجب الترتيب ، فتقديم الاستئناس على السلام في اللفظ لا يوجب تقديمه عليه في العمل .

السؤال الثاني : ما الحكم في إيجاب تقديم الاستئذان ؟ والجواب : تلك الحكمة هي التي نبه الله تعالى عليها في قوله : { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة } فدل بذلك على أن الذي لأجله حرم الدخول إلا على هذا الشرط هو كون البيوت مسكونة ، إذ لا يأمن من يهجم عليها بغير استئذان أن يهجم على ما لا يحل له أن ينظر إليه من عورة ، أو على ما لا يحب القوم أن يعرفه غيرهم من الأحوال ، وهذا من باب العلل المنبه عليها بالنص ، ولأنه تصرف في ملك الغير فلابد وأن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب .

السؤال الثالث : كيف يكون الاستئذان ؟ الجواب : استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أألج ؟ فقال عليه الصلاة والسلام لامرأة يقال لها روضة «قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام عليكم أأدخل » فسمعها الرجل فقالها ، فقال ادخل فدخل وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء وكان يجيب ، فقال هل في العلم ما لا تعلمه ، فقال عليه الصلاة والسلام : «لقد آتاني الله خيرا كثيرا وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله » ، وتلا إن الله عنده علم الساعة إلى آخره » وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتا غير بيته حييتم صباحا وحييتم مساء ، ثم يدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد ، فصدق الله تعالى عن ذلك وعلم الأحسن والأجمل ، وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح ، وقال عكرمة هو التسبيح والتكبير ونحوه .

السؤال الرابع : كم عدد الاستئذان ؟ الجواب : روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون ، وبالثانية يستصلحون ، وبالثالثة يأذنون أو يردون » وعن جندب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إذا استأذن أحدكم ثلاثا ، فلم يؤذن له فليرجع » وعن أبي سعيد الخدري قال : «كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار ، فجاء أبو موسى فزعا ، فقلنا له ما أفزعك ؟ فقال أمرني عمر أن آتيه فأتيته ، فاستأذنت ثلاثا ، فلم يؤذن لي فرجعت ، فقال ما منعك أن تأتيني ؟ فقلت قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي . وقد قال عليه الصلاة والسلام : «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع » فقال لتأتيني على هذا بالبينة ، أو لأعاقبنك . فقال أبي لا يقوم معك إلا أصغر القوم ، قال فقام أبو سعيد فشهد له » وفي بعض الأخبار أن عمر قال لأبي موسى إني لم أتهمك ، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وعن قتادة الاستئذان ثلاثة : الأولى يسمع الحي ، والثاني ليتأهبوا والثالث إن شاءوا أذنوا ، وإن شاءوا ردوا ، واعلم أن هذا من محاسن الآداب ، لأن في أول مرة ربما منعهم بعض الأشغال من الإذن ، وفي المرة الثانية ربما كان هناك ما يمنع أو يقتضي المنع أو يقتضي التساوي ، فإذا لم يجب في الثالثة يستدل بعدم الإذن على مانع ثابت ، وربما أوجب ذلك كراهة قربه من الباب فلذلك يسن له الرجوع ، ولذلك يقول يجب في الاستئذان ثلاثا ، أن لا يكون متصلا ، بل يكون بين كل واحدة والأخرى وقت ، فأما قرع الباب بعنف والصياح بصاحب الدار ، فذاك حرام لأنه يتضمن الإيذاء والإيحاش ، وكفى بقصة بني أسد زاجرة وما نزل فيها من قوله تعالى : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } .

السؤال الخامس : كيف يقف على الباب الجواب : روي أن أبا سعيد استأذن على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو مستقبل الباب ، فقال عليه الصلاة والسلام : «لا تستأذن وأنت مستقبل الباب » . وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول «السلام عليكم » ، وذلك لأن الدور لم يكن عليها حينئذ ستور .

السؤال السادس : أن كلمة ( حتى ) للغاية والحكم بعد الغاية يكون بخلاف ما قبلها فقوله : { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا } يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن فما قولكم فيه ؟ الجواب من وجوه . أحدها : أن الله تعالى جعل الغاية الاستئناس لا الاستئذان ، والاستئناس لا يحصل إلا إذا حصل الإذن بعد الاستئذان . وثانيها : أنا لما علمنا بالنص أن الحكمة في الاستئذان أن لا يدخل الإنسان على غيره بغير إذنه فإن ذلك مما يسوءه ، وعلمنا أن هذا المقصود لا يحصل إلا بعد حصول الإذن ، علمنا أن الاستئذان ما لم يتصل به الإذن وجب أن لا يكون كافيا .

وثالثها : أن قوله تعالى : { فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم } فحظر الدخول إلا بإذن ، فدل على أن الإذن مشروط بإباحة الدخول في الآية الأولى ، فإن قيل إذا ثبت أنه لابد من الإذن فهل يقوم مقامه غيره أم لا ؟ قلنا روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «رسول الرجل إلى الرجل إذنه » وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال : «إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن » . وهذا الخبر يدل على معنيين أحدهما : أن الإذن محذوف من قوله : { حتى تستأنسوا } وهو المراد منه والثاني : أن الدعاء إذن إذا جاء مع الرسول وأنه لا يحتاج إلى استئذان ثان ، وقال بعضهم إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان .

السؤال السابع : ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه ؟ الجواب : قال الشافعي رحمه الله : لو فقئت عينه فهي هدر ، وتمسك بما روى سهل بن سعد قال : «اطلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مدري يحك بها رأسه فقال : «لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك إنما الاستئذان قبل النظر » وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال : «من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه » قال أبو بكر الرازي : هذا الخبر يرد لوروده على خلاف قياس الأصول ، فإنه لا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامنا وكان عليه القصاص إن كان عامدا والأرش إن كان مخطئا ، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع ، فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق ، فإن صح فمعناه : من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر ، فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي ، ثم جاء إنسان ففقأ عينه ، فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى : { العين بالعين } إلى قوله : { والجروح قصاص } واعلم أن التمسك بقوله تعالى : { والعين بالعين } في هذه المسألة ضعيف ، لأنا أجمعنا على أن هذا النص مشروط بما إذا لم تكن العين مستحقة ، فإنها لو كانت مستحقة لم يلزم القصاص ، فلم قلت : إن من اطلع في دار إنسان لم تكن عينه مستحقة ؟ وهذا أول المسألة .

أما قوله : إنه لو دخل لم يجز فقء عينه ، فكذا إذا نظر ، قلنا الفرق بين الأمرين ظاهر ، لأنه إذا دخل علم القوم دخوله عليهم فاحترزوا عنه وتستروا ، فأما إذا نظر فقد لا يكونون عالمين بذلك فيطلع منهم على ما لا يجوز الاطلاع عليه ، فلا يبعد في حكم الشرع أن يبالغ ههنا في الزجر حسما لباب هذه المفسدة ، وبالجملة فرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا القدر من الكلام غير جائز .

السؤال الثامن : لما بينتم أنه لابد من الإذن فهل يكفي الإذن كيف كان أو لابد من إذن مخصوص ؟ الجواب : ظاهر الآية يقتضي قبول الإذن مطلقا سواء كان الآذان صبيا أو امرأة أو عبدا أو ذميا فإنه لا يعتبر في هذا الإذن صفات الشهادة وكذلك قبول أخبار هؤلاء في الهدايا ونحوها .

السؤال التاسع : هل يعتبر الاستئذان على المحارم ؟ والجواب : نعم ، عن عطاء بن يسار «أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أستأذن على أختي ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام «نعم أتحب أن تراها عريانة » وسأل رجل حذيفة أستأذن على أختي ، فقال إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوؤك ، وقال عطاء سألت ابن عباس رضي الله عنهما أستأذن على أختي ومن أنفق عليها ؟ قال نعم إن الله تعالى يقول : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } ولم يفرق بين من كان أجنبيا أو ذا رحم محرم .

واعلم أن ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز إلا أنه أيسر لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء . والتحقيق فيه أن المنع من الهجوم على الغير إن كان لأجل أن ذلك الغير ربما كان منكشف الأعضاء فهذا دخل فيه الكل إلا الزوجات وملك اليمين ، وإن كان لأجل أنه ربما كان مشتغلا بأمر يكره اطلاع الغير عليه وجب أن يعم في الكل ، حتى لا يكون له أن يدخل على الزوجة والأمة إلا بإذن .

السؤال العاشر : إذا عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر فهل يجب الاستئذان ؟ الجواب : كل ذلك مستثنى بالدليل فهذا جملة الكلام في الاستئذان ، وأما السلام فهو من سنة المسلمين التي أمروا بها ، وأمان للقوم وهو تحية أهل الجنة ومجلبة للمودة وناف للحقد والضغينة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح عطس ، فقال الحمد لله ، فحمد الله بإذن الله ، فقال له ربه يرحمك ربك يا آدم اذهب إلى هؤلاء الملائكة ، وهم ملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم ، فلما فعل ذلك رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية ذريتك » وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «حق المسلم على المسلم ست ؛ يسلم عليه إذا لقيه ، ويجيبه إذا دعاه ، وينصح له بالغيب ، ويشمته إذا عطس ، ويعوده إذا مرض ، ويشهد جنازته إذا مات » وعن ابن عمر قال : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : «إن سركم أن يسل الغل من صدوركم فأفشوا السلام بينكم » .

أما قوله تعالى : { ذلكم خير لكم } فالمعنى فيه ظاهر ، إذ المراد أن فعل ذلك خير لكم وأولى لكم من الهجوم بغير إذن { لعلكم تذكرون } أي لكي تتذكروا هذا التأديب فتتمسكوا به .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (27)

الاستئذان

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 27 ) فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 28 ) لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ( 29 ) } .

27

التفسير :

27 - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .

تستأنسوا : تستأذنوا ، إذ بالاستئذان يحصل أنس أهل البيت ، وبدونه يستوحشون ويشق عليهم الدخول .

تذكرون : تتعظون .

أدب الله عباده المؤمنين بآداب نافعة في بقاء الود وحسن العشرة ، ومن ذلك ألا يدخلوا بيوت غيرهم ، إلا بعد الاستئناس : وهو الاستعلام ، واستكشاف الحال هل يراد دخولهم أم لا .

وفسر بعضهم الاستئناس بالاستئذان ، وعند التدقيق نجد بين المعنيين فرقا لطيفا لا ينبغي أن يصرف النظر عنه ، فالاستئناس : تلمس الحالة النفسية ، والرغبة الوجدانية ، لأصحاب البيت ، ومن ذلك اختار الوقت المناسب ، واستخدام المسرة ( التليفون ) لتعرف الاستعداد لتقبل الضيف ، ورضاهم عن زيارته أم لا ، فالاستئناس أعم وأشمل من كلمة ( الاستئذان ) ، إن الاستئذان طلب الإذن بالدخول أو عدمه ، أما الاستئناس : فهو معرفة التهيؤ ومدى استعداد المزور للأنس بالزائر .

وقيل : الاستئناس ، الاستعلام ، ومعنى تستأنسوا : تستعلموا ، أي : تحاولون إعلام صاحب البيت بقدومكم ، قال مجاهد : بالتنحنح ، أو بأي وجه أمكن ، ويتأنى قدر ما يعلم أنه قد شعر به ، ويدخل إثر ذلك .

وفي سنن ابن ماجة ، عن أبي أيوب الأنصاري قال : قلنا : يا رسول الله ، هذا السلام ، فما الاستئناس ؟ قال : ( يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ، ويتنحنح ويؤذن أهل البيت )103 .

والسنة في الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها ، قال ابن وهب : قال مالك : الاستئذان ثلاث ، لا أحب أن يزيد أحد عليها ، إلا من علم أنه لم يسمع ، فلا أرى بأسا أن يزيد ، إذا استيقن أنه لم يسمع104 . وثبت في الصحيح : أن أبا موسى الأشعري ، حين استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له فانصرف ، ثم قال عمر : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ( يعني : أبا موسى ) يستأذن ؟ ائذنوا له ، فطلبوه فوجدوه قد ذهب ، فلما جاء بعد ذلك قال : ما أرجعك ؟ قال : استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي ، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له ؛ فلينصرف )105 .

ويتعلق بالاستئذان ما يأتي :

1 – ينبغي ألا ينظر ببصره في دار غيره إلا بإذنه . روى البخاري ، ومسلم ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إنما جعل الاستئذان من أجل النظر )106 ، فخلوة الإنسان مكفولة له ، ورسائله وخطاباته لا يصح أن يقرأها أحد بدون إذنه .

روى أبو داود ، عن عبد الله بن عباس أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار )107 .

2 – إذا جاء إلى بيت قوم ليستأذن ، فينبغي ألا يقف حيال الباب ، ولكن من جانب الباب الأيمن أو الأيسر ، روى أبو داود ، عن عبد الله بن بسر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول : ( السلام عليكم ) . وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور108 .

3 – ينبغي أن يكون الطرق على الباب خفيفا بحيث يسمع ، ولا يعنف في ذلك ، وكذلك استخدام جرس الباب ينبغي أن يكون خفيفا لا ثقيلا ولا مزعجا ، روى أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : كانت أبواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقرع بالأظافر109 .

4 – صورة الاستئذان ، أن يقول الرجل : السلام عليكم أأدخل ؟ فإن أذن له دخل ، وإن أمر بالرجوع انصرف ، وإن سكت عنه استأذن ثلاثا ، ولا ينبغي أن يكون الاستئذان ثلاث مرات متوالية ، بل ينبغي أن يكون بين كل استئذان وآخر فصل من الزمن ؛ حتى إذا كان صاحب الدار مشتغلا بأمر يمنعه من الإذن فليفرغ منه .

5 – ينبغي أن يعرف الطارق بنفسه تعريفا يزيل عنه الجهالة ، وإذا قال له صاحب الدار : من أنت ؟ يقول : محمد أو إبراهيم مثلا ، ولا يقول : أنا ، روى الشيخان وغيرهما ، عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – قال : استأذنت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ( من هذا ) ؟ فقلت : أنا ، فقال النبي : صلى الله عليه وآله وسلم : ( أنا ، أنا ) كأنه كره ذلك110 .

قال علماؤنا : إنما كره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ، لأن قوله : أنا ، لا يحصل به تعريف ، وإنما الحكم في ذلك أن يذكر اسمه ، كما فعل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وأبو موسى ، لأن في ذكر الاسم إسقاط كلفة السؤال والجواب ، ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مشربة له ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليكم أيدخل عمر111 ؟ . وفي صحيح مسلم : أن أبا موسى جاء إلى عمر بن الخطاب فقال : السلام عليكم ، هذا أبو موسى ، السلام عليكم ، هذا الأشعري . . . الحديث112 .

6 – يستحب أن يستأذن الرجل قبل دخوله بيته ، أو يأتي بما يدل على قدومه كالتسبيح أو التنحنح ، فإنه قد تكون المرأة في شأن لا تحب أن يطلع عليه زوجها أو سيدها113 . وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا114 .

7 – جعل الفقهاء حكم السمع كحكم النظر ، فإذا دخل رجل أعمى في دار قوم ، فهو وإن كان لا ينظر إلى شيء بعينه ، ولكنه يسمع أحاديث أهل الدار ، وهذا أيضا تدخل غير مشروع في حق الخلوة كالنظر . ويلحق بذلك التحسس والتجسس على أحاديث الغير ، وسماع المكالمات التليفونية الخاصة بالآخرين ، ومن المعذبين يوم القيامة رجل تسمع لقوم وهم لاستماعه كارهون . ويتبادر إلى الذهن الحديث عن فضيحة ووترجيت ، وقد ثبت فيها أن الرئيس نيكسون سمح بالتنصت على الحزب المنافس له ، وأدى اكتشاف ذلك مع ملابسات أخرى إلى إجباره على الاستقالة . وديننا الحنيف دعا إلى أدب الاستئذان منذ أربعة عشر قرنا ، وفي إحياء آداب ديننا إعادة لأمجاد الإسلام .

8 – لا يجب الاستئذان إذا عرض في الدار أمر مفاجئ شديد كمريض يستغيث ، أو حريق ، أو هجوم سارق أو غاصب . . . إلخ .

9 – لا عبرة إلا بإذن صاحب الدار ، أو من يعتقده المستأذن أنه يأذن من قبل صاحب الدار ، كالخادم وغيره من أفراد الدار المسئولين ، فإن كان الآذن طفلا فلا يكفي إذنه .

10 – عندما يأذن أصحاب الدار بالدخول ينبغي أن يبدأهم بالسلام عند مشاهدتهم ؛ لقوله تعالى : حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها . . .

وظاهر الآية الكريمة أنه لا بد قبل الدخول من الاستئذان والسلام معا ، وعليه جمهور الفقهاء ، فكل من الاستئذان والسلام مطلوب ، غير أن الطلب فيهما متفاوت ، فالطلب في الاستئناس على سبيل الوجوب ، والطلب في السلام على سبيل الندب ، كما هو حكم السلام في غير هذا الموطن .

وظاهرها أيضا تقدم الاستئذان على السلام ، لأن الأصل في الترتيب الذكرى أن يكون على وفق الترتيب الواقعي ، وبهذا الظاهر قال بعض العلماء ، وجمهور الفقهاء على تقديم السلام على الاستئذان ، وحجتهم في ذلك عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه الترمذي ، عن جابر – رضي الله عنه - : ( السلام قبل الكلام )115 . وما أخرجه ابن أبي شيبة ، والبخاري في الأدب ، عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلم ، قال : لا يؤذن له حتى يسلم . وبعض العلماء فصل في المسألة وقال : إن كان القادم يرى أحدا من أهل البيت ، سلم أولا ثم استأذن في الدخول ، وإن كانت عينه لا تقع على أحد منهم ، قدم الاستئذان على السلام . وهذا قول جيد ، ولا ينافيه حديث الترمذي والبخاري ، فإنه يمكن أن يحمل ذلك على الحالات التي يكون فيها القادم ، بحيث لا يرى أهل البيت ، فالأفضل أن يقدم الاستئذان على السلام ، كما هو ظاهر الآية ، إلا أن يكون القادم بحيث يرى أهل الدار ، فينبغي أن يجيبهم أولا ثم يستأذن ، وفي هذا جمع بين الأدلة116 .

11 – كان العرب في الجاهلية يدخلون البيوت بغير استئذان ، ويهجمون على البيت هجوما ، ويرون أن الاستئذان مذلة تأباها النفوس . فلما شرع الله أدب الاستئذان قال سبحانه : ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون . أي : أن أدب الإسلام في الاستئذان والسلام ، خير مما كان عليه العرب في الجاهلية . فقد جعل الله البيوت سكنا ، يفئ إليها الناس ، فتسكن وتطمئن قلوبهم ونفوسهم ، ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم ، ويلقون أعباء الحذر والحرص المرهقة للأعصاب .

والبيوت لا تكون كذلك إلا حين تكون حرما آمنا ، لا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم ، وفي الوقت الذي يريدون ، وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا الناس عليها .

وكان الرجل في الجاهلية إذا أراد أن يدخل بيتا غير بيته ؛ يقول : حييتم مساء ، ثم يدخل ، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد . فأرشدهم القرآن إلى آداب الزيارة ، ثم بين أن هذه الآداب خير وأفضل لحفظ النفوس والأعراض ، والبعد عن الفتنة ، كي تتذكروا وتعملوا بما أمرتم به .