الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} (27)

{ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } الآية .

أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال : حدّثنا عبد الله بن يوسف قال : حدّثنا الحسين ابن يحيويه قال : حدّثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي سفيان قالا : حدّثنا محمد بن يوسف الفريابي قال : حدّثنا قيس عن أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت قال : جاءت امرأة من الأنصار فقالت : يا رسول الله إنّي أكون في بيتي على حال لا أُحبّ أن يراني عليها أحد والد ولا ولد ، فيأتي الأب فيدخل عليَّ ، وإنّه لا يزال يدخل عليَّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فكيف أصنع ؟ فنزلت هذه الآية { يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا } الآية . وقال بعض المفسّرين : حتى تستأنسوا أي تستأذنوا .

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّه قال : إنّما هو حتى تستأذنوا ولكن اخطأ الكاتب ، وكان أُبيّ بن كعب وابن عباس والأعمش يقرأونها كذلك حتّى تستأذنوا ، وفي الآية تقديم وتأخير تقديرها : حتى تسلّموا على أهلها وتستأذنوا ، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وهو أن يقول : السلام عليكم أأدخل ؟ روى يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي " أنّ رجلا استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أألجُ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة يقال لها روضة : قومي إلى هذا فعلّميه فإنّه لا يُحسن يستأذن فقولي له : تقول : السلام عليكم أأدخل ؟ فسمعها الرجل فقالها ، فقال : ادخل . "

وقال مجاهد والسدّي : هو التنحنح والتنخّم .

روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الخزاز عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عن زينب قالت : كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى الى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منها على أمر يكرهه .

عكرمة : هو التسبيح والتكبير ونحو ذلك .

أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال : حدّثنا أبو بكر بن خرجة قال : حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال : حدّثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال : حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان عن واصل بن السائب عن أبي أيوب الأنصاري قال : قلنا يا رسول الله ما الاستيناس الذي يريد الله سبحانه { حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا } قال : يتكلّم الرجل بالتكبيرة التسبيحة والتحميدة ، يتنحنح يؤذن أهل البيت .

وقال الخليل : الاستيناس : الاستبصار من قوله

{ آنَسْتُ نَاراً } [ طه : 10 ] .

وقال أهل المعاني : الاستيناس : طلب الأُنس وهو أن ينظر هل في البيت أحد يؤذنه أنه داخل عليهم ، يقول العرب : اذهب فاستأنس هل ترى أحداً في الدار ؟ أي انظر هل ترى فيها أحداً ؟ ويروى أنّ أبا موسى الأشعري أتى منزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ فقال عمر : واحدة ، فقال أبو موسى : السلام عليكم أأدخل ؟ فقال عمر : ثنتان ، قال أبو موسى : السلام عليكم أأدخل ؟ ومرّ ، فوجّه عمر بن الخطاب رضى الله عنه خلفه من ردّه فسأله عن صنيعه فقال : إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

" الاستيذان ثلاثة فإن أذنوا وإلاّ فارجع " .

فقال عمر : لتأتيني بالبيّنة أو لاعاقبنّك ، فانطلق أبو موسى فأتاه بمن سمع ذلك معه . وعن عطاء بن يسار " أنَّ رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أستأذن على اَمّي ؟ قال : " نعم " ، قال : " إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن كلمّا دخلت ؟ قال : " أتحبّ أن تراها عريانة " ؟ قال الرجل : لا ، قال : " فاستأذن عليها " .

وأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال : حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال : حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال : حدّثنا محمد بن حميد قال : حدّثنا جرير بن عبد الحميد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اطّلع في بيت بغير إذنهم فقد حلّ لهم ان يفقأوا عينه " .

وأخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا ابن شبّه قال : حدّثنا الحضرمي قال : حدّثنا أبو بكر قال : حدّثنا ابن عيينة عن الزهري أنه سمع سهل بن سعد يقول : اطّلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مدرىً يحكّ به رأسه ، فقال : " لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك ، إنّما الاستيذان من النظر " .