مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا} (25)

قوله تعالى : { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمان وكان يوما على الكافرين عسيرا ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا } .

اعلم أن هذا الكلام مبني على ما استدعوه من إنزال الملائكة فبين سبحانه أنه يحصل ذلك في يوم له صفات :

الصفة الأولى : أن في ذلك اليوم تشقق السماء بالغمام ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { إذا السماء انفطرت } يدل على التشقق وقوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } يدل على الغمام فقوله : { تشقق السماء بالغمام } جامع لمعنى الآيتين ونظيره قوله تعالى : { وفتحت السماء فكانت أبوابا } وقوله : { فهي يومئذ واهية } .

المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف الشين ههنا ، وفي سورة ق والباقون بالتشديد ، قال أبو عبيدة : الاختيار التخفيف كما يخفف تساءلون ومن شدد فمعناه تتشقق .

المسألة الثالثة : قال الفراء : المراد من قوله : { بالغمام } أي عن الغمام ، لأن السماء لا تتشقق بالغمام بل عن الغمام ، وقال القاضي : لا يمتنع أن يجعل تعالى الغمام بحيث تشقق السماء باعتماده عليه وهو كقوله : { السماء منفطر به } .

المسألة الرابعة : لابد من أن يكون لهذا التشقق تعلق بنزول الملائكة ، فقيل الملائكة في أيام الأنبياء عليهم السلام كانوا ينزلون من مواضع مخصوصة والسماء على اتصالها ، ثم في ذلك اليوم تتشقق السماء فإذا انشقت خرج من أن يكون حائلا بين الملائكة وبين الأرض فنزلت الملائكة إلى الأرض .

المسألة الخامسة : قوله : { ونزل الملائكة } صيغة عموم فيتناول الكل ، ولأن السماء مقر الملائكة فإذا تشقق وجب أن ينزلوا إلى الأرض ، ثم قال مقاتل : تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر من سكان الدنيا ، كذلك تتشقق سماء سماء ، ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش ، ثم ينزل الرب تعالى . وروى الضحاك عن ابن عباس : قال تتشقق كل سماء وينزل سكانها فيحيطون بالعالم ويصيرون سبع صفوف حول العالم ، واعلم أن نزول الرب بالذات باطل قطعا ، لأن النزول حركة والموصوف بالحركة محدث والإله لا يكون محدثا . وأما نزول الملائكة إلى الأرض فعليه سؤال ، وذلك لأنه ثبت أن الأرض بالقياس إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة ، فكيف بالقياس إلى الكرسي والعرش فملائكة هذه المواضع بأسرها كيف تتسع لهم الأرض جميعا ؟ فلعل الله تعالى يزيد في طول الأرض وعرضها ويبلغها مبلغا يتسع لكل هؤلاء ، ومن المفسرين من قال : الملائكة يكونون في الغمام منه ، والله تعالى يسكن الغمام فوق أهل القيامة ويكون ذلك الغمام مقر الملائكة . قال الحسن : والغمام سترة بين السماء والأرض تعرج الملائكة فيه بنسخ أعمال بني آدم والمحاسبة تكون في الأرض .

المسألة السادسة : أما نزول الملائكة فظاهر ، ومعنى { تنزيلا } توكيد للنزول ودلالة على إسراعهم فيه .

المسألة السابعة : الألف واللام في الغمام ليس للعموم فهو للمعهود ، والمراد ما ذكروه في قوله : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة } .

المسألة الثامنة : قرئ : وننزل الملائكة ، وننزل الملائكة ، ونزلت الملائكة ، ونزل الملائكة ونزل الملائكة على حذف النون الذي هو فاء الفعل من ننزل قراءة أهل مكة .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا} (25)

المفردات :

تشقق : تتفتح السماء عن الغمام .

التفسير :

25- { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا }

تصف الآية مظهرا من مظاهر القيامة ، حيث تنشق السماء على غلظها ، ويخرج الغمام من السماء . وتتعلق الملائكة بأطراف السماء ، ثم تنزل إلى الأرض فتحيط بأهل الأرض ، والغمام : غيم أبيض رقيق مثل الضبابة ، كما كان لبني إسرائيل في التيه ، حيث كان يقيهم وهج الشمس . قال تعالى : { وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [ البقرة : 57 ] .

وقد ورد في القرآن الكريم وصف مشاهد القيامة ، ومن هذه المشاهد : انشقاق السماء ، وتعلّق الملائكة بأرجاء السماء . واشتداد الهول ، وتميّز المؤمنين بالسعادة والسرور ، واختصاص الكفار بالعذاب والويل والثبور .

قال تعالى : { وانشقت السماء فهي يومئذ واهية* والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية*يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } [ الحاقة : 16-18 ] .

وقال تعالى : { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور } [ البقرة : 210 ] .

وقال تعالى : { وجاء ربك والملك صفا صفا } [ الفجر : 22 ] .

وتشير الآية إلى أن الملائكة تنزل إلى الأرض نزولا مؤكدا ، لا لبس فيه ولا شك ، وفي هذا رد على المشركين الذين قالوا : { لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا . . }

قال النيسابوري :

{ ويوم تشقق السماء بالغمام . . . }

أي : واذكر يوم تتفتح السماء ، بسبب غمام يخرج منها ، وفي الغمام الملائكة ، فينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد .

وقريب من هذه الآية قوله تعالى : { إذا السماء انشقت*وأذنت لربها وحقت* وإذا الأرض مدت*وألقت ما فيها وتخلت*وأذنت لربها وحقت*يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه* فأما من أوتي كتابه بيمينه*فسوف يحاسب حسابا يسيرا*وينقلب إلى أهله مسرورا } [ الانشقاق : 1-9 ] .