مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا} (67)

الصفة الخامسة : قوله : { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } قرئ { يقتروا } بكسر التاء وضمها . ويقتروا بضم الياء وتخفيف القاف وكسر التاء . وأيضا بضم الباء وفتح القاف وكسر التاء وتشديدها وكلها لغات . والقتر والإقتار والتقتير التضييق الذي هو نقيض الإسراف ، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة . وذكر المفسرون في الإسراف والتقتير وجوها : أحدها : وهو الأقوى أنه تعالى وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير وبمثله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } وعن وهيب بن الورد قال لعالم : ما البناء الذي لا سرف فيه ؟ قال : ما سترك عن الشمس وأكنك من المطر ، فقال له فما الطعام الذي لا سرف فيه ؟ قال ما سد الجوعة ، فقال له في اللباس ، قال ما ستر عورتك ووقاك من البرد ، وروي أن رجلا صنع طعاما في إملاك فأرسل إلى الرسول عليه السلام فقال : «حق فأجيبوا » ثم صنع الثانية فأرسل إليه فقال : «حق فمن شاء فليجب وإلا فليقعد » ثم صنع الثالثة فأرسل إليه فقال : «رياء ولا خير فيه » . وثانيها : وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك أن الإسراف الإنفاق في معصية الله تعالى ، والإقتار منع حق الله تعالى ، قال مجاهد : لو أنفق رجل مثل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله تعالى لم يكن سرفا . ولو أنفق صاعا في معصية الله تعالى كان سرفا ، وقال الحسن لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عما ينبغي ، وذلك قد يكون في الإمساك عن حق الله ، وهو أقبح التقتير ، وقد يكون عما لا يجب ، ولكن يكون مندوبا مثل الرجل الغني الكثير المال إذا منع الفقراء من أقاربه . وثالثها : المراد بالسرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع في الدنيا ، وإن كان من حلال ، فإن ذلك مكروه لأنه يؤدي إلى الخيلاء ، والإقتار هو التضييق ، فالأكل فوق الشبع بحيث يمنع النفس عن العبادة سرف . وإن أكل بقدر الحاجة فذاك إقتار ، وهذه الصفة صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة ، ولكن كانوا يأكلون ما يسد جوعهم ويعينهم على عبادة ربهم ، ويلبسون ما يستر عوراتهم ويصونهم من الحر والبرد ، وههنا مسألتان :

المسألة الأولى : القوام قال ثعلب : القوام بالفتح العدل والاستقامة ، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر ، قال صاحب الكشاف : القوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ، ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء ، وقرئ { قواما } بالكسر وهو ما يقام به الشيء ، يقال أنت قوامنا ، يعني ما يقام به الحاجة لا يفضل عنه ولا ينقص .

المسألة الثانية : المنصوبان أعني { بين ذلك قواما } جائز أن يكونا خبرين معا ، وأن يجعل بين ذلك لغوا وقواما مستقرا ، وأن يكون الظرف خبرا وقواما حالا مؤكدة ، قال الفراء : وإن شئت جعلت { بين ذلك } اسم كان ، كما تقول كان دون هذا كافيا ، تريد أقل من ذلك ، فيكون معنى { بين ذلك } ، أي كان الوسط من ذلك قواما ، أي عدلا ، وهذا التأويل ضعيف ، لأن القوام هو الوسط فيصير التأويل ، وكان الوسط وسطا وهذا لغو .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا} (67)

63

المفردات :

الإسراف : مجاوزة الحدّ في النفقة بالنظر لنظرائه في المال .

التقتير : التضييق والشح .

قواما : وسطا وعدلا .

التفسير :

67-{ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما } .

من صفات عباد الرحمان ، الاعتدال في النفقة والتوسط فيها ، فالإسلام قد جاء بنظمه في العبادات والمعاملات ، ومن هذه النظم : إخلاص الوجه لله ، والتوسط في العبادة وفي النفقة ، لقد حظي الإسلام بنظام اقتصادي متوازن ، فيه محاسن الرأسمالية والاشتراكية ، وليس فيه المساوئ التي فيهما ، فالمال مال الله ، والعبد مستخلف عن الله في إرادته ، والإنسان موظف في ماله ، عليه إخراج الزكاة والصدقة والتكافل الاجتماعي وصلة الرحم ، ومساعدة المحتاجين ، قال تعالى : { والذين في أموالهم حق معلوم*للسائل والمحروم } [ المعارج : 24-25 ] .

كما حرم الإسلام الشح والبخل ، قال تعالى : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } [ الحشر : 9 ] .

وتوعد الكانزين ومانعي الزكاة بالسعير والعذاب . قال تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } [ التوبة : 34 ] .

والخلاصة

أن الفضيلة وسط بين رذيلتين ، وأن من صفة عباد الرحمان التوسط في النفقة ، والبعد عن البخل وعن الإسراف ، فالإسراف والبخل كلاهما مفسدة للحياة والمال ، والجماعات والأمم .

قال تعالى : { ولا تبذر تبذيرا* إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا } [ الإسراء : 26-27 ] .

والبخل فيه إمساك للمال عن الإنفاق في الوجوه المشروعة .

قال تعالى : { ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء . . . } [ محمد : 38 ] .

أما التوسط والاعتدال في النفقة فهو سمة العقلاء ، الذين فقهوا رسالة المال ، وجعلوه وسيلة لإصلاح أنفسهم وأقاربهم ومجتمعهم ، وأسعدوا بتصرفهم الأفراد والجماعات .

قال تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } [ الإسراء : 29 ]

جاء في تفسير النيسابوري :

وصف القرآن عباد الرحمان بالتوسط في الإنفاق ، والقتر والإقتار ، والتضييق نقيض الإسراف ، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة ، ولا يلبسون ثيابا للجمال والزينة ، ولكن ما يسد جوعتهم ، ويستر عورتهم ويكنّهم من الحر والقرّ .

عن عمر : كفى شرها ألا يشتهي رجل شيئا إلا اشتراه فأكله . اه .

{ وكان بين ذلك قواما } .

قواما : أي : وسطا بين الإسراف والبخل ، وقوام الرجل : قامته ، وحسن طوله وهيئته .

وجاء في تفسير ابن كثير طائفة من الأحاديث تمدح التوسط في النفقة والاعتدال والقصد ، مثل :

قال الحافظ أبو بكر البزار : عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أحسن القصد في الغنى ، وما أحسن القصد في الفقر ، وما أحسن القصد في العبادة ) ثم قال : لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة رضي الله عنه .

وقال إياس بن معاوية : ما جاوزت به أمر الله تعالى فهو سرف ، وقال غيره : السرف : النفقة في معصية الله عز وجل .