مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (91)

{ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون } .

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين المبدأ والمعاد والنبوة ومقدمات القيامة وصفة أهل القيامة من الثواب والعقاب ، وذلك كمال ما يتعلق ببيان أصول الدين ختم الكلام بهذه الخاتمة اللطيفة فقال : قل يا محمد إني أمرت بأشياء . الأول : أني أمرت أن أخص الله وحده بالعبادة ولا أتخذ له شريكا ، وأن الله تعالى لما قدم دلائل التوحيد فكأنه أمر محمدا بأن يقول لهم هذه الدلائل التي ذكرتها لكم إن لم تفد لكم القول بالتوحيد فقد أفادت لي ذلك فسواء قبلتم هذه الدعوة أو أعرضتم عنها ، فإني مصر عليها غير مرتاب فيها . ثم إنه وصف الله تعالى بأمرين : أحدهما : أنه رب هذه البلدة والمراد مكة وإنما اختصها من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه وأكرمها عليه وأشار إليها إشارة تعظيم لها دالا على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه .

أما قوله : { الذي حرمها } فقرئ ( التي حرمها ) ، وإنما وصفها بالتحريم لوجوه أحدها : أنه حرم فيها أشياء على من يحج . وثانيها : أن اللاجئ إليها آمن . وثالثها : لا ينتهك حرمتها إلا ظالم ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها وإنما ذكر ذلك لأن العرب كانوا معترفين بكون مكة محرمة وعلموا أن تلك الفضيلة ليست من الأصنام بل من الله تعالى ، فكأنه قال لما علمت وعلمتم أنه سبحانه هو المتولي لهذه النعم وجب علي أن أخصه بالعبادة . وثانيها : وصف الله تعالى بقوله : { وله كل شيء } وهذا إشارة إلى ما تقدم من الدلائل المذكورة في هذه السورة على التوحيد من كونه تعالى خالقا لجميع النعم فأجمل ههنا تلك المفصلات ، وهذا كمن أراد صفة بعض الملوك بالقوة فيعد تلك التفاصيل ثم بعد التطويل يقول إن كل العالم له وكل الناس في طاعته . الثاني : أمر بأن يكون من المسلمين .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ} (91)

ختام سورة النمل

{ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين( 91 ) وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين( 92 ) وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون( 93 ) }

المفردات :

هذه البلدة : المراد بها مكة .

من المسلمين : من المنقادين لملة التوحيد .

التفسير :

91-{ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة التي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين }

تأتي هذه الآيات في ختام السورة فتلخص الفكرة الإسلامية ، والدعوة المحمدية ، في الدعوة إلى إخلاص الوجه لله تعالى وحده لا شريك له ، مع العناية بإخلاص العبادة لله ، والبعد عن الشرك وعبادة الأوثان ، وكان العرب يقيمون في مكة ، ويشاهدون حرمتها وأهميتها ، والله تعالى يذكرهم بفضله عليهم ، في تيسير الأمن والأمان لهم ، فلماذا لا يعبدونه سبحانه وتعالى ؟

ومعنى الآية :

لقد أمرني الله تعالى أن أعبده وحده لا شريك له ، فهو ربنا ورب كل شيء ومليكه ، وهو رب مكة البلد الحرام الذي حرّم مكة ، وحرم العدوان فيها ، وجعلها حرما آمنا ، والله تعالى له كل شيء في الكون ، خلقا وإيجادا ورعاية وحفظا ، فبيده سبحانه ملكوت السماوات والأرض ، وفي آية الكرسي : { وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم } [ البقرة : 255 ] .

{ وأمرت أن أكون من المسلمين } .

الذين أسلموا وجوههم لله ، وانقادوا لشريعة الإسلام مخلصين لله ، راغبين في ثوابه ، راهبين من عقابه .

قال تعالى : { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين*وأمرت لأن أكون أول المسلمين } [ الزمر : 11 ، 12 ] .

وقال تعالى : { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين* قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين*لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين*قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } [ الأنعام : 161-164 ] .

ومن مأثور الدعاء : " اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت ، وأنت رب العرش العظيم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، أعلم أن الله على كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا " .

في معنى الآية :

قال تعالى : { أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } [ القصص : 75 ] .

وقال سبحانه وتعالى : { لإيلاف قريش*إيلافهم رحلة الشتاء والصيف*فليعبدوا رب هذا البيت* الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف } [ قريش : 1-4 ] .

وجاء في الصحيحين ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة : ( إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاها )28 .

وقال تعالى : { أو لم يروا أنا جعلنا حراما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون } [ العنكبوت : 67 ]