مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ} (18)

وقوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى } متعلق بما قبله ، وذلك من حيث إنه تعالى لما بين الحق بالدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة ذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } أي لا تحمل نفس ذنب نفس فالنبي صلى الله عليه وسلم لو كان كاذبا في دعائه لكان مذنبا وهو معتقد بأن ذنبه لا تحملونه أنتم فهو يتوقى ويحترز ، والله تعالى غير فقير إلى عبادتكم فتفكروا واعلموا أنكم إن ضللتم فلا يحمل أحد عنكم وزركم وليس كما يقول : أكابركم { اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم } وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { وازرة } أي نفس وازرة ولم يقل ولا تزر نفس وزر أخرى ولا جمع بين الموصوف والصفة فلم يقل ولا تزر نفس وازرة وزرة أخرى لفائدة أما الأول : فلأنه لو قال ولا تزر نفس وزر أخرى ، لما علم أن كل نفس وازرة مهمومة بهم وزرها متحيرة في أمرها ووجه آخر : وهو أن قول القائل ولا تزر نفس وزر أخرى ، قد يجتمع معها أن لا تزر وزرا أصلا كالمعصوم لا يزر وزر غيره ومع ذلك لا يزر وزرا رأسا فقوله : { ولا تزر وازرة } بين أنها تزر وزرها ولا تزر وزر الغير وأما ترك ذكر الموصوف فلظهور الصفة ولزومها للموصوف .

ثم قال تعالى : { وإن تدع مثقلة } إشارة إلى أن أحدا لا يحمل عن أحد شيئا مبتدئا ولا بعد السؤال ، فإن المحتاج قد يصبر وتقضى حاجته من غير سؤاله ، فإذا انتهى الافتقار إلى حد الكمال يحوجه إلى السؤال .

المسألة الثانية : في قوله : { مثقلة } زيادة بيان لما تقدم من حيث إنه قال أولا : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } فيظن أن أحدا لا يحمل عن أحد لكون ذلك الواحد قادرا على حمله ، كما أن القوي إذا أخذ بيده رمانة أو سفرجلة لا تحمل عنه ، وأما إذا كان الحمل ثقيلا قد يرحم الحامل فيحمل عنه فقال : { مثقلة } يعني ليس عدم الوزر لعدم كونه محلا للرحمة بالثقل بل لكون النفس مثقلة ولا يحمل منها شيء .

المسألة الثالثة : زاد في ذلك بقوله : { ولو كان ذا قربى } أي المدعو لو كان ذا قربى لا يحمله وفي الأول كان يمكن أن يقال لا يحمله لعدم تعلقه به كالعدو الذي يرى عدوه تحت ثقل ، أو الأجنبي الذي يرى أجنبيا تحت حمل لا يحمل عنه فقال : { ولو كان ذا قربى } أي يحصل جميع المعاني الداعية إلى الحمل من كون النفس وازرة قوية تحتمل وكون الأخرى مثقلة لا يقال كونها قوية قادرة ليس عليها حمل وكونها سائلة داعية فإن السؤال مظنة الرحمة ، لو كان المسؤول قريبا فإذن لا يكون التخلف إلا لمانع وهو كون كل نفس تحت حمل ثقيل .

ثم قال تعالى : { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة } إشارة إلى أن لا إرشاد فوق ما أتيت به ، ولم يفدهم ، فلا تنذر إنذارا مفيدا إلا الذين تمتلئ قلوبهم خشية وتتحلى ظواهرهم بالعبادة كقوله : { الذين آمنوا } إشارة إلى عمل القلب { وعملوا الصالحات } إشارة إلى عمل الظواهر فقوله : { الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة } في ذلك المعنى ، ثم لما بين { أن لا تزر وازرة وزر أخرى } بين أن الحسنة تنفع المحسنين .

فقال : { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } أي فتزكيته لنفسه .

ثم قال تعالى : { وإلى الله المصير } أي المتزكي إن لم تظهر فائدته عاجلا فالمصير إلى الله يظهر عنده في يوم اللقاء في دار البقاء ، والوازر إن لم تظهر تبعة وزره في الدنيا فهي تظهر في الآخرة إذ المصير إلى الله .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ} (18)

{ ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير }

المفردات :

ولا تزر : ولا تحمل .

الوزر : الإثم والثقل أي : لا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس أخرى بل كل وازرة تحمل وزرها وحدها .

مثقلة : نفس أثقلها الإثم حتى لم تقدر على الحركة .

لا يحمل منه شيء : لا تجد من سيستجيب لها ، ويحمل عنها بعض ذنبها حتى لو دعت ابنها أو أباها أو أمها فضلا عن غيرهم .

بالغيب : لأنهم لم يروه بأعينهم .

ومن تزكى : طهر نفسه من الشرك والمعاصي .

فإنما يتزكى لنفسه : فإن ثمرة صلاحه تعود إليه .

المصير : المرجع والمآب .

التفسير :

روى أن الوليد بن المغيرة قال لقوم من المؤمنين اكفروا بمحمد وعلي وزركم ، فنزلت هذه الآية : ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهذه الآية من مفاخر الإسلام لتحقيق مبدأ المسؤولية الشخصية في الدنيا والآخرة فلا يسأل إنسان عن جريمة غيره ولا يتحمل امرؤ عقوبة جان آخر .

ومعنى الآية :

ولا تحمل نفس مثقلة بالذنوب ذنب نفس أخرى كل امرئ بما كسب رهين . ( الطور : 21 ) .

فعدالة الله تأبى أن يعذب إنسان بذنوب آخر وفي القرآن الكريم على لسان يوسف الصديق : قال معاذ الله أن تأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون . ( يوسف : 79 ) .

وفي يوم القيامة يعظم الهول ويتشوف كل إنسان إلى النجاة بنفسه من هذا اليوم العصيب حتى يذهل الإنسان عن أقاربه وعن فلذة كبده ، ويفر من اقرب الناس إليه لشدة انشغاله بالنجاة من النار .

{ وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى } وإن طلبت نفس مثقلة بالأوزار والذنوب مساعدة من نفس أخرى لتحمل عنها أي ذنب من ذنوبها لم تلق أي استجابة ولم تجد من يحمل عنها بعض ذنوبها ولو كانت قريبة لها في النسب كالأب والابن والزوجة ، لأن كل إنسان مشغول بنفسه وحاله وله من الهموم ما يغنيه .

قال تعالى : يوم يفر المرء من أخيه* وأمه وأبيه* وصاحبته وبنيه *لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه . . ( عبس : 34-37 ) .

وقال تعالى : يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا . . ( لقمان : 33 ) .

روى عن عكرمة :

إن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة ، فيقول : يا بني أي والد كنت لك ؟ فيثني خيرا فيقول : يا بني إني قد احتجت إلى مثقال ذرة ، من حسناتك أنجو بها مما ترى ، فيقول له ولده : يا أبت ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثل ما تتخوف فلا أستطيع أن أعطيك شيئا ثم يتعلق بزوجته فيقول : يا فلانة ، أو يا هذه أي زوج كنت لك ؟ فتثني خيرا فيقول لها : إني أطلب حسنة واحدة تهبينها لي لعلي أنجو بها مما ترين فتقول له : ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا إني أتخوف مثل الذي تتخوف فذلك قوله تعالى : وإن تدع مثقلة إلى حملها منه شيء ولو كان ذا قربى . . .

وقال الفضيل بن عياض : هي المرأة تلقى ولدها فتقول يا ولدي : ألم يكن بطني لك وعاء ؟ الم يكن ثديي لك سقاء ؟ ألم يكن حجري لك وطاء ؟ فيقول : بلى يا أماه فتقول يا بني قد أثقلتني ذنوبي فاحمل عني ذنبا واحدا فيقول : إليك عني يا أماه فإني بذنبي عنك مشغول .

{ إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلواة . . . }

أي : إنما يتعظ بما جئت به أيها الرسول أولو البصيرة والعقل الذين يخشون الله في خلواتهم أو يخافون من عذاب ربهم قبل معاينته ، و قد حافظوا على إقامة الصلاة في أوقاتها كاملة الأركان في خشوع وخضوع ومناجاة لله رب العالمين .

{ ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه . . . . } ومن تطهر من الذنوب والمعاصي وأطاع الله بصنوف الطاعات واستجاب لدعوة الرسول الأمين ولوحي الله رب العالمين فإنما يتطهر لنفسه وفائدة الطهارة والسمو الروحي والسلوك الأمثل يعود نفعها على فاعلها .

قال ابن كثير : ومن عمل صالحا فإنما يعود على نفسه .

{ وإلى الله المصير . . . } أي : وإليه المرجع والمآب وهو سريع الحساب وسيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر .

***