مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ} (41)

قوله تعالى : { واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ، اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ، ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولى الألباب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب }

اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، واعلم أن داود وسليمان كانا ممن أفاض الله عليهما أصناف الآلاء والنعماء ، وأيوب كان ممن خصه الله تعالى بأنواع البلاء ، والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار . كأن الله تعالى قال : يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالا وجاها من داود وسليمان عليهما السلام ، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب ، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد ، وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » : أيوب عطف بيان ، وإذ بدل اشتمال منه { أنى مسني } أي بأني مسني حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه ، ولو لم يحك لقال بأنه مسه لأنه غائب ، وقرئ : { بنصب } بضم النون وفتحها مع سكون الصاد وفتحها وضمها ، فالنصب والنصب ، كالرشد والرشد ، والعدم والعدم ، والسقم والسقم ، والنصب على أصل المصدر ، والنصب تثقيل نصب ، والمعنى واحد ، وهو التعب والمشقة والعذاب والألم .

واعلم أنه كان قد حصل عنده نوعان من المكروه : الغم الشديد بسبب زوال الخيرات وحصول المكروهات ، والألم الشديد في الجسم ولما حصل هذان النوعان لا جرم ، ذكر الله تعالى لفظين وهما النصب والعذاب .

المسألة الثانية : للناس في هذا الموضع قولان الأول : أن الآلام والأسقام الحاصلة في جسمه إنما حصلت بفعل الشيطان الثاني : أنها إنما حصلت بفعل الله ، والعذاب المضاف في هذه الآية إلى الشيطان هو عذاب الوسوسة ، وإلقاء الخواطر الفاسدة .

وأما القول الأول : فتقريره ما روي أن إبليس سأل ربه ، فقال هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني ؟ فقال الله : نعم عبدي أيوب ، فجعل يأتيه بوساوسه وهو يرى إبليس عيانا ولا يلتفت إليه ، فقال : يا رب إنه قد امتنع علي فسلطني على ماله ، وكان يجيئه ويقول له : هلك من مالك كذا وكذا ، فيقول الله أعطى والله أخذ ، ثم يحمد الله ، فقال : يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده ، فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية ، فجاءه وأخبره به فلم يلتفت إليه ، فقال يا رب لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده ، فأذن فيه ، فنفخ في جلد أيوب ، وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فيه ، فمكث في ذلك البلاء سنين ، حتى صار بحيث استقذره أهل بلده ، فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد ، فجاء الشيطان إلى امرأته ، وقال لو أن زوجك استعان بي لخلصته من هذا البلاء ، فذكرت المرأة ذلك لزوجها ، فحلف بالله لئن عافاه الله ليجلدنها مائة جلدة ، وعند هذه الواقعة قال : { إني مسني الشيطان بنصب وعذاب } فأجاب الله دعاءه ، وأوحى إليه { أن اركض برجلك } فأظهر الله من تحت رجله عينا باردة طيبة فاغتسل منها ، فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه ، ورد عليه أهله وماله .

والقول الثاني : أن الشيطان لا قدرة له البتة على إيقاع الناس في الأمراض والآلام ، والدليل عليه وجوه الأول : أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان ، فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان ، ولعل كل ما حصل عندنا من الخيرات والسعادات ، فقد حصل بفعل الشيطان ، وحينئذ لا يكون لنا سبيل إلى أن نعرف أن معطي الحياة والموت والصحة والسقم ، هو الله تعالى الثاني : أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء والأولياء ، ولم لا يخرب دورهم ، ولم لا يقتل أولادكم الثالث : أنه تعالى حكى عن الشيطان أنه قال : { وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } فصرح بأنه لا قدرة له في حق البشر إلا على إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة ، وذلك يدل على قول من يقول إن الشيطان هو الذي ألقاه في تلك الأمراض والآفات ، فإن قال قائل : لم لا يجوز أن يقال إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله تعالى لكن على وفق التماس الشيطان ؟ قلنا فإذا كان لا بد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو الله تعالى ، فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك ؟ بل الحق أن المراد من قوله : { إني مسني الشيطان بنصب وعذاب } أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة والخواطر الباطنة كان يلقيه في أنواع العذاب والعناء ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أن تلك الوساوس كيف كانت وذكروا فيه وجوها الأول : أن علته كانت شديدة الألم ، ثم طالت مدة تلك العلة واستقذره الناس ونفروا عن مجاورته ، ولم يبق له شيء من الأموال البتة . وامرأته كانت تخدم الناس وتحصل له قدر القوت ، ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من الدخول عليهم ومن الاشتغال بخدمتهم ، والشيطان كان يذكره النعم التي كانت والآفات التي حصلت ، وكان يحتال في دفع تلك الوساوس ، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله ، وقال : { إني مسني الشيطان بنصب وعذاب } لأنه كلما كانت تلك الخواطر أكثر كان ألم قلبه منها أشد . الثاني : أنها لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان وكان يقنطه من ربه ويزين له أن يجزع فخاف من تأكد خاطر القنوط في قلبه فتضرع إلى الله تعالى وقال : { إني مسنى الشيطان } ، الثالث : قيل إن الشيطان لما قال لامرأته لو أطاعني زوجك أزلت عنه هذه الآفات فذكرت المرأة له ذلك ، فغلب على ظنه أن الشيطان طمع في دينه فشق ذلك عليه فتضرع إلى الله تعالى وقال : { إني مسنى الشيطان بنصب وعذاب } ، الرابع : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم :

« أنه بقي أيوب في البلاء ثمان عشرة سنة حتى رفضه القريب والبعيد إلا رجلين ، ثم قال أحدهما لصاحبه لقد أذنب أيوب ذنبا ما أتى به أحد من العالمين ، ولولاه ما وقع في مثل هذا البلاء ، فذكروا ذلك لأيوب عليه السلام ، فقال : لا أدري ما تقولان غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأنفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في الحق » الخامس : قيل إن امرأته كانت تخدم الناس فتأخذ منهم قدر القوت وتجيء به إلى أيوب ، فاتفق أنهم ما استخدموها البتة وطلب بعض النساء منها قطع إحدى ذؤابتيها على أن تعطيها قدر القوت ففعلت ، ثم في اليوم الثاني ففعلت مثل ذلك فلم يبق لها ذؤابة . وكان أيوب عليه السلام إذا أراد أن يتحرك على فراشه تعلق بتلك الذؤابة ، فلما لم يجد الذؤابة وقعت الخواطر المؤذية في قلبه واشتد غمه ، فعند ذلك قال : { إني مسنى الشيطان بنصب وعذاب } ، السادس : قال في بعض الأيام : يا رب لقد علمت ما اجتمع علي أمران إلا آثرت طاعتك ، ولما أعطيتني المال كنت للأرامل قيما ، ولابن السبيل معينا ، ولليتامى أبا ! فنودي من غمامة يا أيوب ممن كان ذلك التوفيق ؟ فأخذ أيوب التراب ووضعه على رأسه ، وقال منك يا رب ثم خاف من الخاطر الأول فقال : { مسنى الشيطان بنصب وعذاب } وقد ذكروا أقوالا أخرى ، والله أعلم بحقيقة الحال ، وسمعت بعض اليهود يقول : إن لموسى بن عمران عليه السلام كتابا مفردا في واقعة أيوب ، وحاصل ذلك الكتاب أن أيوب كان رجلا كثير الطاعة لله تعالى مواظبا على العبادة ، مبالغا في التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله ، ثم إنه وقع في البلاء الشديد والعناء العظيم ، فهل كان ذلك لحكمة أم لا ؟ فإن كان ذلك لحكمة فمن المعلوم أنه ما أتى بجرم في الزمان السابق حتى يجعل ذلك العذاب في مقابلة ذلك الجرم ، وإن كان ذلك لكثرة الثواب فالإله الحكيم الرحيم قادر على إيصال كل خير ومنفعة إليه من غير توسط تلك الآلام الطويلة والأسقام الكريهة . وحينئذ لا يبقى في تلك الأمراض والآفات فائدة ، وهذه كلمات ظاهرة جلية وهي دالة على أن أفعال ذي الجلال منزهة عن التعليل بالمصالح والمفاسد ، والحق الصريح أنه { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } .

المسألة الثالثة : لفظ الآية يدل على أن ذلك النصب والعذاب إنما حصل من الشيطان ثم ذلك العذاب على القول الأول عبارة عما حصل في بدنه من الأمراض ، وعلى القول الثاني عبارة عن الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب إلقاء الوساوس ، وعلى التقديرين فيلزم إثبات الفعل للشيطان ، وأجاب أصحابنا رحمهم الله بأنا لا ننكر إثبات الفعل للشيطان لكنا نقول فعل العبد مخلوق لله تعالى على التفصيل المعلوم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ} (41)

قصة أيوب عليه السلام

{ واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ( 41 ) اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ( 42 ) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب ( 43 ) وخذ بيدك ضغتا فاضرب به ولا تخنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب ( 44 ) }

41

التفسير :

41-{ واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب } .

هذه الآيات مواساة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيها قدوة وأسوة ، حتى يقتدى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بأيوب في صبره ، وفي دعائه ربّه ، وتقتدى به الأمة من بعده .

{ واذكر عبدنا أيوب . . . }

أي : واذكر لنفسك ولأمتك عبدنا أيوب ، كنموذج في الصبر على البلاء ، واحتمال المصائب في النفس والولد ، والأهل والأتباع .

{ إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب } .

وقد نسب ما أصابه إلى الشيطان تأدبا مع الله تعالى .

وقال في سورة الأنبياء : { أنى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين } . [ الأنبياء : 83 ] .

أي : أصابني البلاء في صحتي ، وأولادي ، وتفرّق أتباعي ، وكان أيوب في صحة وعافية ، وأبناء أصحاء مجتمعين حوله ، وزوجة مطيعة ، وأتباع مخلصين ، وحاول الشيطان أن يوسوس له بأنه في نعمة عظيمة تغري بالزهور والغرور ، فازداد لله شكرا ، فابتلى الله أيوب بالمرض فشكر ، وابتُلِيِ بفقد الأولاد فصبر ، وابْتُلي بتأخر زوجته عليه في تلبية طلبه ، فأقسم لئن شفاه الله ليضربنّها مائة ضربة ، ومع طول مدة البلاء نجد أيوب صابرا مؤمنا محتسبا ، لكنّه لم يصب بمرض منفر ، لأن الله أرسل الأنبياء ليبلّغوا رسالته للناس ، وحفظهم من الأمراض المعدية والمنفّرة ، ولعله ابتلى بمرض جلدي أو سطحي ، وقد حاول الشيطان الوسوسة له ، ليغريه باليأس والقنوط ، كما وسوس الشيطان لبعض أتباعه بأن أيوب لو كان نبيّا حقّا لما مرض هذا المرض الطويل ، وكان لأيوب تابعون مُخْلِصون ، فقال أحدهم للآخر : لولا أن أيوب أذنب ذنبا عظيما ، لما عاقبه الله بهذه العقوبة . وبلغ هذا الكلام أيوب ، فاشتكى لله تعالى ما به .

{ أني مسني الشيطان بنصب وعذاب } .

والنُّصْب : المشقة والتعب ، أي : وسوس لي الشيطان في النعماء ، ووسوس في البأساء ، وأنا ألجأ إليك يا ربّ وأتحصن بالرجاء إليك ، والرحمة في فضلك وعفوك وعافيتك ، والشيطان لا ينال من الإنسان إلا ما يقدمه من وسوسة وتزيين .

وقد بين الشيطان أنه سيحاول إغواء عباد الله ، { من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم . . . } [ الأعراف : 17 ] .

وقد بين الحق سبحانه وتعالى أن الشيطان طيفا ووسوسة وفتنة ودعوة ، وحذّر المؤمنين من الاستجابة لهذه الدعوة .

قال تعالى : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا . . . } [ فاطر : 6 ] .

وقال سبحانه : { لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة . . . } [ الأعراف : 27 ] .

وقال عز وجل : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } . [ الأعراف : 201 ] .

وقد ورد أن الشيطان قال لله : إن أيوب يعبدك لأنه سليم البدن ، عنده المال والذرية ، والزوجة والبيوت والأموال ، ولو فقد شيئا من ذلك ما عبدك ، وفقد أيوب صحته فشكر الله وصبر ، وفقد أولاده فسجد لله وشكر وصبر ، وفقد المال والمنزل ، وساءت العلاقة مع الزوجة ، فصبر صبرا جميلا ، ولجأ إلى الله راغبا في رحمته وعفوه ، وفي أن يصرف عنه وسوسة الشيطان وكيده ، وإن كان الشيطان ، لا ينال من عقيدة الأنبياء ، ولا من عباد الله الصالحين بأكثر من الوسوسة والتزيين .

قال تعالى : { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } . [ النحل : 99-100 ] .