مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

ثم إنه تعالى قال { قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين }

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله { فإنها } أي الأرض المقدسة محرمة عليهم ، وفي قوله { أربعين سنة } قولان : أحدهما : أنها منصوبة بالتحريم ، أي الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة ، ثم فتح الله تعالى تلك الأرض لهم من غير محاربة ، هكذا ذكره الربيع بن أنس .

والقول الثاني : أنها منصوبة بقوله { يتيهون في الأرض } أي بقوا في تلك الحالة أربعين سنة ، وأما الحرمة فقد بقيت عليهم وماتوا ، ثم إن أولادهم دخلوا تلك البلدة .

المسألة الثانية : يحتمل أن موسى عليه السلام لما قال في دعائه على القوم { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } لم يقصد بدعائه هذا الجنس من العذاب ، بل أخف منه . فلما أخبره الله تعالى بالتيه علم أنه يحزن بسبب ذلك فعزاه وهون أمرهم عليه ، فقال { فلا تأس على القوم الفاسقين } قال مقاتل : إن موسى لما دعا عليهم أخبره الله تعالى بأحوال التيه ، ثم أن موسى عليه السلام أخبر قومه بذلك ، فقالوا له : لم دعوت علينا وندم موسى على ما عمل ، فأوحى الله تعالى إليه { لا تأس على القوم الفاسقين } وجائز أن يكون ذلك خطابا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل والله أعلم .

المسألة الثالثة : اختلف الناس في أن موسى وهارون عليهما السلام هل بقيا في التيه أم لا ؟ فقال قوم : إنهما ما كانا في التيه ، قالوا : ويدل عليه وجوه : الأول : أنه عليه السلام دعا الله يفرق بينه وبين القوم الفاسقين ، ودعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مجابة ، وهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان معهم في ذلك الموضع ، والثاني : أن ذلك التيه كان عذابا والأنبياء لا يعذبون ، والثالث : أن القوم إنما عذبوا بسبب أنهم تمردوا وموسى وهارون ما كانا كذلك ، فكيف يجوز أن يكونا مع أولئك الفاسقين في ذلك العذاب . وقال آخرون : إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه إلا أنه تعالى سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا وسلاما ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنهما هل ماتا في التيه أو خرجا منه ؟ فقال قوم : أن هارون مات في التيه ثم مات موسى بعده بسنة ، وبقي يوشع بن نون وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته ، وهو الذي فتح الأرض المقدسة .

وقيل : إنه ملك الشام بعد ذلك . وقال آخرون : بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله أعلم .

المسألة الرابعة : قوله { فإنها محرمة عليهم } الأكثرون على أنه تحريم منع لا تحريم تعبد ، وقيل : يجوز أيضا أن يكون تحريم تعبد ، فأمرهم بأن يمكثوا في تلك المفازة في الشدة والبلية عقابا لهم على سوء صنيعهم .

المسألة الخامسة : اختلفوا في التيه فقال الربيع : مقدار ستة فراسخ ، وقيل : تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخا . وقيل : ستة في اثني عشر فرسخا ، وقيل : كانوا ستمائة ألف فارس .

فإن قيل : كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا القدر الصغير من المفازة أربعين سنة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يجد طريقا إلى الخروج عنها ، ولو أنهم وضعوا أعينهم على حركة الشمس أو الكواكب لخرجوا منها ولو كانوا في البحر العظيم ، فكيف في المفازة الصغيرة ؟

قلنا : فيه وجهان : الأول : أن انخراق العادات في زمان الأنبياء غير مستبعد ، إذ لو فتحنا باب الاستبعاد لزم الطعن في جميع المعجزات ، وإنه باطل . الثاني : إذا فسرنا ذلك التحريم بتحريم التعبد فقد زال السؤال لاحتمال أن الله تعالى حرم عليهم الرجوع إلى أوطانهم ، بل أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة مع المشقة والمحنة جزاء لهم على سوء صنيعهم ، وعلى هذا التقدير فقد زال الإشكال .

المسألة السادسة : يقال : تاه يتيه تيها وتيها وتوها ، والتيه أعمها ، والتيهاء الأرض التي لا يهتدي فيها . قال الحسن : كانوا يصبحون حيث أمسوا ، ويمسون حيث أصبحوا ، وكانت حركتهم في تلك المفازة على سبيل الإستدارة ، وهذا مشكل فإنهم إذا وضعوا أعينهم على مسير الشمس ولم ينعطفوا ولم يرجعوا فإنهم لابد وأن يخرجوا عن المفازة ، بل الأولى حمل الكلام على تحريم التعبد على ما قررناه ، والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ} (26)

المفردات :

يتيهون في الأرض : يتحيرون ولا يهتدون .

فلا تأس : فلا تحزن .

التفسير :

26-قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ . . . الآية .

يتيهون في الأرض من التيه وهو الحيرة ، يقال : تاه يتيه ويتوه إذا تحير وضل الطريق ، ووقع فلان في التيه أي : في مواضع الحيرة .

فَلاَ تَأْسَ . أي : فلا تحزن عليهم من الأسى وهو الحزن ، يقال : أسى - كتعب- أي : حزن فهو أسين مثل حزين ، وأسا على مصيبته- من باب عدا- أي : حزن .

أي : قال الله تعالى : يا موسى ، إن الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء الجبناء العصاة مدة أربعين سنة ، يسيرون خلالها في الصحراء تائهين حيارى لا يستقيم لهم أمر ولا يستقر لهم قرار ، جزاء جبنهم وضعفهم عن لقاء الأعداء ، واستهانتهم بأوامر الله .

فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . فلا تحزن يا موسى على هؤلاء الجبناء ، إذ عوقبوا بهذه العقوبة فإننا ما عاقبناهم بهذه العقوبة إلا بسبب خروجهم عن طاعتنا ، وتمردهم على أوامرنا ، وجبنهم عن قتال أعدائنا ، وسواء أدبهم مع أنبيائنا .

من تفسير الفخر الرازي :

جاء في تفسير الفخر الرازي ما يأتي :

اختلف الناس في أن موسى وهارون عليهما السلام هل بقيا في التيه أو لا ؟

فقال قوم : إنهما ما كان في التيه ؛ لأن موسى دعا الله أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين ،

ودعوات الأنبياء مجابة ، ولان التيه كان عذابا والأنبياء لا يعذبون .

وقال آخرون : إنهما كانا مع القوم في ذلك التيه ، إلا أن الله سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم فجعلها بردا وسلاما . . وإنهما قد ماتا في التيه وبقي يوشع بن نون- وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته- وهو الذي فتح الأرض المقدسة بعد انقضاء مدة التيه .

وقيل : بل بقي موسى بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة {[199]} .

ملاحق تفسير الآيات :

1-يدعى اليهود أن الأرض المقدسة حق لهم بدليل قوله تعالى : ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم .

والجواب : أن الله كتب لهم دخولها بشرط الجهاد والطاعة ، ولكنهم تثاقلوا عن الجهاد وامتنعوا عن دخول الأرض المقدسة بالجهاد والكفاح فحرمها الله عليهم .

قال الفخر الرازي : إن الوعد بقوله : التي كتب الله لكم . مشروط بقيد الطاعة ، فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط {[200]} .

وبذلك ترى أن دعوى اليهود بان الأرض المقدسة ملك لهم ، بدليل قوله تعالى : كتب الله لكم . لا أساس لها من الصحة ، ولا يشهد لها عقل أو نقل .

2- لماذا كانت مدة التيه 40 سنة .

الجواب عن ذلك : أن بني إسرائيل قد نشأوا في الذل وتعودوا المهانة ، ولذلك امتنعوا عن قتال الجبارين ، وعن دخول الأرض المقدسة فكتب الله عليهم التيهان في قطعة محدودة من الأرض ، لا يعرفون لهم هدفا أو مقرا ، وأن يستمروا على تلك الحال 40 سنة ، حتى يفني جيل الذل والقهر وينشأ جيل عزيز قادر على المطالبة والتغلب .

ولقد كان بنو إسرائيل- في هذا الوقت- في سيناء- ثم إن اليهود لما دخلوا فلسطين- بعد هذه العقوبة- مكثوا فيها مدة محدودة ، ثم أشركوا بالله ، وأفسدوا في الأرض فسلط الله عليهم من ينتقم منهم ويطردهم من بيت المقدس .

3_ من مقدمة ابن خلدون :

قال ابن خلدون : ويظهر من مساق قوله تعالى : قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ . . .

ومن مفهومه أن حكمة ذلك التيه مقصودة ، وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر ، وأفسدوا من عصبيتهم ، حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف القهر ولا يسام بالمذلة ، فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب ، ويظهر لك من ذلكم أن الأربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر ، فسبحان الحكيم العليم . . . {[201]} .

حكمة عقوبة التيه لبني إسرائيل :

جاء في تفسير المنار للسيد رشيد رضا ما يأتي :

" إن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستبداد و تساس بالظلم والاضطهاد ، تفسد أخلاقها ، وتذل نفوسها . . . وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة ، حتى تكون كالغرائز الفطرية ، والطباع الخلفية ، وإذا أخرجت صاحبها من بيئتها ، ورفعت عن رقبته نيرها ، ألفيته ينزع بطبعه إليها ، ويتفلت منك ليقتحم فيها ، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه ، ويجرون عليه من خير وشر ، وإيمان وكفر . . .

أفسد ظلم فرعون فطرة بني إسرائيل في مصر ، وطبع عليها بطبائع المهانة والذل . وقد أراهم الله-تعالى- من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وصدق رسوله موسى- عليه السلام- وبين لهم أنه أخرجهم من مصر ؛ لينقذهم من الذل إلى الحرية . . . ولكنهم كانوا مع هذا كله إذا أصابهم ضرر يتطيرون بموسى ، ويذكرون مصر ويحنون إليها . . .

وكان الله- تعالى- يعلم أنهم لا تطاوعهم أنفسهم المهينة على دخول أرض الجبارين ، وأن وعده- تعالى- لأجدادهم إنما يتم على وفق سنته في طبيعة الاجتماع البشري ، إذا هلك ذلك الجيل الذي نشأ في الوثنية والعبودية . . . ونشأ بعده جيل جديد في حرية البداوة وعدل . الشريعة ، ونور الآيات الإلهية ، وما كان الله ليهلك قوما بذنوبهم ، حتى يبين لهم حجته عليهم ، ليعلموا أنه لم يظلمهم وإنما يظلمون أنفسهم .

وعلى هذه السنة العادلة أمر الله- تعالى- بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة ، فأبوا واستكبروا ؛ فأخذهم الله بذنوبهم . وأنشأ من بعدهم قوما آخرين . . .

فعلينا أن نعتبر بهذه الأمثال التي ضربها الله لنا ، وأن نعلم أن إصلاح الأمم من بعد فسادها بالظلم والاستبداد . إنما يكون بإنشاء جيل جديد يجمع بين حرية البداوة واستقلالها وعزتها ، وبين معرفة الشريعة والفضائل والعمل لها " {[202]} .

خاتمة

في هذه الآيات تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بذكر تاريخ اليهود وبيان عادتهم وعادات أسلافهم ، ونكولهم عن الجهاد ، وضعفهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ، مع أن بين أظهرهم كليم الله وصفيه من خلقه في ذلك الزمان ، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم {[203]} .

قال الإمام ابن كثير : وما أحسن ما أجاب به الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال قريش فقد قالوا فأحسنوا .

لقد قال المقداد بن الأسود : يا رسول الله ، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . ولكن نقول لك : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون {[204]} .


[199]:تفسير الفخر الرازي 11/199.
[200]:تفسير الفخر الرازي 11/197.
[201]:مقدمة ابن خلدون.. نقلا عن تفسير سورة المائدة د محمد سيد طنطاوي ص 150.
[202]:تفسير المنار جـ 6 ص 337- بتصرف وتلخيص-.
[203]:هذا المعنى مستخلص من تفسير الطبري وتفسير ابن كثير.
[204]:إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل: رواه البخاري في المغازي (3952) وفي التفسير (4609) وأحمد في مسنده (3690) من حديث ابن مسعود قال شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به أتي النبي صلى الله وهو يدعو على المشركين فقال لا نقول كما قال موسى (اذهب أنت وربك فقاتلا) ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره يعني قوله. ورواه أحمد في مسنده(11611) من حديث أنس قال لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر خرج فاستشار الناس فأشار عليه أبو بكر رضي اللهم عنهم ثم استشارهم فأشار عليه عمر رضي اللهم عنهم فسكت فقال رجل من الأنصار إنما يريدكم فقالوا يا رسول الله والله لا نكون كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) ولكن والله لو ضربت أكباد الإبل حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك.