قوله تعالى { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير }
المسألة الأولى : اعلم أن هذا دليل آخر في بيان أنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ غير الله وليا ، وتقريره أن الضر اسم للألم والحزن والخوف وما يفضي إليها أو إلى أحدها . والنفع اسم للذة والسرور وما يفضي إليهما أو إلى أحدهما . والخير اسم للقدر المشترك بين دفع الضر وبين حصول النفع ، فإذا كان الأمر كذلك فقد ثبت الحصر في أن الإنسان إما أن يكون في الضر أو في الخير لأن زوال الضر خير سواء حصل فيه اللذة أو لم تحصل . وإذا ثبت هذا الحصر فقد بين الله تعالى أن المضار قليلها وكثيرها لا يندفع إلا بالله ، والخيرات لا يحصل قليلها وكثيرها إلا بالله . والدليل على أن الأمر كذلك ، أن الموجود إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته ، أما الواجب لذاته فواحد فيكون كل ما سواه ممكنا لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، وكل ما سوى الحق فهو إنما حصل بإيجاد الحق وتكوينه ، فثبت أن اندفاع جميع المضار لا يحصل إلا به ، وحصول جميع الخيرات والمنافع لا يكون إلا به ، فثبت بهذا البرهان العقلي البين صحة ما دلت الآية عليه .
فإن قيل : قد نرى أن الإنسان يدفع المضار عن نفسه بماله وبأعوانه وأنصاره ، وقد يحصل الخير له بكسب نفسه وبإعانة غيره ، وذلك يقدح في عموم الآية . وأيضا فرأس المضار هو الكفر فوجب أن يقال إنه لم يندفع إلا بإعانة الله تعالى . ورأس الخيرات هو الإيمان ، فوجب أن يقال أنه لم يحصل إلا بإيجاد الله تعالى ، ولو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يستحق الإنسان بفعل الكفر عقابا ولا بفعل الإيمان ثوابا . وأيضا فإنا نرى أن الإنسان ينتفع بأكل الدواء ويتضرر بتناول السموم ، وكل ذلك يقدح في ظاهر الآية .
والجواب عن الأول : أن كل فعل يصدر عن الإنسان فإنما يصدر عنه إذا دعاه الداعي إليه لأن الفعل بدون الداعي محال ، وحصول تلك الداعية ليس إلا من الله تعالى . وعلى هذا التقدير فيكون الكل من الله تعالى وهكذا القول في كل ما ذكرتموه من السؤالات .
المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر إمساس الضر وإمساس الخير ، إلا أنه ميز الأول عن الثاني بوجهين : الأول : أنه تعالى قدم ذكر إمساس الضر على ذكر إمساس الخير ، وذلك تنبيه على أن جميع المضار لابد وأن يحصل عقيبها الخير والسلامة . والثاني : أنه قال في إمساس الضر { فلا كاشف له إلا هو } وذكر في إمساس الخير { فهو على كل شيء قدير } فذكر في الخير كونه قادرا على جميع الأشياء وذلك يدل على أن إرادة الله تعالى لإيصال الخيرات غالبة على إرادته لإيصال المضار . وهذه الشبهات بأسرها دالة على أن إرادة الله تعالى جانب الرحمة غالب ، كما قال : ( سبقت رحمتي غضبي ) .
وإن يمسسك : المس ؛ الإصابة . يقال : مسه السوء والكبر والعذاب والتعب أي أصابه ولحق به .
17-وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . . .
بينت الآيات السابقة أن الله سبحانه هو المتصرف في اليوم الآخر ، وبينت هذه الآية أن الله سبحانه هو المتصرف في شؤون الدنيا .
والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يتأتى منه الخطاب .
والمعنى وإن يصبك أيها الإنسان ضر كمرض وفقر وحزن وغير ذلك من البلايا التي يختبر الله بها عباده ، فلا يرجى لكشف هذا الضر غيره ، إذ لا راد لقضائه ولا معقب لأمره إلا ما كان من لطفه ورحمته بعبده حتى يستقبل القضاء برضا ويتحمله بصبر .
وإن يمسسك بخير كصحة وغنى وقوة وجاه فهو وحده قادر على حفظه عليك وإدامته لك ، كما قدر على إعطائك إياه ، فهو على كل شيء قدير . ومن جملة ذلك المس بالضر والخير .
والآية أصل في سلامة العقيدة وحسن اليقين ، وصدق الإيمان والثقة : بأن الله هو النافع وهو الضار فلا يجوز أن يلجأ الإنسان إلى الشفعاء والوسطاء والمتكهنة والأولياء ، بل يسأل الله تعالى وحده ويخلص في الدعاء ، ويأخذ في الأسباب التي تعين على دفع الضر وجلب الخير .
روى الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن ابن عباس قال : ( كنت رديف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بغلته فقال : يا غلام ، إني أعلمك كلمات :
احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده اتجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله تعالى لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) ( 67 ) .
ومن دعاء الرسول( اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) ( 68 ) .
وفي معنى الآية قوله تعالى : ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم . ( فاطر : 2 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.