مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (17)

قوله تعالى { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن هذا دليل آخر في بيان أنه لا يجوز للعاقل أن يتخذ غير الله وليا ، وتقريره أن الضر اسم للألم والحزن والخوف وما يفضي إليها أو إلى أحدها . والنفع اسم للذة والسرور وما يفضي إليهما أو إلى أحدهما . والخير اسم للقدر المشترك بين دفع الضر وبين حصول النفع ، فإذا كان الأمر كذلك فقد ثبت الحصر في أن الإنسان إما أن يكون في الضر أو في الخير لأن زوال الضر خير سواء حصل فيه اللذة أو لم تحصل . وإذا ثبت هذا الحصر فقد بين الله تعالى أن المضار قليلها وكثيرها لا يندفع إلا بالله ، والخيرات لا يحصل قليلها وكثيرها إلا بالله . والدليل على أن الأمر كذلك ، أن الموجود إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته ، أما الواجب لذاته فواحد فيكون كل ما سواه ممكنا لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، وكل ما سوى الحق فهو إنما حصل بإيجاد الحق وتكوينه ، فثبت أن اندفاع جميع المضار لا يحصل إلا به ، وحصول جميع الخيرات والمنافع لا يكون إلا به ، فثبت بهذا البرهان العقلي البين صحة ما دلت الآية عليه .

فإن قيل : قد نرى أن الإنسان يدفع المضار عن نفسه بماله وبأعوانه وأنصاره ، وقد يحصل الخير له بكسب نفسه وبإعانة غيره ، وذلك يقدح في عموم الآية . وأيضا فرأس المضار هو الكفر فوجب أن يقال إنه لم يندفع إلا بإعانة الله تعالى . ورأس الخيرات هو الإيمان ، فوجب أن يقال أنه لم يحصل إلا بإيجاد الله تعالى ، ولو كان الأمر كذلك لوجب أن لا يستحق الإنسان بفعل الكفر عقابا ولا بفعل الإيمان ثوابا . وأيضا فإنا نرى أن الإنسان ينتفع بأكل الدواء ويتضرر بتناول السموم ، وكل ذلك يقدح في ظاهر الآية .

والجواب عن الأول : أن كل فعل يصدر عن الإنسان فإنما يصدر عنه إذا دعاه الداعي إليه لأن الفعل بدون الداعي محال ، وحصول تلك الداعية ليس إلا من الله تعالى . وعلى هذا التقدير فيكون الكل من الله تعالى وهكذا القول في كل ما ذكرتموه من السؤالات .

المسألة الثانية : أنه تعالى ذكر إمساس الضر وإمساس الخير ، إلا أنه ميز الأول عن الثاني بوجهين : الأول : أنه تعالى قدم ذكر إمساس الضر على ذكر إمساس الخير ، وذلك تنبيه على أن جميع المضار لابد وأن يحصل عقيبها الخير والسلامة . والثاني : أنه قال في إمساس الضر { فلا كاشف له إلا هو } وذكر في إمساس الخير { فهو على كل شيء قدير } فذكر في الخير كونه قادرا على جميع الأشياء وذلك يدل على أن إرادة الله تعالى لإيصال الخيرات غالبة على إرادته لإيصال المضار . وهذه الشبهات بأسرها دالة على أن إرادة الله تعالى جانب الرحمة غالب ، كما قال : ( سبقت رحمتي غضبي ) .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (17)

المفردات :

وإن يمسسك : المس ؛ الإصابة . يقال : مسه السوء والكبر والعذاب والتعب أي أصابه ولحق به .

بضر : أي ببلية كمرض أو فقر .

التفسير :

17-وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير . . .

بينت الآيات السابقة أن الله سبحانه هو المتصرف في اليوم الآخر ، وبينت هذه الآية أن الله سبحانه هو المتصرف في شؤون الدنيا .

والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يتأتى منه الخطاب .

والمعنى وإن يصبك أيها الإنسان ضر كمرض وفقر وحزن وغير ذلك من البلايا التي يختبر الله بها عباده ، فلا يرجى لكشف هذا الضر غيره ، إذ لا راد لقضائه ولا معقب لأمره إلا ما كان من لطفه ورحمته بعبده حتى يستقبل القضاء برضا ويتحمله بصبر .

وإن يمسسك بخير كصحة وغنى وقوة وجاه فهو وحده قادر على حفظه عليك وإدامته لك ، كما قدر على إعطائك إياه ، فهو على كل شيء قدير . ومن جملة ذلك المس بالضر والخير .

والآية أصل في سلامة العقيدة وحسن اليقين ، وصدق الإيمان والثقة : بأن الله هو النافع وهو الضار فلا يجوز أن يلجأ الإنسان إلى الشفعاء والوسطاء والمتكهنة والأولياء ، بل يسأل الله تعالى وحده ويخلص في الدعاء ، ويأخذ في الأسباب التي تعين على دفع الضر وجلب الخير .

روى الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن ابن عباس قال : ( كنت رديف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بغلته فقال : يا غلام ، إني أعلمك كلمات :

احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده اتجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله تعالى لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) ( 67 ) .

ومن دعاء الرسول( اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ) ( 68 ) .

وفي معنى الآية قوله تعالى : ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم . ( فاطر : 2 ) .