قال ابن عباس رضي الله عنه : إنها مكية نزلت جملة واحدة ، فامتلأ منها الوادي ، وشيعها سبعون ألف ملك ، ونزلت الملائكة فملؤوا ما بين الأخشبين ، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم الكتاب وكتبوها من ليلتهم إلا ست آيات فإنها مدنيات { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } إلى آخر الآيات الثلاث وقوله { وما قدروا الله حق قدره } الآية وقوله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما نزل علي سورة من القرآن جملة غير سورة الأنعام ، وما اجتمعت الشياطين لسورة من القرآن جمعها لها ، وقد بعث بها إلي مع جبريل مع خمسين ملكا أو خمسين ألف ملك يزفونها ويحفونها حتى أقروها في صدري كما أقر الماء في الحوض ، ولقد أعزني الله وإياكم بها عزا لا يذلنا بعده أبدا ، فيها دحض حجج المشركين ووعد من الله لا يخلفه » وعن ابن المنكدر : لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : «لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق » .
قال الأصوليون : هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة . أحدهما : أنها نزلت دفعة واحدة ، والثاني : أنها شيعها سبعون ألفا من الملائكة ، والسبب فيه أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين ، وذلك يدل على أن علم الأصول في غاية الجلالة والرفعة ، وأيضا فإنزال ما يدل على الأحكام قد تكون المصلحة أن ينزله الله تعالى قدر حاجتهم ، وبحسب الحوادث والنوازل . وأما ما يدل على علم الأصول فقد أنزله الله تعالى جملة واحدة ، وذلك يدل على أن تعلم علم الأصول واجب على الفور لا على التراخي .
{ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون }
اعلم أن الكلام المستقصى في قوله { الحمد لله } قد سبق في تفسير سورة الفاتحة ، ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الفوائد ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في الفرق بين المدح والحمد والشكر .
اعلم أن المدح أعم من الحمد ، والحمد أعم من الشكر .
أما بيان أن المدح أعم من الحمد ، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل ، ألا ترى أنه كما يحسن مدح الرجل العاقل على أنواع فضائله ، فكذلك قد يمدح اللؤلؤ لحسن شكله ولطافة خلقته ، ويمدح الياقوت على نهاية صفائه وصقالته ! فيقال : ما أحسنه وما أصفاه ، وأما الحمد : فانه لا يحصل إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الأنعام والإحسان ، فثبت أن المدح أعم من الحمد .
وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر ، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الأنعام سواء كان ذلك الإنعام واصلا إليك أو إلى غيرك ، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحصل عندك . فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد ، وهو أعم من الشكر .
إذا عرفت هذا فنقول : إنما لم يقل المدح لله ولأنا بينا أن المدح كما يحصل للفاعل المختار ، فقد يحصل لغيره . أما الحمد فانه لا يحصل إلا للفاعل المختار . فكان قوله { الحمد لله } تصريحا بأن المؤثر في وجود هذا العالم فاعل مختار خلقه بالقدرة والمشيئة وليس علة موجبة له إيجاب العلة لمعلولها ، ولا شك أن هذه الفائدة عظيمة في الدين وإنما لم يقل الشكر لله ، لأنا بينا أن الشكر عبارة عن تعظيمة بسبب انعام صدر منه ووصل إليك ، وهذا مشعر بأن العبد إذا ذكر تعظيمه بسبب ما وصل إليه من النعمة فحينئذ يكون المطلوب الأصلي به وصول النعمة إليه وهذه درجة حقيرة ، فأما إذا قال : الحمد لله ، فهذا يدل على أن العبد حمده لأجل كونه مستحقا للحمد لا لخصوص أنه تعالى أوصل النعمة إليه ، فيكون الإخلاص أكمل ، واستغراق القلب في مشاهدة نور الحق أتم ، وانقطاعه عما سوى الحق أقوى وأثبت .
المسألة الثانية : الحمد : لفظ مفرد محلى بالألف واللام فيفيد أصل الماهية .
إذا ثبت هذا فنقول : قوله { الحمد لله } يفيد أن هذه الماهية لله ، وذلك يمنع من ثبوت الحمد لغير الله ، فهذا يقتضي أن جميع أقسام الحمد والثناء والتعظيم ليس إلا لله سبحانه .
فإن قيل : إن شكر المنعم واجب ، مثل شكر الأستاذ على تعليمه ، وشكر السلطان على عدله ، وشكر المحسن على إحسانه ، كما قال عليه الصلاة والسلام : «من لم يشكر الناس لم يشكر الله » .
قلنا : المحمود والمشكور في الحقيقة ليس إلا الله ، وبيانه من وجوه : الأول : صدور الإحسان من العبد يتوقف على حصول داعية الإحسان في قلب العبد ، وحصول تلك الداعية في القلب ليس من العبد ، وإلا لافتقر في حصولها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل ، بل حصولها ليس إلا من الله سبحانه ، فتلك الداعية عند حصولها يجب الفعل ، وعند زوالها يمتنع الفعل فيكون المحسن في الحقيقة ليس إلا الله ، فيكون المستحق لكل حمد في الحقيقة هو الله تعالى .
وثانيها : أن كل من أحسن من المخلوقين إلى الغير ، فإنه إنما يقدم على ذلك الإحسان إما لجلب منفعة أو دفع مضرة ، أما جلب المنفعة : فانه يطمع بواسطة ذلك الإحسان بما يصير سببا لحصول السرور في قلبه أو مكافأة بقليل أو كثير في الدنيا أو وجدان ثواب في الآخرة . وأما دفع المضرة ، فهو أن الإنسان إذا رأى حيوانا في ضر أو بلية فإنه يرق قلبه عليه ، وتلك الرقة ألم مخصوص يحصل في القلب عند مشاهدة وقوع ذلك الحيوان في تلك المضرة فإذا حاول إنقاذ ذلك الحيوان من تلك المضرة زالت تلك الرقة عن القلب وصار فارغ القلب طيب الوقت ، فذلك الإحسان كأنه سبب أفاد تخليص القلب عن ألم الرقة الحسية ، فثبت أن كل ما سوى الحق فإنه يستفيد بفعل الإحسان إما جلب منفعة أو دفع مضرة ، أما الحق سبحانه وتعالى ، فإنه يحسن ولا يستفيد منه جلب منفعة ولا دفع مضرة ، وكان المحسن الحقيقي ليس إلا الله تعالى ، فبهذا السبب كان المستحق لكل أقسام الحمد هو الله ، فقال : { الحمد لله } وثالثها : أن كل إحسان يقدم عليه أحد من الخلق فالانتفاع به لا يكمل إلا بواسطة إحسان الله ، ألا ترى أنه لولا أن الله تعالى خلق أنواع النعمة وإلا لم يقدر الإنسان على إيصال تلك الحنطة والفواكه إلى الغير ، وأيضا فلولا أنه سبحانه أعطى الإنسان الحواس الخمس التي بها يمكنه الانتفاع بتلك النعم وإلا لعجز عن الانتفاع بها . ولولا أنه سبحانه أعطاه المزاج الصحيح والبنية السليمة وإلا لما أمكنه الانتفاع بها ، فثبت أن كل إحسان يصدر عن محسن سوى الله تعالى ، فإن الانتفاع به لا يكمل إلا بواسطة إحسان الله تعالى . وعند هذا يظهر أنه لا محسن في الحقيقة إلا الله ، ولا مستحق للحمد إلا الله . فلهذا قال : { الحمد لله } ورابعها : أن الانتفاع بجميع النعم لا يمكن إلا بعد وجود المنتفع بعد كونه حيا قادرا عالما ، ونعمة الوجود والحياة والقدرة والعلم ليست إلا من الله سبحانه والتربية الأصلية والأرزاق المختلفة لا تحصل إلا من الله سبحانه من أول الطفولة إلى آخر العمر . ثم إذا تأمل الإنسان في آثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان ووصل إلى ما أودع الله تعالى في أعضائه من أنواع المنافع والمصالح علم أنها بحر لا ساحل له ، كما قال تعالى : { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } فبتقدير : أن نسلم أن العبد يمكنه أن ينعم على الغير إلا أن نعم العبد كالقطرة ، ونعم الله لا نهاية لها أولا وآخرا وظاهرا وباطنا فلهذا السبب كان المستحق للحمد المطلق والثناء المطلق ليس إلا الله سبحانه فلهذا قال : { الحمد لله } .
المسألة الثالثة : إنما قال : { الحمد لله } ولم يقل : أحمد الله ، لوجوه : أحدها : أن الحمد صفة القلب وربما احتاج الإنسان إلى أن يذكر هذه اللفظة حال كونه غافلا بقلبه عن استحضار معنى الحمد والثناء ، فلو قال في ذلك الوقت أحمد الله ، كان كاذبا واستحق عليه الذم والعقاب ، حيث أخبر عن دعوى شيء مع أنه ما كان موجودا . أما إذا قال : الحمد لله ، فمعناه : أن ماهية الحمد وحقيقته مسلمة لله تعالى . وهذا الكلام حق وصدق سواء كان معنى الحمد والثناء حاضرا في قلبه أو لم يكن ، وكان تكلمه بهذا الكلام عبادة شريفة وطاعة رفيعة فظهر الفرق بين هذين اللفظين . وثانيها : روي أنه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يأمره بالشكر ، فقال داود : يا رب وكيف أشكرك ؟ وشكري لك لا يحصل إلا أن توفقني لشكرك وذلك التوفيق نعمة زائدة وإنها توجب الشكر لي أيضا وذلك يجر إلى ما لا نهاية له ولا طاقة لي بفعل ما لا نهاية له . فأوحى الله تعالى إلى داود : لما عرفت عجزك عن شكري فقد شكرتني .
إذا عرفت هذا فنقول : لو قال العبد أحمد الله كان دعوى أنه أتى بالحمد والشكر فيتوجه عليه ذلك السؤال . أما لو قال : الحمد لله فليس فيه ادعاء أن العبد أتى بالحمد والثناء ، بل ليس فيه إلا أنه سبحانه مستحق للحمد والثناء سواء قدر على الإتيان بذلك الحمد أو لم يقدر عليه فظهر التفاوت بين هذين اللفظين من هذا الوجه ، وثالثها : أنه لو قال أحمد الله كان ذلك مشعرا بأنه ذكر حمد نفسه ولم يذكر حمد غيره . أما إذا قال : الحمد لله ، فقد دخل فيه حمده وحمد غيره من أول خلق العالم إلى آخر استقرار المكلفين في درجات الجنان ودركات النيران ، كما قال تعالى : { وآخر دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام } فكان هذا الكلام أفضل وأكمل .
المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الكلمة مذكورة في أول سور خمسة . أولها : الفاتحة ، فقال : { الحمد لله رب العالمين } وثانيها : في أول هذه السورة ، فقال : { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض } والأول أعم لأن العالم عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى ، فقوله { الحمد لله رب العالمين } يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى . أما قوله { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض } لا يدخل فيه إلا خلق السموات والأرض والظلمات والنور ، ولا يدخل فيه سائر الكائنات والمبدعات ، فكان التحميد المذكور في أول هذه السورة كأنه قسم من الأقسام الداخلة تحت التحميد المذكور في سورة الفاتحة . وتفصيل لتلك الجملة . وثالثها : سورة الكهف ، فقال : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } وذلك أيضا تحميد مخصوص بنوع خاص من النعمة وهو نعمة العلم والمعرفة والهداية والقرآن ، وبالجملة النعم الحاصلة بواسطة بعثة الرسل ، ورابعها : سورة سبأ وهي قوله { الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض } وهو أيضا قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله { الحمد لله رب العالمين } وخامسها : سورة فاطر ، فقال : { الحمد لله فاطر السموات والأرض } وظاهر أيضا أنه قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله { الحمد لله رب العالمين } فظهر أن الكلام الكلي التام هو التحميد المذكور في أول الفاتحة وهو قوله { الحمد لله رب العالمين } وذلك لأن كل موجود فهو إما واجب الوجود لذاته ، وإما ممكن الوجود لذاته . وواجب الوجود لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى وما سواه ممكن وكل ممكن فلا يمكن دخوله في الوجود إلا بإيجاد الله تعالى وتكوينه والوجود نعمة فالإيجاد إنعام وتربية ، فلهذا السبب قال : { الحمد لله رب العالمين } وأنه تعالى المربي لكل ما سواه والمحسن إلى كل ما سواه . فذلك الكلام هو الكلام الكلي الوافي بالمقصود . أما التحميدات المذكورة في أوائل هذه السور فكان كل واحد منها قسم من أقسام ذلك التحميد ونوع من أنواعه .
فإن قيل : ما الفرق بين الخالق وبين الفاطر والرب ؟ وأيضا لم قال هاهنا { خلق السموات والأرض } بصيغة فعل الماضي ؟ وقال في سورة فاطر { الحمد لله فاطر السموات والأرض } بصيغة اسم الفاعل .
فنقول في الجواب عن الأول : الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الحق سبحانه عبارة عن علمه النافذ في جميع الكليات والجزئيات الواصل إلى جميع ذوات الكائنات والممكنات وأما كونه فاطرا فهو عبارة عن الإيجاد والإبداع ، فكونه تعالى خالقا إشارة إلى صفة العلم ، وكونه فاطرا إشارة إلى صفة القدرة ، وكونه تعالى ربا ومربيا مشتمل على الأمرين ، فكان ذلك أكمل .
والجواب عن الثاني : أن الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الله تعالى عبارة عن علمه بالمعلومات ، والعلم بالشيء صح تقدمه على وجود المعلوم . ألا ترى أنه يمكننا أن نعلم الشيء قبل دخوله في الوجود . أما إيجاد الشيء ، فإنه لا يحصل إلا حال وجود الأثر بناء على مذهبنا أن القدرة إنما تؤثر في وجود المقدور حال وجود المقدور . فلهذا السبب قال : { خلق السموات } والمراد أنه كان عالما بها قبل وجودها ، وقال : { فاطر السموات والأرض } والمراد أنه تعالى إنما يكون فاطرا لها وموجدا لها عند وجودها .
المسألة الخامسة : في قوله { الحمد لله } قولان : الأول : المراد منه احمدوا الله تعالى ، وإنما جاء على صيغة الخبر لفوائد : إحداها : أن قوله { الحمد لله } يفيد تعليم اللفظ والمعنى ، ولو قال : احمدوا لم يحصل مجموع هاتين الفائدتين . وثانيها : أنه يفيد أنه تعالى مستحق الحمد سواء حمده حامد أو لم يحمده . وثالثها : أن المقصود منه ذكر الحجة فذكره بصيغة الخبر أولى .
والقول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين معناه قولوا الحمد لله . قالوا : والدليل على أن المراد منه تعليم العباد أنه تعالى قال في أثناء السورة { إياك نعبد وإياك نستعين } وهذا الكلام لا يليق ذكره إلا بالعباد . والمقصود أنه سبحانه لما أمر بالحمد وقد تقرر في العقول أن الحمد لا يحسن إلا على الإنعام ، فحينئذ يصير هذا الأمر حاملا للمكلف على أن يتفكر في أقسام نعم الله تعالى عليه . ثم إن تلك النعم يستدل بذكرها على مقصودين شريفين : أحدهما : أن هذه النعم قد حدثت بعد أن كانت معدومة فلابد لها من محدث ومحصل وليس ذلك هو العبد لأن كل أحد يريد تحصيل جميع أنواع النعم لنفسه ، فلو كان حصول النعم للعبد بواسطة قدرة العبد واختياره ، لوجب أن يكون كل واحد واصلا إلى جميع أقسام النعم إذ لا أحد إلا وهو يريد تحصيل كل النعم لنفسه ، ولما ثبت أنه لابد لحدوث هذه النعم من محدث وثبت أن ذلك المحدث ليس هو العبد ، فوجب الإقرار بمحدث قاهر قادر ، وهو الله سبحانه وتعالى .
والنوع الثاني : من مقاصد هذه الكلمة أن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها فإذا أمر الله تعالى العبد بالتحميد ، وكان الأمر بالتحميد مما يحمله على تذكر أنواع نعم الله تعالى ، صار ذلك التكليف حاملا للعبد على تذكر أنواع نعم الله عليه ، ولما كانت تلك النعم كثيرة خارجة عن الحد والإحصاء ، صار تذكر تلك النعم موجبة رسوخ حب الله تعالى في قلب العبد . فثبت أن تذكير النعم يفيد هاتين الفائدتين الشريفتين . إحداهما : الاستدلال بحدوثها عن الإقرار بوجود الله تعالى . وثانيهما : أن الشعور بكونها نعما يوجب ظهور حب الله في القلب ، ولا مقصود من جميع العبادات إلا هذان الأمران . فلهذا السبب وقع الابتداء في هذا الكتاب الكريم بهذه الكلمة ، فقال : { الحمد لله رب العالمين } .
واعلم أن هذه الكلمة بحر لا ساحل له ، لأن العالم اسم لكل ما سوى الله تعالى ، وما سوى الله إما جسم أو حال فيه أو لا جسم ولا حال فيه ، وهو الأرواح . ثم الأجسام إما فلكية ، وإما عنصرية . أما الفلكيات فأولها العرش المجيد ، ثم الكرسي الرفيع . ويجب على العاقل أن يعرف أن العرش ما هو ، وأن الكرسي ما هو ، وأن يعرف صفاتهما وأحوالهما ، ثم يتأمل أن اللوح المحفوظ ، والقلم والرفرف ، والبيت المعمور ، وسدرة المنتهى ما هي ، وأن يعرف حقائقها ، ثم يتفكر في طبقات السموات وكيفية اتساعها وأجرامها وأبعادها ، ثم يتأمل في الكواكب الثابتة والسيارة ، ثم يتأمل في عالم العناصر الأربعة والمواليد الثلاثة وهي المعادن والنبات والحيوان ، ثم يتأمل في كيفية حكمة الله تعالى في خلقه الأشياء الحقيرة والضعيفة كالبق والبعوض ، ثم ينتقل منها إلى معرفة أجناس الأعراض وأنواعها القريبة والبعيدة ، وكيفية المنافع الحاصلة من كل نوع من أنواعها ، ثم ينتقل منها إلى تعرف مراتب الأرواح السفلية والعلوية والعرشية والفلكية ، ومراتب الأرواح المقدسة عن علائق الأجسام المشار إليها بقوله { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } فإذا استحضر مجموع هذه الأشياء بقدر القدرة والطاقة ، فقد حضر في عقله ذرة من معرفة العالم ، وهو كل ما سوى الله تعالى . ثم عند هذا يعرف أن كل ما حصل لها من الوجود وكمالات الوجود في ذواتها من صفاتها وأحوالها وعلائقها ، فمن إيجاد الحق ومن جوده ووجوده ، فعند هذا يعرف من معنى قوله { الحمد لله رب العالمين } ذرة ، وهذا بحر لا ساحل له ، وكلام لا آخر له ، والله أعلم .
المسألة السادسة : إنا وإن ذكرنا أن قوله { الحمد لله رب العالمين } أجري مجرى قوله قولوا : الحمد لله رب العالمين ، فإنما ذكرناه لأن قوله في أثناء السورة { إياك نعبد وإياك نستعين } لا يليق إلا بالعبد فلهذا السبب افتقرنا هناك إلى هذا الإضمار . أما هذه السورة وهي قوله { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض } فلا يبعد أن يكون المراد منه ثناء الله تعالى به على نفسه .
وإذا ثبت هذا فنقول : إن هذا يدل من بعض الوجوه ، على أنه تعالى منزه عن الشبيه في اللذات والصفات والأفعال ، وذلك لأن قوله { الحمد لله } جار مجرى مدح النفس وذلك قبيح في الشاهد ، فلما أمرنا بذلك دل هذا على أنه لا يمكن قياس الحق على الخلق ، فكما أن هذا قبيح من الخلق مع أنه لا يقبح من الحق ، فكذلك ليس كل ما يقبح من الخلق وجب أن يقبح من الحق . وبهذا الطريق وجب أن يبطل كلمات المعتزلة في أن ما قبح منا وجب أن يقبح من الله .
إذا عرفت بهذا الطريق أن أفعاله لا تشبه أفعال الخلق ، فكذلك صفاته لا تشبه صفات الخلق ، وذاته لا تشبه ذوات الخلق ، وعند هذا يحصل التنزيه المطلق والتقديس الكامل عن كونه تعالى مشابها لغيره في الذات والصفات والأفعال ، فهو الله سبحانه واحد في ذاته ، لا شريك له في صفاته ، ولا نظير له واحد في أفعاله لا شبيه له تعالى وتقدس ، والله أعلم .
أما قوله سبحانه { الذي خلق السموات والأرض } ففيه مسألتان : الأولى : في السؤالات المتوجهة على هذه الآية وهي ثلاثة :
السؤال الأول : أن قوله { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض } جار مجرى ما يقال : جاءني الرجل الفقيه . فإن هذا يدل على وجود رجل آخر ليس بفقيه ، وإلا لم يكن إلى ذكر هذه الصفة حاجة كذا هاهنا قوله { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض } يوهم أن هناك إلها لم يخلق السموات والأرض ، وإلا فأي فائدة في هذه الصفة ؟
والجواب : أنا بينا أن قوله ( الله ) جار مجرى اسم العلم . فإذا ذكر الوصف لاسم العلم لم يكن المقصود من ذكر الوصف التمييز ، بل تعريف كون ذلك المعنى المسمى ، موصوفا بتلك الصفة . مثاله إذا قلنا الرجل العالم ، فقولنا : الرجل اسم الماهية ، والماهية تتناول الأشخاص المذكورين الكثيرين . فكان المقصود هاهنا من ذكر الوصف تمييز هذا الرجل بهذا الاعتبار عن سائر الرجال بهذه الصفة . أما إذا قلنا : زيد العالم ، فلفظ زيد اسم علم ، وهو لا يفيد إلا هذه الذات المعينة ، لأن أسماء الأعلام قائمة مقام الإشارات . فإذا وصفناه بالعلمية امتنع أن يكون المقصود منه تمييز ذلك الشخص عن غيره ، بل المقصود منه تعريف كون ذلك المسمى موصوفا بهذه الصفة . ولما كان لفظ ( الله ) من باب أسماء الأعلام ، لا جرم كان الأمر على ما ذكرناه والله أعلم .
السؤال الثاني : لم قدم ذكر السماء على الأرض ، مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء ؟ والجواب : السماء كالدائرة ، والأرض كالمركز ، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس ، فإن حصول المركز لا يوجب تعين الدائرة لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها ، فلما كانت السماء متقدمة على الأرض بهذا الاعتبار وجب تقديم ذكر السماء على الأرض بهذا الاعتبار .
السؤال الثالث : لم ذكر السماء بصيغة الجمع والأرض بصيغة الواحد مع أن الأرضين أيضا كثيرة بدليل قوله تعالى { ومن الأرض مثلهن } .
والجواب : أن السماء جارية مجرى الفاعل ، والأرض مجرى القابل . فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر ، وذلك يخل بمصالح هذا العالم . أما لو كانت كثيرة اختلفت الاتصالات الكوكبية فحصل بسببها الفصول الأربعة ، وسائر الأحوال المختلفة ، وحصل بسبب تلك الاختلافات مصالح هذا العالم . أما الأرض فهي قابلة للأثر والقابل الواحد كاف في القبول ، وأما دلالة الآية المذكورة على تعدد الأرضين فقد بينا في تفسير تلك الآية كيفية الحال فيها والله أعلم .
المسألة الثانية : اعلم أن المقصود من هذه الآية ذكر الدلالة على وجود الصانع . وتقريره أن أجرام السماوات والأرض تقدرت في أمور مخصوصة بمقادير مخصوصة ، وذلك لا يمكن حصوله إلا بتخصيص الفاعل المختار . أما بيان المقام الأول فمن وجوه : الأول : أن كل فلك مخصوص اختص بمقدار معين مع جواز أن يكون الذي كان حاصلا مقدارا أزيد منه أو أنقص منه . والثاني : أن كل فلك بمقدار مركب من أجزاء ، والجزء الداخل يمكن وقوعه خارجا وبالعكس . فوقوع كل واحد منها في حيزه الخاص أمر جائز . والثالث : أن الحركة والسكون جائزان على كل الأجسام بدليل أن الطبيعة الجسمية واحدة . ولوازم الأمور الواحدة واحدة . فإذا صح السكون والحركة على بعض الأجسام ، وجب أن يصحا على كلها : فاختصاص الجسم الفلكي بالحركة دون السكون اختصاص بأمر ممكن . والرابع : أن كل حركة ، فإنه يمكن وقوعها أسرع مما وقع وأبطأ مما وقع ، فاختصاص تلك الحركة المعينة بذلك القدر المعين من السرعة والبطء اختصاص بأمر ممكن . والخامس : أن كل حركة ، وقعت متوجهة إلى جهة ، فإنه يمكن وقوعها متوجهة إلى سائر الجهات . فاختصاصها بالوقوع على ذلك الوجه الخاص اختصاص بأمر ممكن . والسادس : أن كل فلك فإنه يوجد جسم آخر إما أعلى منه وإما أسفل منه ، وقد كان وقوعه على خلاف ذلك الترتيب أمرا ممكنا ، بدليل أن الأجسام لما كانت متساوية في الطبيعة الجسمية ، فكل ما صح على بعضها صح على كلها ، فكان اختصاصه بذلك الحيز والترتيب أمرا ممكنا . والسابع : وهو أن لحركة كل فلك أولا ، لأن وجود حركة لا أول لها محال . لأن حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة . وهذا الانتقال يقتضي كونها مسبوقة بالغير . والأول ينافي المسبوقية بالغير ، والجمع بينهما محال . فثبت أن لكل حركة أولا ، واختصاص ابتداء حدوثه بذلك الوقت ، دون ما قبله ، وما بعده اختصاص بأمر ممكن . والثامن : هو أن الأجسام ، لما كانت متساوية في تمام الماهية كان اتصاف بعضها بالفلكية وبعضها بالعنصرية دون العكس ، اختصاصا بأمر ممكن . والتاسع : وهو أن حركاتها فعل لفاعل مختار ، ومتى كان كذلك فلها أول . بيان المقام الأول أن المؤثر فيها لو كان علة موجبة بالذات لزم من دوام تلك العلة دوام آثارها ، فيلزم من دوام تلك العلة ، دوام كل واحد من الأجزاء المتقومة في هذه الحركة . ولما كان ذلك محالا ثبت أن المؤثر فيها ليس علة موجبة بالذات ، بل فاعلا مختارا . وإذا كان كذلك ، وجب كون ذلك الفاعل متقدما على هذه الحركات ، وذلك يوجب أن يكون لها بداية . العاشر : أنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له بدليل أنا نعلم بالضرورة أنا لو فرضنا أنفسنا واقفين على طرف الفلك الأعلى فإنا نميز بين الجهة التي تلي قدامنا وبين الجهة التي تلي خلفنا ، وثبوت هذا الامتياز معلوم بالضرورة . وإذا كان كذلك ثبت أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له ، وإذا كان كذلك فحصول هذا العالم في هذا الحيز الذي حصل فيه دون سائر الأحياز أمر ممكن ، فثبت بهذه الوجوه العشرة : أن أجرام السماوات والأرضين مختلفة بصفات وأحوال ، فكان يجوز في العقل حصول أضدادها ومقابلاتها ، فوجب أن لا يحصل هذا الاختصاص الخاص إلا لمرجح ومقدر وإلا فقد ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال .
وإذا ثبت هذا فنقول : إنه لا معنى للخلق إلا التقدير . فلما دل العقل على حصول التقدير من هذه الوجوه العشرة ، وجب حصول الخلق من هذه الوجوه العشرة . فلهذا المعنى . قال : { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض } والله أعلم ، ومن الناس من قال المقصود من ذكر السماوات والأرض والظلمات والنور التنبيه على ما فيها من المنافع .
واعلم أن منافع السماوات أكثر من أن تحيط بجزء من أجزائها المجلدات ، وذلك لأن السماوات بالنسبة إلى مواليد هذا العالم جارية مجرى الأب والأرض بالنسبة إليها جارية مجرى الأم فالعلل الفاعلة سماوية والعلل القابلة أرضية وبها يتم أمر المواليد الثلاثة . والاستقصاء في شرح ذلك لا سبيل له .
أما قوله { وجعل الظلمات والنور } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : لفظ { جعل } يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله تعالى : { وجعل الظلمات والنور } وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صير كقوله { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير ، وفي الجعل معنى التضمين والتصيير كإنشاء شيء من شيء ، وتصيير شيء شيئا ، ومنه : قوله تعالى : { وجعل منها زوجها } وقوله { وجعلناكم أزواجا } وقوله { أجعل الآلهة إلها واحدا } وإنما حسن لفظ الجعل هاهنا لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كأنه كل واحد منهما إنما تولد من الآخر .
المسألة الثانية : في لفظ { الظلمات والنور } قولان : الأول : أن المراد منهما الأمران المحسوسان بحس البصر والذي يقوي ذلك أن اللفظ حقيقة فيهما . وأيضا هذان الأمران إذا جعلا مقرونين بذكر السماوات والأرض ، فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان والثاني : نقل الواحدي عن ابن عباس ، أنه قال { وجعل الظلمات والنور } أي ظلمة الشرك والنفاق والكفر والنور يريد نور الإسلام والإيمان والنبوة واليقين . ونقل عن الحسن أنه قال : يعني الكفر والإيمان ، ولا تفاوت بين هذين القولين ، فكان قول الحسن كالتلخيص لقول ابن عباس . ولقائل أن يقول حمل اللفظ على الوجه الأول أولى ، لما ذكرنا أن الأصل حمل اللفظ على حقيقته ، ولأن الظلمات والنور إذا كان ذكرهما مقرونا بالسماوات والأرض لم يفهم منه إلا ما ذكرناه . قال الواحدي : والأولى حمل اللفظ عليهما معا . وأقول هذا مشكل لأنه حمل اللفظ على مجازه ، واللفظ الواحد بالاعتبار الواحد لا يمكن حمله على حقيقته ومجازه معا .
المسألة الثالثة : إنما قدم ذكر الظلمات على ذكر النور لأجل أن الظلمة عبارة عن عدم النور عن الجسم الذي من شأنه قبول النور ، وليست عبارة عن كيفية وجودية مضادة للنور ، والدليل عليه أنه إذا جلس إنسان بقرب السراج ، وجلس إنسان آخر بالبعد منه ، فإن البعيد يرى القريب ويرى ذلك الهواء صافيا مضيئا ، وأما القريب فإنه لا يرى البعيد ويرى ذلك الهواء مظلما ، فلو كانت الظلمة كيفية وجودية لكانت حاصلة بالنسبة إلى هذين الشخصين المذكورين ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الظلمة ليست كيفية وجودية .
وإذ ثبت هذا فنقول : عدم المحدثات متقدم على وجودها ، فالظلمة متقدمة في التقدير والتحقق على النور ، فوجب تقديمها في اللفظ ، ومما يقوي ذلك ما يروى في الأخبار الإلهية أنه تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره .
المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : لم ذكر الظلمات بصيغة الجمع ، والنور بصيغة الواحد ؟ فنقول : أما من حمل الظلمات على الكفر والنور على الإيمان ، فكلامه هاهنا ظاهر ، لأن الحق واحد والباطل كثير ، وأما من حملها على الكيفية المحسوسة ، فالجواب : أن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية ، ثم إنها تقبل التناقص قليلا قليلا ، وتلك المراتب كثيرة . فلهذا السبب عبر عن الظلمات بصيغة الجمع .
أما قوله تعالى : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون }
فاعلم أن العدل هو التسوية . يقول : عدل الشيء بالشيء إذا سواه به ، ومعنى { يعدلون } يشركون به غيره .
فإن قيل : على أي شيء عطف قوله { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون }
قلنا : يحتمل أن يكون معطوفا على قوله { الحمد لله } على معنى أن الله حقيق بالحمد على كل ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } فيكفرون بنعمته ، ويحتمل أن يكون معطوفا على قوله { خلق السموات والأرض } على معنى أن خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها أحد سواه ، ثم إنهم يعدلون به جمادا لا يقدر على شيء أصلا .
قلنا : الفائدة فيه استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته ، والله أعلم .
سورة الأنعام سورة مكية وهي أول سورة مكية في ترتيب الصحف فسورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة كلها سورة مدنية أما سورة الأنعام فهي أول سورة مكية ، توضع في السبع الطوال من سور القرآن الكريم .
وقد جاءت عدة روايات تذكر فضل سورة الأنعام وتبين أنها نزلت جملة واحدة مشيعة بالملائكة .
قال الإمام الرازي في تفسيره ( مفاتيح الغيب ) :
( إن هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة . أحدهما : أنه نزلت دفعة واحدة والثاني : أنها شيعها ألفا من الملائكة والسبب في ذلك أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين ) .
قال العلماء : هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة وعليها بني المتكلمون أصول الدين .
وعدد آيات سورة الأنعام ( 165 ) آية وعدد كلمتها ( 3053 ) كلمة .
سميت هذه السورة بسورة الأنعام ، والأنعام ذوات الخف والظلف : وهي الإبل والبقر والغنم بجميع أنواعها ، لأنها هي السورة التي عرضت لذكر الأنعام على تفصيل لم يرد في غيرها من السور ، فقد ورد ذكر الأنعام في مواضع كثيرة من القرآن عرضا ، أما سورة الأنعام ، فقد جاءت بحديث طويل عن الأنعام ، استغرق خمس عشرة آية ، من أول الآية 136 إلى آخر الآية 150 . وقد تناول الحديث عن الأنعام في هذه الآيات من السورة جوانب متعددة ، تتصل بعقائد المشركين فبينت السورة ما في عقائدهم من الخلل والفساد ، إذ كانوا يحرمون بعض الأنعام على أنفسهم ، ويجعلون قسما من الأنعام لآلهتهم وأصنامهم : وقسما لله ، ثم يجورون على القسم الذي جعلوه لله فيأخذون منه لأصنامهم .
نزلت سورة الأنعام في السنة الرابعة من البعثة المحمدية ، أي عقب أمر النبي صلى الله عليه و آله وسلم أن يصدع بالدعوة ويعلنها للناس بعد أن أسر بها ثلاث سنين .
وتميزت الفترة التي نزلت فيها سورة الأنعام بقسوة المشركين وعنفهم في مقاومة الدعوة الإسلامية وإنكارها ، فقد بدأت الدعوة سرا ثم جهر النبي بدعوته في مكة ، ونزلت سورة الأنعام بعد الجهر بالدعوة بسنة واحدة ، فاستعرضت الأدلة على توحيد الله وقدرته ثم ساقت أدلة المشركين وشبههم فأبطلتها وفندتها .
وقد أخذ المشركون بالنجاح الذي صارت عليه دعوة الإسلام حتى استطاعت أن تستعلن بعد الخفاء ، وأن تتحدى في صوت عال ونداء جهير ، بعد أن كان المؤمنون بها يلجئون إلى الشعاب والأماكن البعيدة ليؤدوا صلاتهم ، ورأى المشركون أن محمدا ماض في إعلان دعوته وتلاوة ما أنزل عليه من الكتاب ، وفيه إنذار لهم وتنفيذ لمعتقداتهم وتسفيه لآرائهم ، وإنكار لآلهتهم ، وتهكم بأوثانهم وتقاليدهم البالية ، فكان منهم من يستمع للقرآن متأثرا بقوته أو متذوقا لبلاغته ، ومنهم من يبعد عنه خوفا منه . يومئذ واجهت دعوة الحق أعداءها مفسرة واضحة متحدية ، ووقف هؤلاء الأعداء مشدوهين مضطربين ، يشعرون في أعماق نفوسهم بصدقها وكذبهم ، ويترقبون يوما قريبا لانتصارها وانهزامهم ، ولا يجدون لهم حيلة إلا المكابرة والمعارضة المستميتة بما درجوا عليه من العقائد الباطلة ، وبادعائهم كذب الرسول ، وبزعمهم أن إرسال الرسل من البشر أمر لم يقع من قبل ، وأن الله لو شاء إبلاغ عباده شيئا لأنزل إليهم الملائكة ، وأنكر كفارة مكة البعث والدار الآخرة ، واستماتوا في الدفاع عن عقائدهم وآلهتهم ، ونسوا أن محمدا عاش فيهم عمرا طويلا لم يقل فيهم يوما قولة كاذبة ، ولم يخن فيهم يوما أمانة اؤتمن عليها ، وأنهم لذلك كانوا يلقبونه بالصادق الأمين .
ولكنهم فكروا فقط في أن الدعوة الجديدة يجب أن تموت في مهدها ، ويجب أن تكتم أنفاسها قبل أن تنبعث حرارة هذه الأنفاس إلى البلاد والقبائل والشعوب .
ووجهت الدعوة الإسلامية بهذا النضال وتحملت جميع مقتضياته وأثقاله ، وكانت سورة الأنعام مثالا لتحقيق هذه الدعوة الإسلامية في هذه الفترة . فقد جمعت كل العقائد الصحيحة ، وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين ، وتفنيد شبه الملحدين ، وإبطال العقائد الفاسدة ، وتركيز مبادئ الأخلاق الفاضلة .
وضع العلماء ضوابط تميز السور المكية من المدنية ، واستنبطوا خصائص الأسلوب والموضوعات التي تناولتها كل مجموعة منها .
فمن خصائص السور المكية ما يأتي :
1- الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده وإثبات الرسالة وإثبات البعث والجزاء وذكر القيامة وهولها والنار وعذابها والجنة ونعيمها ، ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية والآيات الكونية .
2- وضع الأسس العامة للفضائل الأخلاقية التي يقوم عليها كيان المجتمع ، وفضح جرائم المشركين في سفك الدماء . وأكل أموال اليتامى ظلما ، ووأد البنات ، وما كانوا عليه من سوء العادات .
3- ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة زجرا للكافرين حتى يعتبروا بمصير المكذبين قبلهم ، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يصبر على أذاهم ويطمئن على الانتصار عليهم .
4- قصر الفواصل مع قوة الألفاظ ، وإيجاز العبارة ، بما يصخ الآذان ويشتد قرعه على المسامع ، وينبه القلوب ويحرك الأفئدة .
ومن خصائص السور المدنية ما يأتي :
1- بيان العبادات والمعاملات ، والحدود ، ونظام الأسرة ، والمواريث ، وفضيلة الجهاد ، والصلات الاجتماعية ، والعلاقات الدولية في السلم والحرب وقواعد الحكم ومسائل التشريع .
2- مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ودعوتهم إلى السلام ، وبيان تحريفهم لكتب الله ، وتجنيهم على الحق ، واختلافهم من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم .
3- الكشف عن سلوك المنافقين ، وتحليل نفسيتهم ، وإزاحة الستار عن خباياهم ، وبيان خطرهم على الدين .
4- طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرر الشريعة ويوضح أهدافها .
5- خصائص السور المكية واضحة في سورة الأنعام :
( سورة الأنعام مثل كامل للخصائص المكية ، إنها حشد من الصور الفنية العجيبة واللمسات الوجدانية الموحية ، والمنطق الطبيعي الحي . . وهي كلها من أولها إلى آخرها تنبض بإيقاع واحد ، وتترقرق بماء واحد وتفيض بينبوع زاخر متدفق ) ( 51 ) .
( إن موضوعها الذي تعالجه من مبدئها إلى منتهاها هو موضوع العقيدة ، بكل مقوماتها وبكل مكوناتها ، وهي تأخذ بمجامع النفس البشرية وتطوف بها في الوجود كله ، وراء ينابيع الحقيقة وموحياتها المستترة والظاهرة في هذا الوجود الكبير . . إنها تطوف بالنفس البشرية في ملكوت السماوات والأرض ، تلحظ الظلمات فيها والنور ، وترقب الشمس والنجوم ، وتسرح في الجنات المعروشة وغير المعروشة ، والحياة الباطلة والجارية ، وتقف على مصارع الأمم الخالية ، وآثارها البائدة والباقية ، ثم تسبح مع ظلمات البحر والبر وأسرار الغيب والنفس ، والحي يخرج من الميت والميت يخرج من الحي ومع الحبة المستكنة في ظلام الأرض ، والنطفة المستكنة في ظلام الرحم . ثم تموج بالجن والأنس ، والطير والوحش ، والأولين والآخرين والاحياء والأموات ، والحفظة من الملائكة على النفس بالليل والنهار .
إنه الحشد الكوني الذي يزحم أقطار النفس ، و أقطار الحس ، وأقطار اللمس وأقطار الخيال . . ثم إنها اللمسات المبدعة المحببة ، التي تنتفض المشاهد بعدها والمعاني أحياء تمرح في النفس والخيال . وإذا كل مكرور مألوف من المشاهد والمشاعر جديد نابض كأنما تتلقاه النفس أول مرة ، ولم يطلع عليه من قبل ضمير إنسان . إلا أنها القدرة المبدعة تتبدى في صورة من صورها الكثيرة فما يقدر على بث الحياة هكذا في الصور والمشاعر والمعاني إلا الله الذي بث في الوجود الحياة ( 52 ) .
6- الأغراض الرئيسية لسورة الأنعام :
إن الأغراض الرئيسية التي استهدفتها هذه السورة الكريمة هي تركيز العقائد الأساسية الثلاث التي كان المشركون يومئذ يتنازعون فيها ، وهذه العقائدة الأساسية هي :
أولا : توحيد الله . ويتصل بهذا إقامة الدليل على وحدة الألوهية ، بلفت النظر إلى آثار الربوبية ، وإلى صفات الله الخالق المتصرف ، كما يتصل بها إبطال عقيدة الشرك ، وشبهات المشركين ، وتقرير أن العبادة والتوجه والتحريم والتحليل ، إنما ترجع إلى الله .
ثانيا : الإيمان برسوله الذي أرسل ، وكتابه الذي أنزل ، وبيان وظيفة هذا الرسول ورد الشبهات التي تثار حول الوحي والرسالة .
ثالثا : الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من ثواب وعقاب وجزاء .
وسوف نتناول كل غرض من هذه الأغراض بالتوضيح :
لقد بدأت سورة الأنعام بتقرير الحقيقة الأولى في كل دين وعلى لسان كل رسول ، تلك الحقيقة التي تؤمن بها الفطر السليمة ويدل عليها العالم بأرضه وسمائه . وما فيه من مخلوقات ناطقة
وصامته ظاهرة وخفية ، وما فيه من تحولات وتقلبات ونور وظلمات ؛ وهذه الحقيقة هي أن الإله الذي له ( الحمد ) المطلق والتنزيه الذي لا يحد هو الله ، لأنه هو الذي ( خلق ) وهو الذي ( جعل ) ؛ فالخلق إنشاء وإبداع ، والجعل تصريف وتقليب ، والعالم أجمع في دائرتيهما ؛ فلا ينفك شيء منه عن كلا هذين المظهرين : ( خلق ) و ( جعل ) ومقتضى ذلك أن المخلوق المجهول ، لايمكن أن يتسامى إلى مرتبة الخالق الجاعل فيعبد كما يعبد ؛ ويقصد كما يقصد ؛ ذلك هو مطلع السورة ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) . وكل ما جاء في هذه السورة إنما هو بيان وتفصيل ؛ أو تمثيل وتطبيق على هذه الحقيقة أحيانا بصفة مباشرة ، وأحيانا بوسائط تقرب أو تبعد .
وهذا هو المعنى الذي يعبر عنه بعض العلماء بأنه الحكم بتوحيد الألوهية استدلالا بوحدانية الربوبية ، وذلك في القرآن كثير فأول فاتحة الكتاب :
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب .
الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا .
ولو ذهبنا نتتبع هذا المعنى فأوغلنا في التتبع ، ورأينا الكثير من الآيات فإن هذا هو أصل الأديان كلها وهو الحقيقة الأولى كما تجلى ذلك في سورة الأنعام . وقد ساقت السورة عددا من الأدلة على توحيد الله ، فهي تلفت النظر إلى مظاهر الملك التام ، والسلطان القاهر في الخلق والتصرف الكامل ، والعلم المحيط فتقول :
قل لمن ما في السموات والأرض قل لله . ( الأنعام : 12 ) .
وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم . ( الأنعام : 13 ) .
وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر و البحر . ( الأنعام : 59 ) .
وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار . ( الأنعام : 60 ) .
وهي تلفت النظر إلى ملكوت السموات والأرض ، وما خلق الله من شيء ، لأن هذا النظر لابد أن يثمر الإيمان بالله .
بل تلفت نظر الإنسان إلى نفسه ، ليتفكر في داخله كيف خلق ؟ وكيف يفكر وكيف يعيش وكيف يموت ؟
وبهذا تكون الحجة عامة لكل ذي عقل سليم وفطرة صافية وإخلاص في تطلب الحقيقة من دلائلها المبثوثة في آفاق السماوات والأرض ولذلك يقول جل شأنه :
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه كل شيء شهيد . ( فصلت 51 )
كما تحدثت سورة النعام عن الألوهية والربوبية ، ولفتت الناس إلى مظاهرهما في الخلق والتصرف والتدبير المحكم ، تحدثت عن حقيقة ثانية تنبني على الإيمان بهذه الحقيقة الأولى : ذلك أن من شأن الإله الرب أن يهدي عباده ويرشدهم إلى ما تصلح عليه أمورهم وتقوم عليه سعادتهم في دنياهم وأخراهم .
ومن رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب لهداية الناس من الضلالة إلى الهدى وإخراجهم من الظلمات إلى النور .
وقد عينت سورة الأنعام بهذه الحقيقة ، فتحدثت في كثير من آياتها عن الوحي والرسالة من جوانب شتى ، بعضها يتصل بإثبات الوحي وبيان حكمته والرد على منكريه ، وبعضها يرجع إلى بيان ما هو من وظيفته ، وبعضها يتصل بموقف الناس أمام الرسالات الإلهية ، وبعضها يتعلق الآداب التي رسمها الله للرسول وما ينبغي أن يكون عليه سلوكه مع مخالفيه وموافقيه . قال تعالى :
وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . ( الأنعام : 19 ) .
وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين . ( الأنعام : 114 ) .
عرضت السورة لموقف المكذبين من الرسالة وبينت أن التكذيب سنة قديمة . فعلى الرسول أن يصبر ويصابر حتى لا يضيق صدره بتكذيبهم إياه ؛ ولا ييأس من هدايتهم . وبينت السورة حسن عاقبة المرسلين . وسوء عاقبة المكذبين قال تعالى :
قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون . ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله لقد جاءك من نبإ المرسلين . ( الأنعام : 34 ، 33 ) .
ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون . ( الأنعام : 10 ) .
نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
أثبت القرآن الوحي والرسالة ؛ ثم أثبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدليل القاطع والحجة البالغة . فقد نشأ هذا النبي يتيما فقيرا أميا في بيئة مشركة جاهلة ؛ فمن أين له هذا الكتاب المحكم الذي اشتمل على مبادئ الإصلاح العالمي كلها ؟ والذي لم يستطع العلم في أزهى عصوره أن يهدم حقيقة من الحقائق التي جاء بها .
إن القرآن قد تحدى العرب ببلاغته وقوة بيانه فعجزوا عن الإتيان بمثله أو بعشر سور منه ؛ أو بسورة واحدة .
وقد تحدى القرآن الزمان كله بخلوده وصحته ؛ وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء . ( الأنعام : 91 ) .
نزلت سورة الأنعام في السنة الرابعة من البعثة بعد أن أمر الله رسوله أن يجهر بالدعوة وأن يعلن عن العقيدة الإلهية ويقرر حقيقة البعث والجزاء علنا أمام المشركين .
وقد سلكت سورة الأنعام طرقا شتى في الاستدلال على قضية البعث فقد استدلت عليه بخلق السموات والأرض في مقدمتها العنوانية :
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . ( الأنعام : 1 ) .
فمن خلق السموات والأرض بقدرته ، فهو قادر على إحياء الموتى وإعادة خلق الإنسان فخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
وكررت هذه الحقيقة وأكدت في آياتها بصور شتى فذكرت أن البعث حق ، وأن الله بيده الخلق والأمر والبدء والإعادة والحساب والجزاء قال تعالى :
ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه . ( الأنعام : 12 ) .
ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . ( الأنعام : 164 ) .
وقد لون القرآن في قضية البعث والجزاء واستدل عليها بعديد من الأدلة ، منها : أن الحكمة والعدل يقضيان بالحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما يقضيان بأن ينال المحسن إحسانه والمسيء إساءته حتى يطهر المسيء من دنس النفس ويكون أهلا لرحمة الله الكاملة ، وهذان شأنان هامان إذ كثيرا ما يرتحل الناس عن الدنيا دون أن يسهل طريق النقاء لمن دسى نفسه ، ودون أن يعرفوا الحق فيما اختلفوا فيه وإذن فلا بد من دار أخرى يلقى الإنسان فيها الجزاء أمام حاكم عادل عليم خبير بكل ما قدم الإنسان .
وقد تعرض أحد القضاة الفرنسيين لتاريخ القضاء في فرنسا وأصدر كتابا فيه عديدا من الحالات حكم فيها بالإعدام أو الإدانة على متهمين ثم برأتها الأيام والحقائق ، وأحصى عديدا من الحالات برأ القضاء فيها متهمين ثم أثبتت الأيام وحقائق الأحداث أنهم مدانون .
ثم عقب القاضي بقوله : إنه لابد من جزاء وحساب أمام قاض آخر لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه حادثة في دار أخرى ليعوض الناس عن أخطاء القضاء في الدنيا وليكون حكمه فيصلا ومنصفا للمظلمومين ورادعا للمجرمين .
وفي القرآن الكريم آيات عدة تؤكد هذا المعنى ، قال تعالى :
ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون . ( الأنعام : 70 ) .
أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون . ( الجاثية : 21 ) .
وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون . ( الأنعام : ( 32 ) .
وقد لون القرآن ونوع في أدلته على إثبات البعث ، وعرض مشاهد القيامة واضحة للعيان . وعرضت سورة الأنعام لشأن البعث باعتباره أمرا كائنا ليس موضع إنكار ، ولا محلا لريب وصورت فيه موقف المشركين وما سيكونون عليه في ذلك اليوم كأنهم حاضرون معرضون أمام الناس يتأملهم الإنسان ويرى فعلهم وقولهم : قال تعالى :
ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين . أنظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون . ( الأنعام : 22 – 23 ) .
و لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ، وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون . ( الأنعام : 94 ) .
إلى غير ذلك مما تضمنته السورة من الوصف العيني لمظاهر البعث الذي يأخذ القلب وينير الوجدان .
حفلت سورة الأنعام بذكر طرف من قصة إبراهيم الخليل عليه السلام ، فإبراهيم أبو الأنبياء ، والرسول الذي دافع عن التوحيد وتحدى عباد الأصنام ، وأخذ يتأمل بفكره في ملكوت السماوات والأرض ، ليرشد قومه عن طريق الحوار إلى فساد اعتقادهم ودليل خطئهم في تأليه الكواكب والقمر والشمس وغيرها . جن عليه الليل وستره الظلام فرأى كوكبا مما يعبدون وهو بين جماعة منهم يتحدثون ويسمرون فجاراهم في زعمهم وحكى قولهم فقال هذا ربي فلما أفل هذا الكوكب . وغاب هذا النجم تحت الأفق تفقده فلم يجده وبحث عنه فلم يره فقال لا أحب الآلهة المتغيرة من حال إلى حال .
ولما رأى القمر بازغا وهو أسطع نورا من ذلك الكوكب وأكبر منه حجما وأكثر نفعا قال :
هذا ربي . استدراجا لهم واستهواء لقلوبهم ، فلما أفل هذا أيضا واحتجب ، واختفى نوره واستتر قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . ( الأنعام : 77 ) .
بين لهم أن الله مصدر الهداية ، ومانح التوفيق عند الشك والحيرة . ثم رأى إبراهيم الشمس بازغة يتألق نورها وينبعث منها شعاعها وقد كست الدنيا جمالا و ملأت الأرض حياة وبهاء ، وأرجاء الكون نورا وضياء ، فقال : هذا ربي ، هذا أكبر من كل الكواكب ، وأكثر نفعا وأجل شأنا ، فلما أفلت كغيرها ، وغابت عن عبادها ، رماهم بالشرك وقال :
إني بريء مما تشركون . فهذه الكواكب التي تنتقل من مكان إلى مكان وتتحول من حال إلى حال لابد لها من خالق يدبرها ويحركها وإله ينظمها ويسيرها ، فهي لا تستحق عبادة ولا تعظيما .
وبعد أن أعلن إبراهيم انصرافه عن آلهتهم ، وبراءته من معبوداتهم أفاض الحديث عن إخلاصه لله بعبادته وخضوعه فقال :
إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . ( الأنعام : 79 ) .
ولقد كان إبراهيم جريئا في إعلان إيمانه ، وإخلاصه لربه ، ومجادلة قومه وإفهامهم أن غير الله لا ينفع ولا يضر . وإن الله وحده هو النافع الضار ، والمعطي المانع ، وهو على كل شيء قدير . وقد ناقش إبراهيم أباه ، وأوضح له طريق الهدى ، وأخلص الدعاء لأبيه أن يلهمه الله طريق الهداية والرشاد ، فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله تبرأ منه . وهكذا كان إبراهيم عمليا في دعوته ، عمليا في هجرته وعزلته .
وقد ظهرت قدرة إبراهيم وإخلاصه وتضحيته ، حين حطم الأصنام ، ولام قومه على عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ، ولا يضر ولا ينفع ، وظهرت بطولة إبراهيم حين امتحنه الله بذبح ولده إسماعيل ، فامتثل إبراهيم لأمر ربه وخاطب ابنه قائلا :
يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر سيجدني إن شاء الله من الصابرين . ( الصافات : 102 ) .
وصدق الأب في طاعة ربه ، وصدق الابن في الوفاء والامتثال ، وعزم الأب على ذبح ابنه وأخلص النية ، فلما رأى الله منه صدق النية فدى إسماعيل بكبش عظيم وأصبحت الأضحية سنة في كل عام ، يذبحها الغني المقتدر ويوزع من لحمها على الفقراء وعلى الأصدقاء ، ذكرى للتضحية والفداء . واقتداء بإبراهيم الخليل ، وكم لإبراهيم من مواقف جليلة عظيمة في مصر ، وفي فلسطين ، وفي جوار بيت الله الحرام ، وفي بناء الكعبة وهو يخلص الدعاء لله في كل عمل . وقد مدحه القرآن ووصفه بأحسن الصفات إذ يقول جل جلاله :
إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين . ( النحل : 120 ) .
افتتح الربع الأخير من سور الأنعام بالدعوة إلى عشر وصايا هي النهي عن الإشراك بالله ، والأمر بالإحسان إلى الوالدين ، والنهي عن قتل الأولاد مخافة الحاجة ، والنهي عن مقاربة الفاحشة في السر أو العلن ، والنهي عن قتل النفس التي حرم الله قتلها . ثم أمرت الآيات بالإحسان إلى اليتيم وإتمام الكيل والميزان ، كما أمرت بالعدل في كل شيء وأمرت بالوفاء بالعهد والاستقامة على الصراط القويم .
الوصية الأولى : من هذه الوصايا العشر التي وردت بسورة الأنعام هي قوله تعالى :
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا . ( الأنعام : 151 ) .
وهي الأساس الذي يصلح عليه أمر الناس ، فإن المجتمع الذي يقوم على إيثار الله على كل ما سواه هو المجتمع الفاضل المثالي السعيد ، أما المجتمع الذي يشرك بالله أحدا ويشرك بالله شيئا ، فإنه مجتمع منحل ، تسيره المادة الصماء التي لا روح فيها ولا صلاح ولا قرار معها .
والوصية الثانية : وبالوالدين إحسانا . ( الأنعام : 151 ) .
فالوالدان سبب في حياة الولد فيجب أن يشركهما ويحسن إليهما خصوصا في حالة الكبر والشيخوخة .
والوصية الثالثة : ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم . ( الأنعام : 153 ) .
إن قتل الإنسان لابنه اعتلال في الطبع أو خلل في العقل ، فإن الولد بضعة من الوالد ، والشأن حتى في الحيوان أن يضحي الوالد من أجل أولاده ويحميهم ويتحمل الصعب في سبيلهم ، وفي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن من أكبر الكبائر أن قتل ولدك خشية ان يأكل معك ) ( 53 ){[1]} إذ أن الله يبسط الرزق لمن يشاء : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها . ( هود : 6 ) .
الوصية الرابعة : ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ( الأنعام : 151 ) .
الفواحش هي كل فعل تنكره العقول السليمة والفطر المستقيمية ، والمجتمع الذي يؤمن بأن هناك ( فواحش ) يجب أن تجتنب و ( محاسن ) يجب أن تلتمس هو المجتمع السليم الجدير بالنمو والإرتقاء .
الوصية الخامسة : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون . ( الأنعام : 151 ) .
فالإنسان بنيان الله ، ومن هدم بنيان الله ملعون ، وبذلك يقرر الإسلام عصمة الدم الإنساني إلا بالحق ، ويعتبر من يعتدي على نفس واحدة بغير حق كأنه اعتدى على الإنسانية كلها . وهو المبدأ الذي يعتبر أن الجريمة اعتداء على المجتمع كله .
الوصية السادسة : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن . ( الأنعام : 152 ) .
فاليتيم عارض يعرض في كل مجتمع ، ومن شأن المجتمعات الناضجة أن ترعى اليتامى وأن تحافظ على صلاحهم في أنفسهم وفي أموالهم . و على الواصي أن يعامل اليتيم كما لو كان إبنا من أبناءه فيحسن توجيهه وتأديبه ورعايته وكفالته حتى ينشأ اليتيم مواطنا صالحا وعضوا نافعا .
الوصية السابعة : وأوفوا الكيل والميزان بالقسط . ( الأنعام : 152 ) .
المؤمن عادل في بيعه وشرائه يضبط الكيل ويعطي الحق ويأخذ الحق .
الوصية الثامنة : وإذا قمتم فاعدلوا ( الأنعام : 152 ) .
والعدل هو أساس الحكم السليم ، العدل في القول ، والعدل في الحكم ، والعدل في الشهادة ، والعدل في كل فعل وعمل .
الوصية التاسعة : وبعهد الله أوفوا ( الأنعام : 152 ) .
الوفاء خلة حميدة ، وصفة طيبة من الصفات التي يتحقق بها الخير والصلاح وتستقر عليه أمور الناس .
الوصية العاشرة : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . ( الأنعام : 153 ) .
وهذه الوصية الأخيرة هي الجامعة لكل ما جاءت به دعوة الحق فهي تدعوا إلى السير على طريق الله وشريعة الله ، وأوامر الله ، والابتعاد عن طريق الشيطان ، وطريق الله سبيل النجاح في الدنيا والآخرة ، وفي سورة الفاتحة : اهدنا الصراط المستقيم .
ثم الذين كفروا بربهم يعدلون : أي يسوون به غيره ، تعالى الله عن ذلك .
1- الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور . . . الآية . الثناء الجميل والحمد كله مستحق لله تعالى ، الذي أنشأ بقدرته هذه العوالم العلوية والسفلية وأوجد ما فيها من مخلوقات ناطقة وصامتة ، وظاهرة وخافية وأحدث ما يتعاقب عليها من تحولات وتقلبات ونور وظلمات .
وجعل الظلمات والنور . أي جعل الله ظلام الليل ليكون سكنا . وجعل نور النهار ليكون مجال نشاط الناس وسر الحياة لزروعهم وحيواناتهم .
ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . أي بعد هذا الخلق الكبير في خلق السماء وما أضلت ، وخلق الأرضين وما أقلت ، وتسخير الليل والنهار ، فإن الذين كفروا يشركون بالله ، ويعدلون به ويساوون به ما لا يقدر على شيء وهذا نهاية الحمق .
وقد بدأت خمس سور بالحمد لله . وهي : سورة الفاتحة ، وسورة الأنعام ، وسورة الكهف وسورة سبأ ، وسورة فاطر .
فأول سورة الفاتحة : الحمد لله رب العالمين .
وأول سورة الأنعام : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور .
وأول سورة الكهف : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا
وأول سورة سبأ : الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير .
وأول سورة فاطر : الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير .