مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (71)

قوله تعالى : { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون } .

اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك : { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } فقال : { قل أندعوا من دون الله } أي أنعبد من دون الله النافع الضار ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا ، ونرد على أعقابنا راجعين إلى الشرك بعد أن أنقذنا الله منه وهدانا للإسلام ؟ ويقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل أنه رجع إلى خلف ، ورجع على عقبيه ورجع القهقرى ، والسبب فيه أن الأصل في الإنسان هو الجهل ، ثم إذا ترقى وتكامل حصل له العلم . قال تعالى : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة } فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى فكأنه رجع إلى أول مرة ، فلهذا السبب يقال : فلان رد على عقبيه .

وأما قوله : { كالذي استهوته الشياطين في الأرض } فاعلم أنه تعالى وصف هذا الإنسان بثلاثة أنواع من الصفات :

الصفة الأولى : قوله : { استهوته الشياطين } وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : قرأ حمزة { استهواه } بألف ممالة على التذكير والباقون بالتاء ، لأن الجمع يصلح أن يذكر على معنى الجمع ، ويصلح أن يؤنث على معنى الجماعة .

المسألة الثانية : اختلفوا في اشتقاق { استهوته } على قولين :

القول الأول : أنه مشتق من الهوى في الأرض ، وهو النزول من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة في قعر الأرض ، فشبه الله تعالى حال هذا الضال به وهو قوله : { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء } ولا شك أن حال هذا الإنسان عند هويه من المكان العالي إلى الوهدة العميقة المظلمة يكون في غاية الاضطراب والضعف والدهشة .

والقول الثاني : أنه مشتق من اتباع الهوى والميل ، فإن من كان كذلك فإنه ربما بلغ النهاية في الحيرة ، والقول الأول أولى ، لأنه أكمل في الدلالة على الدهشة والضعف .

الصفة الثانية : قوله : { حيران } قال الأصمعي : يقال حار يحار حيرة وحيرا ، وزاد الفراء حيرانا وحيرورة ، ومعنى الحيرة هي التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه . ومنه يقال : الماء يتحير في الغيم أي يتردد ، وتحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء .

واعلم أن هذا المثل في غاية الحسن ، وذلك لأن الذي يهوى من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه ، لأن الحجر حال نزوله من الأعلى إلى الأسفل ينزل على الاستدارة ، وذلك يوجب كمال التردد والتحير ، وأيضا فعند نزوله لا يعرف أنه يسقط على موضع يزداد بلاؤه بسبب سقوطه عليه أو يقل ، فإذا اعتبرت مجموع هذه الأحوال علمت أنك لا تجد مثالا للمتحير المتردد الخائف أحسن ولا أكمل من هذا المثال .

الصفة الثالثة : قوله تعالى : { له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا } قالوا : نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه كان يدعو أباه إلى الكفر وأبوه كان يدعوه إلى الإيمان ويأمره بأن يرجع من طريق الجهالة إلى الهداية ومن ظلمة الكفر إلى نور الإيمان . وقيل : المراد أن لذلك الكافر الضال أصحابا يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى وهذا بعيد . والقول الصحيح هو الأول .

ثم قال تعالى : { قل إن هدى الله هو الهدى } يعني هو الهدى الكامل النافع الشريف كما إذا قلت علم زيد هو العلم وملك عمرو هو الملك كان معناه ما ذكرناه من تقرير أمر الكمال والشرف .

ثم قال تعالى : { وأمرنا لنسلم لرب العالمين } .

71

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (71)

المفردات :

ونرد على أعقابنا : ونرجع إلى الوراء بالعودة إلى الشرك . وسيأتي لذلك مزيد بيان في الشرح .

استهوته الشياطين : ذهبت بهواه وعقله .

يدعونه إلى الهدى : المراد بالهدى الطريق الهادي إلى المقصد ، جعل نفس الهدى للمبالغة .

التفسير :

71- قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا . . . الآية . ثبت بالقرآن والسنة أن المشركين عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المال والجاه والسلطان ، والملك ، نظير أن يترك دعوة الإسلام ، فقال كلمته الخالدة لعمه أبي طالب : ( والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ) .

وقد عرض المشركون مثل هذه العروض على أبي بكر الصديق ، وعلى غيره من المسلمين .

جاء في تفسير ابن كثير ، قال السدي : قال المشركون للمؤمنين اتبعوا سبيلنا . واتركوا دين محمد ، فأنزل الله عز وجل :

قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا . . . والمعنى : قل يا محمد : للمشركين ، أو قل يا أيها العاقل لهؤلاء المشركين ، الذين يحاولون رد المسلمين عن الإسلام ، قل لهم : أنعبد من دون الله ما لا يقدر على نفعنا إن دعوناه ، ولا ضرنا إن تركناه ، ومن شأن الإله الحق أن ينفع ويضر ، فكيف يليق بنا أن نعبد آلهة خالية من النفع والضر ؟

ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله . . أي : نرجع إلى الشرك الذي كنا فيه بعد أن هدانا الله إلى الإسلام ، وأنقذنا من الكفر والضلال .

يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها : قد رد على عقبيه .

قال العلامة أبو السعود : ( والتعبير عن الرجوع إلى الشرك بالرد على الأعقاب ، لزيادة تقبيحه ، بتصويره بصورة ما هو علم في القبح ) ا . ه .

وهو الرجوع إلى الوراء إدبارا بغير رؤية موضع القدم .

كالذي استهوته الشياطين في الأرض . وهم الغيلان ، أو مردة الجن ، يدعونه باسمه واسم أبيه وأمه فيتبعها ويرى أنه في شيء ، فيصبح وقد ألقته في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشا ، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله ( 107 ) .

حيران . أي أمسى حيران لا يدري كيف ينجو من المهالك ويصل إلى غايته .

له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا . أي له رفاق لم يستجيبوا إلى استهواء الشياطين ، بل ثبتوا على الطريق المستقيم ، وجعلوا يدعونه إلى الطريق المستقيم قائلين له : ائتنا لكي تنجو من الهلاك ، ولكنه لحيرته وضلاله لا يجيبهم ولا يأتيهم .

من تفسير ابن كثير :

جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية : إن مثل من يكفر بالله بعد إيمانه ، كمثل رجل خرج مع قوم على الطريق ، فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض ، وأصحابه على الطريق ، فجعلوا يدعونه إليهم ، ويقولون : ائتنا فإنا على الطريق ، فأبى أن يأتيهم ، فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومحمد - صلى الله عليه وآله وسلم – هو الذي يدعوا إلى الطريق ، والطريق هو الإسلام .

قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين . أي قل أيها الرسول لدعاة الضلال : إن هدى الله – هو الإسلام – هو الطريق الهادي إلى السلامة في الدنيا والآخرة ، وما عداه فهو الضلال والخذلان ، وأمرنا لنسلم وجوهنا لله رب العالمين .